النهار
الأحد 21 يونيو 2026 09:39 مـ 5 محرّم 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
الدفع ب5 سيارات إطفاء. نشوب حريق داخل مخزن فلانكات تابع للسكة الحديد في قنا طالب مصري يطور ذكاء إصطناعياً لقراءة القلب 10 دقائق كاملة.. ومنحة دكتوراه في مينيسوتا مكتبة الإسكندرية توقع اتفاقية تعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة رئيس جامعة المنوفية يعقد لقاءً صحفيًا موسعًا ويستعرض حصاد الإنجازات ويزف بشائر اليوبيل الذهبي بمشروعات استراتيجية كبرى برامج الذكاء الإصطناعي وريادة الأعمال.. أورنچ مصر تؤهل الشباب لوظائف المستقبل كاسبرسكي تعلن أسماء الفائزين بتصفيات SAS CTF وتبدأ استقبال طلبات المشاركة في Kaspersky{CTF} 2026 نائب محافظ الدقهلية يتفقد أعمال تطوير قصر ثقافة المنصورة مكتبة الإسكندرية تنظم ندوة ”السياحة والآثار.. إعادة اكتشاف الوطن وصناعة المستقبل” مدير الشؤون القانونية بمستشفيات جامعة الإسكندرية يقدم بلاغ ضد أمنية سويدان طبية مستشفي الشاطبي ضبط 698 عبوة مبيدات زراعية منتهية الصلاحية بقلين في كفرالشيخ رئيس جامعة كفر الشيخ يشهد حفل تكريم عميد كلية الألسن تقديرًا لمسيرة عطاء أكاديمية وإنسانية حافلة خلال تدشينه بمقر الامانة العامة ..أبو الغيط: متحف جامعة الدول العربية منارة لحفظ الذاكرة العربية وتوثيق مسيرة العمل المشترك

عربي ودولي

سويسرا ترسم شرق أوسط ما بعد الحرب.. إيران تربط النووي بلبنان وتضع واشنطن أمام اختبار الالتزام

انطلاق المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في سويسرا
انطلاق المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في سويسرا

دخلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة وأكثر حساسية مع انطلاق الاجتماعات الفنية والسياسية في منتجع بورغنشتوك السويسري، برعاية مشتركة من قطر وباكستان، في خطوة تعكس انتقال الطرفين من مرحلة وقف المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة اختبار القدرة على تحويل الهدنة المؤقتة إلى تسوية سياسية طويلة الأمد.

وتحمل هذه الجولة أهمية استثنائية لأنها تأتي بعد أشهر من الحرب التي اندلعت إثر العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وما تبعها من مواجهات عسكرية واسعة النطاق هزّت أسواق الطاقة العالمية وهددت أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز. ولذلك لا تبدو الاجتماعات الجارية مجرد مفاوضات تقنية حول بنود تفاهم سابق، بل تشكل محاولة لإعادة هندسة المشهد الإقليمي بأكمله.

وتضم الاجتماعات شخصيات سياسية رفيعة المستوى من الجانبين، من بينها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، مقابل مشاركة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، بما يؤكد أن المباحثات تجاوزت الإطار الفني وأصبحت ذات طبيعة استراتيجية مباشرة.

شروط طهران الصلبة

ورغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمفاوضات، فإن الموقف الإيراني يكشف أن طهران لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره مسارا منفصلا عن بقية ملفات المنطقة، بل تعتبره جزءا من منظومة مترابطة تشمل لبنان والعقوبات والنفط والأموال المجمدة.

ومن هذا المنطلق، وضعت القيادة الإيرانية مجموعة من الشروط المسبقة قبل الانتقال إلى مفاوضات الستين يوما الخاصة بالبرنامج النووي، وفي مقدمتها الالتزام الفعلي بإنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، وخاصة الساحة اللبنانية التي تحولت إلى أحد الاختبارات الرئيسية لجدية الولايات المتحدة وحلفائها.

وتعكس تصريحات المسؤولين الإيرانيين إصرارا واضحا على أن أي نقاش تفصيلي حول الملف النووي لن يبدأ قبل تنفيذ الالتزامات المتعلقة بوقف الحرب ورفع القيود الاقتصادية والإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج. وبهذا المعنى، تسعى طهران إلى منع تكرار تجارب سابقة شهدت حصولها على وعود سياسية دون ترجمتها إلى إجراءات عملية على الأرض.

لبنان عقدة الاتفاق

تكشف المعطيات المتداولة أن الملف اللبناني تحول إلى إحدى أكثر العقد تعقيدا في المفاوضات الحالية، بعدما ربطت إيران بصورة مباشرة بين استقرار الجنوب اللبناني وبين تقدم المسار التفاوضي مع واشنطن.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه طهران أن تنفيذ مذكرة التفاهم يتطلب وقف الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان، يواصل قادة الاحتلال التمسك بما يسمونه "المنطقة الأمنية" جنوب البلاد، مع رفض الانسحاب الكامل أو وقف العمليات العسكرية بصورة نهائية.

