من وهم النصر إلى مأزق البقاء: خبير استراتيجي يكشف أزمة العقل الإسرائيلي بعد حرب الاستنزاف
قال الخبير الاستراتيجي الدكتور محمد خليل مصلح إن إسرائيل تواجه ما وصفه بـ"الانسداد الاستراتيجي" رغم ما حققته من نجاحات وعمليات عسكرية واسعة في أكثر من ساحة، معتبراً أن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية باتت تعاني من غياب رؤية سياسية قادرة على تحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج استراتيجية مستدامة.
وأوضح مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن الفكر الأمني الإسرائيلي يشهد تحولاً عميقاً يمس جوهر عقيدته القتالية والسياسية، حيث أصبحت الأدوات العسكرية والتكتيكية تحل محل الأهداف السياسية الكبرى، في ظل عجز متزايد عن بلورة مشروع سياسي واضح لما بعد العمليات العسكرية.
وأشار إلى أن هذا التحول أدى إلى حالة من التخبط الاستراتيجي، إذ باتت إسرائيل تحقق إنجازات ميدانية موضعية دون أن تتمكن من حسم الصراع أو فرض واقع سياسي مستقر يترجم تلك الإنجازات على الأرض.
أيديولوجيا الحرب
ورأى الخبير الاستراتيجي أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية الحالية تقوم على ركيزتين أساسيتين تتمثلان في السيطرة على الأرض وتكثيف سياسة الاغتيالات ضد قادة المقاومة، معتبراً أن هاتين الأداتين تحولتا من وسائل عسكرية مؤقتة إلى أهداف قائمة بذاتها داخل الخطاب السياسي للحكومة الإسرائيلية.
وأوضح أن التوسع الجغرافي في قطاع غزة أو جنوب لبنان يُقدَّم داخل إسرائيل باعتباره إنجازاً استراتيجياً نهائياً، بينما يتحول عملياً إلى عبء أمني وعسكري واقتصادي في ظل غياب رؤية سياسية واضحة لما بعد السيطرة الميدانية.
وأضاف أن استمرار الاحتلال أو التوغل داخل المناطق الفلسطينية واللبنانية يضع الجيش الإسرائيلي أمام استنزاف طويل الأمد، سواء على مستوى الموارد البشرية أو الاقتصادية أو الأمنية.
وفي السياق ذاته، اعتبر مصلح أن سياسة الاغتيالات لم تحقق النتائج الاستراتيجية التي راهنت عليها إسرائيل، موضحاً أن التجارب السابقة أظهرت قدرة فصائل المقاومة على إعادة إنتاج قياداتها بصورة متواصلة، الأمر الذي يجعل تأثير عمليات الاغتيال محدوداً زمنياً وغير قادر على تغيير مسار الصراع بصورة جذرية.
مفارقة القوة
وأشار مصلح إلى وجود مفارقة استراتيجية وصفها بأنها من أبرز سمات المرحلة الحالية، تتمثل في أن إسرائيل تحقق تفوقاً عسكرياً وعملياتياً واضحاً، لكنها تخرج سياسياً واستراتيجياً في موقع أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل الحرب.
وأوضح أن خصوم إسرائيل يتعرضون لضربات عسكرية متكررة، إلا أنهم يواصلون الاحتفاظ بحضورهم السياسي والجيوسياسي وقدرتهم على التأثير في مجريات الصراع، وهو ما يعكس حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية النهائية.
وأضاف أن هذا الواقع يكشف ما وصفه بـ"وهم تفويض القوة المطلق" الذي منحته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحكومة الإسرائيلية خلال الحرب، حيث تمتعت تل أبيب بحرية حركة عسكرية واسعة، لكنها بقيت في نهاية المطاف رهينة للقرار السياسي الأمريكي.
وأكد أن واشنطن تنظر إلى المكاسب العسكرية الإسرائيلية باعتبارها أوراق ضغط تستخدم لتحسين شروط التفاوض وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، وليس باعتبارها وسيلة لتحقيق الرؤية الأيديولوجية التي يطرحها اليمين الإسرائيلي تحت شعار "النصر الكامل".
