إسرائيل تعيد تسويق التهجير بمصطلح ”العبور الحر”.. خبير يكشف تطور الخطاب وآليات التنفيذ
قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح إن الخطاب الإسرائيلي المتعلق بقطاع غزة يشهد تحولًا متدرجًا في المصطلحات المستخدمة لتسويق سياسات تهجير الفلسطينيين، معتبرًا أن الانتقال من مصطلح "الترانسفير" إلى "الهجرة الطوعية" ثم إلى "العبور الحر" لا يعكس تغييرًا في جوهر السياسة، وإنما يمثل محاولة لإعادة صياغتها بلغة أكثر قبولًا على المستوى الدولي، مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي المتمثل في إعادة الهندسة الديموجرافية للقطاع.
وأوضح مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن هذا التطور اللغوي جاء استجابة للضغوط القانونية والدبلوماسية التي واجهتها إسرائيل، إذ ارتبط مصطلح "الترانسفير" تاريخيًا بمفهوم الترحيل القسري الجماعي المصنف في القانون الدولي باعتباره تطهيرًا عرقيًا وجريمة حرب، ما دفع صناع القرار الإسرائيليين إلى استبداله بمصطلح "الهجرة الطوعية" الذي حاول إضفاء طابع اختياري على مغادرة السكان، قبل أن يجري لاحقًا تبني مفهوم "العبور الحر" بوصفه صيغة جديدة تقدم التهجير باعتباره حقًا إنسانيًا في حرية التنقل والخروج من مناطق الحرب.
وأشار إلى أن التقارير الإسرائيلية تحدثت، خلال يونيو 2026، عن تعليمات صدرت للأجهزة الأمنية والاستخباراتية بإعادة طرح المبادرة باستخدام لغة أكثر قبولًا دوليًا، واستبدال مصطلح "الهجرة الطوعية" بخطة "العبور الحر"، في محاولة لتجاوز الاعتراضات الدولية التي واجهت الخطط السابقة، مؤكدًا أن هذا التحول يعكس قناعة إسرائيلية بأن المشكلة تكمن في طريقة تسويق السياسة وليس في مضمونها.
وأضاف أن جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية لم يتغير، ويتمثل في دفع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين إلى مغادرة قطاع غزة عبر خلق بيئة طاردة للحياة، مشيرًا إلى أن الخطاب الجديد لا يمثل سوى غطاء سياسي ودبلوماسي لسياسة ثابتة تستهدف إفراغ القطاع من سكانه.
ورأى مصلح أن هذا الخطاب يرتبط مباشرة بخطط عسكرية سبق أن طُرحت ونُفذت على الأرض، وفي مقدمتها ما يعرف بـ"خطة الجنرالات" التي اقترحها الجنرال الإسرائيلي السابق جيورا آيلاند، وتعتمد على إخلاء شمال قطاع غزة وفرض حصار شامل واستخدام التجويع وسيلة للضغط، إلى جانب عملية "عربات جدعون" التي أقرها المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، وتقوم على تكثيف العمليات العسكرية واحتلال مناطق داخل القطاع وتهجير السكان إلى الجنوب، مع ربط توزيع المساعدات الإنسانية بآليات السيطرة الإسرائيلية.
وأكد أن الخطط العسكرية توفر الآلية التنفيذية للتهجير، بينما تؤدي المصطلحات الجديدة دور الغطاء القانوني والإعلامي، بحيث يجري تصوير مغادرة السكان باعتبارها خيارًا شخصيًا، رغم أنها تأتي نتيجة ظروف إنسانية ومعيشية وأمنية تُفرض عليهم بالقوة.
وفي سياق متصل، أوضح مصلح أن إسرائيل تشهد نقاشًا داخليًا متصاعدًا بشأن جدوى هذه السياسات، مبينًا أن الانقسام لا يدور حول أبعادها الأخلاقية، وإنما حول فعاليتها السياسية والعسكرية وكلفتها الاستراتيجية.
وأشار إلى أن تيار اليمين الإسرائيلي يدفع باتجاه مواصلة خطط الحسم العسكري وفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما تبدي أوساط داخل المؤسسة العسكرية والأمنية تحفظات متزايدة نتيجة استمرار حرب الاستنزاف، وارتفاع الخسائر البشرية، وتفاقم الأعباء الاقتصادية، إلى جانب تنامي الضغوط الدولية واتساع العزلة السياسية، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بمصير الأسرى الإسرائيليين.
واعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول الموازنة بين هذين الاتجاهين، عبر تبني خطاب أكثر مرونة على المستوى الدولي، مع الاستمرار في تنفيذ السياسات العسكرية على الأرض بما يضمن الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي.
واختتم مصلح بالقول إن التحولات الأخيرة في الخطاب الإسرائيلي تمثل تطورًا في أدوات الحرب النفسية والقانونية أكثر من كونها تغييرًا في السياسة الفعلية، مؤكدًا أن الهدف الأساسي ما زال يتمثل في إعادة تشكيل الواقع الديموجرافي في قطاع غزة، بينما يجري تعديل الخطاب ليتلاءم مع الضغوط الدولية والقيود القانونية، دون المساس بجوهر المشروع الإسرائيلي.

















.jpg)