هذا التناقض يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية. فمن جهة تسعى واشنطن لإنجاح المفاوضات مع إيران، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطا إسرائيلية تمنعها من تقديم ضمانات حاسمة بشأن الساحة اللبنانية.

ولذلك تبدو جبهة لبنان اليوم أكثر من مجرد ملف جانبي في المفاوضات، إذ تحولت إلى معيار لقياس قدرة الولايات المتحدة على فرض التزاماتها على حلفائها، وإلى اختبار عملي لمستقبل الاتفاق بأكمله.

النفط قبل النووي

تكشف تركيبة الوفد الإيراني المشارك في المفاوضات أولويات طهران الحقيقية خلال هذه المرحلة. فإلى جانب وزير الخارجية، يشارك محافظ البنك المركزي ومسؤولون اقتصاديون ونفطيون بارزون، ما يشير إلى أن المعركة الأساسية بالنسبة لإيران لا تتعلق حاليا بمستويات التخصيب أو أجهزة الطرد المركزي، بقدر ما تتعلق بفك الخنق الاقتصادي الذي فرضته الحرب والعقوبات.

وخلال الأشهر الماضية تعرض الاقتصاد الإيراني لضغوط كبيرة نتيجة تعطل جزء من صادرات النفط وإغلاق مسارات تجارية حيوية في الخليج، الأمر الذي انعكس على معدلات التضخم ومستويات المعيشة داخل البلاد.

لهذا السبب تركز طهران على استعادة قدرتها على تصدير النفط بحرية، وضمان وصول عائداته المالية، والإفراج عن الأموال المجمدة في الخارج. وترى القيادة الإيرانية أن تحقيق هذه الأهداف يمثل اختبارا عمليا لجدية الولايات المتحدة أكثر من أي نصوص مكتوبة أو تعهدات سياسية.

رسائل الحرب والذاكرة

ولم تخلُ المفاوضات من البعد الرمزي والسياسي. فقد اختار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن يرافق وصوله إلى سويسرا بنشر مشاهد توثق مقتل تلميذات إيرانيات في القصف الذي استهدف مدرسة بمدينة ميناب خلال الأيام الأولى للحرب.

ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن محاولة إيرانية واضحة لتذكير العالم بأن المفاوضات الحالية جاءت بعد حرب خلفت خسائر بشرية كبيرة، وأن طهران تدخل طاولة التفاوض من موقع يعتبر نفسه تعرض لعدوان خارجي وليس من موقع الطرف المهزوم الباحث عن تسوية بأي ثمن.

وتعكس هذه الرسائل رغبة إيرانية في تثبيت روايتها السياسية للحرب بالتوازي مع التفاوض، ومنع اختزال الأزمة في الملف النووي فقط، عبر إبراز الكلفة الإنسانية والعسكرية التي دفعتها البلاد خلال المواجهة.

توازنات إقليمية جديدة

تكشف طبيعة الرعاية القطرية الباكستانية للمفاوضات عن تحول مهم في خريطة الوساطات الإقليمية. فبدلا من الاحتكار الغربي التقليدي لمسارات التفاوض الكبرى، برزت قوى إقليمية قادرة على لعب أدوار مباشرة في إدارة الأزمات وصناعة التفاهمات.

ويعكس الحضور القطري والباكستاني رغبة مشتركة في تثبيت معادلة إقليمية جديدة تقوم على احتواء الصراعات ومنع انزلاق المنطقة إلى حروب مفتوحة تهدد أمن الطاقة والتجارة الدولية.

كما أن نجاح هذه الوساطة سيمنح الدولتين مكانة سياسية متقدمة في هندسة ترتيبات ما بعد الحرب، ويعزز الاتجاه نحو نظام إقليمي أكثر تعددية وأقل خضوعا للاحتكار التقليدي للقوى الكبرى.

اختبار الثقة النهائي

ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت انطلاق اجتماعات سويسرا، فإن العقبة الأساسية لا تزال تتمثل في أزمة الثقة المتراكمة بين الطرفين. فإيران تطالب بضمانات عملية وقابلة للقياس، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على التزامات بعيدة المدى تتعلق بالبرنامج النووي والدور الإقليمي لطهران.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو مفاوضات بورغنشتوك أكثر من مجرد جولة تفاوضية جديدة، إذ تمثل محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي في الشرق الأوسط بعد أشهر من الحرب.

وإذا نجحت الأطراف في تجاوز عقدتي لبنان والعقوبات الاقتصادية، فقد تفتح الطريق أمام اتفاق أوسع يعيد تشكيل توازنات المنطقة لسنوات طويلة. أما إذا تعثرت هذه الملفات، فإن الهدنة الحالية قد تتحول إلى مجرد استراحة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع، في منطقة لم تُغلق فيها بعد ملفات الحرب بصورة نهائية.