ورأى أن هذا التناقض يضع إسرائيل أمام معضلة متزايدة، حيث تصطدم تطلعات الحكومة اليمينية بالسقف السياسي الذي تفرضه الإدارة الأمريكية على أي تسوية إقليمية مقبلة.
أزمة نتنياهو
وفي قراءته للمشهد السياسي الداخلي، اعتبر مصلح أن اليمين الإسرائيلي لم يعد مجرد تيار سياسي أو أيديولوجي، بل تحول إلى منظومة ترتبط بصورة مباشرة بشخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وأوضح أن نتنياهو بات يمثل نقطة التوازن الرئيسية بين مكونات الائتلاف الحاكم، بما يشمل الأحزاب الدينية والقومية والمتشددة، الأمر الذي جعل استمرار هذا التحالف مرهوناً إلى حد كبير ببقائه في المشهد السياسي.
وأشار إلى أن هذا الواقع يضع إسرائيل أمام احتمالين متوازيين؛ أولهما أن يؤدي تراجع نتنياهو أو خروجه من السلطة إلى تفكك التحالف اليميني الحالي واندلاع صراعات داخلية على القيادة والنفوذ، خاصة داخل حزب الليكود والتيارات اليمينية المتطرفة.
وأضاف أن القوى الأكثر تشدداً داخل الحكومة، وعلى رأسها التيارات التي يمثلها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، قد تسعى إلى دفع المشهد السياسي نحو مزيد من التطرف في حال غياب نتنياهو، ما يفاقم حالة الانقسام داخل المعسكر اليميني.
معارضة بلا رؤية
وفي المقابل، حذر مصلح من الاعتقاد بأن سقوط نتنياهو سيؤدي تلقائياً إلى ظهور بديل قادر على معالجة الأزمات الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل.
وأوضح أن قوى المعارضة الإسرائيلية، التي تضم شخصيات من تيارات الوسط والمؤسسة الأمنية والعسكرية السابقة، تعاني من تباينات عميقة في الرؤى والأولويات، ما قد يجعل أي حكومة مستقبلية عرضة للخلافات الداخلية والشلل السياسي.
وأضاف أن غياب التجانس الفكري والسياسي داخل أي ائتلاف بديل قد يحد من قدرته على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالحرب أو التسويات الإقليمية أو مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين ودول الجوار.
ورأى أن هذا الواقع يجعل إسرائيل عالقة بين معسكر حاكم يستهلك طاقته في معركة البقاء السياسي، ومعارضة غير قادرة حتى الآن على إنتاج مشروع استراتيجي متماسك لما بعد نتنياهو.
شجاعة الانسحاب
وأكد الخبير الاستراتيجي أن الخروج من الأزمة الحالية يتطلب انتقالاً من منطق الحرب المفتوحة إلى مقاربة أكثر عقلانية تقوم على إعادة صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة.
وأوضح أن وقف الاستنزاف الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي والدولة العبرية يستدعي التوصل إلى تفاهمات تعيد ضبط قواعد الاشتباك وتفتح المجال أمام صيغة أقرب إلى "اللا حرب واللا سلم"، بدلاً من استمرار المواجهة المفتوحة.
وأضاف أن تحقيق هذا التحول يمر عبر الانسحاب من المناطق التي تم التوغل فيها خلال الحرب، سواء في قطاع غزة أو جنوب لبنان، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل التحدي الأكبر أمام القيادة الإسرائيلية الحالية.
وأشار إلى أن المجتمع الإسرائيلي ما زال يعيش تحت تأثير صدمة السابع من أكتوبر، وهو ما يجعل أي حديث عن الانسحاب أو التسوية السياسية يواجه رفضاً واسعاً داخل الشارع والقوى السياسية اليمينية.
وختم مصلح بالقول إن الصراع الحقيقي داخل إسرائيل خلال المرحلة المقبلة لن يكون بين اليمين واليسار بالمعنى التقليدي، بل بين تيار براجماتي تفرضه الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية ويبحث عن تسويات واقعية، وبين تيار أيديولوجي يواصل الرهان على الحلول العسكرية رغم تراجع قدرتها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يدفع إسرائيل نحو مزيد من الاستنزاف والتآكل السياسي والأمني في السنوات المقبلة.

















.jpg)






