لماذا دعى مرشد الثورة الإيرانية في رسالته الأخيرة إلى زراعة الأشجار أثناء الحرب؟
أجاب الدكتور أحمد لاشين، أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة عين شمس، على التساؤل الخاص بـ«لماذا دعى مرشد الثورة الإيرانية في رسالته الأخيرة إلى زراعة الأشجار أثناء الحرب؟»، موضحاً أن مرشد الثورة الإيرانية مجتبى خامنئي دعى في رسالته الثالثة إلى الشعب الإيراني، لأمر لافت بدا غير واضح الهدف والدلالة لمختلف وسائل الإعلام وأثار سخرية بعض المحللين خاصة من غير المتخصصين في الثقافة الإيرانية أو اللغة الفارسية.
وقال «لاشين» في تحليل له، إن مجتبى دعى المواطنين الإيرانيين إلى زراعة الأشجار في مختلف ربوع إيران وهي فكرة تبدو غريبة بعض الشئ خاصة أنه ترك كل الشأن العسكري والحربي ليركز في خطابه الشعبي وأثناء وقت حساس على زراعة الأشجار، مؤكداً أن الأمر في الحقيقة أكثر عمقاً مما يبدو.
وذكر أن مجتبى خامنئي يستخدم مُكون قومي غاية في الأهمية مرتبطة بيوم «سيزده بدَر» أو اليوم الثالث عشر من شهر فروردين أي بداية السنة الإيرانية أو عيد النيروز الذي أُطلق عليه بعد الثورة «يوم الطبيعة»، وفي هذا اليوم ومنذ آلاف السنين يخرج الإيرانيون إلى الطبيعة والأنهار والمنتنزهات للدعاء إلى إله المطر «في المعتقد القديم» حتى يبارك الأرض الإيرانية حيث يقومون بزراعة البذور ودعوة الإله لإنزال المطر حتى تنبت.
وأوضح الدكتور أحمد لاشين، أن هذه الفكرة امتدت إلى الآن فيقوم الإيرانيون بزراعة الورود والأشجار والشتلات الصغيرة حتى في بيوتهم أو في الحدائق القريبة منهم، كما أن استخدام مرشد الثورة الإيرانية لهذا المفهوم القومي أو الاحتفالي لا يخرج عن سياق الحرب بل يعزز الجانب القومي الإيراني خاصة أن عيد النيروز لا يخص القومية الفارسية منفصلة عن بقية الأعراق في إيران، فهو عيد إيراني يشمل كل العرقيات، وبالتالي مجتبي يحاول أن يؤكد على فكرة التضافر الشعبي بالإضافة إلى الإشارة للجانب الحضاري أمام الهمجية الأمريكية والإسرائيلية، أو اللاإنسانية كما أشار هو في خطابه بشكل مباشر.
وشدد على أنه يحاول دغدغة مشاعر الوطنية بالحفاظ على الأرض أمام العدوان العسكري، مؤكداً أنه رغم الخطاب السياسي القومي الذي يتبناه مجتبى في هذا الظرف التاريخي لكن لفكرة زراعة الأشجار جانب مذهبي عقائدي فلابد من تهيئة الأرض لعودة المهدي المنتظر، وإعمار الأرض وزراعتها من أهم سبل تحقق تلك الفكرة في المخيال الشيعي، وبالتالي أراد المرشد أن يؤكد على فكرة الصمود العقائدي أمام حرب شرسة يحاول الخطاب الديني في إيران أن يربطها بحروب نهاية الزمان وتعجيل عودة المهدي.
ونوه إلى أنه من الملاحظ كذلك أن هناك العديد من الدعوات التي تمت بالفعل، لإقامة صلاة الاستغاثة بالمهدي المنتظر التي أُقيمت في مختلف ربوع وميادين ومدن إيران في محاولة للاستعانة بـ«المدد الغيبي» أمام قسوة الواقع العسكري والاجتماعي، مثلما حدث أيضاً في نهايات الحرب العراقية الإيرانية حينما وصلت الأمور لقمتها الدرامية، فصلاة الاستغاثة التي دعى إليها النظام هي في جانب منها إعلان عجز بشكل أو بأخر ولكن في عمقها تثبيت فكرة النصر المنتظر لسان حال النظام لشعبه «حتى وإن هزمنا اليوم فسوف ينصرنا الله ببركة ودعم الإمام المهدي قريباً».
وأكد أن «مجتبى» ربط ذكر مأساة مدرسة «الشجرة الطيبة» التي راح ضحيتها حوالي 170 فتاة صغيرة، أثناء هجمات أمريكا وإسرائيل في اليوم الأول، فقد ربط بين مسمى المدرسة وبين فعل زراعة الأشجار في محاولة منه إشعال الجانب الإنتقامي في نفوس المجتمع، وبالتالي استمرار فكرة المقاومة وصولاً إلى رمزية الفتيات الصغار وكأنهم بذور تم وأدها، سنعوضها بزراعة أشجار أخرى أو إعادة إعمار إيران، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن ميادين طهران ولوحاتها الإعلانية تضج بجداريات التجمعات الشعبية التي تتم يومياً في مظاهرات داعمة للنظام، وصور للفتيات الشهيدات، فقد تحولت المدرسة إلى رمز لمرحلة الحرب التي تعاني منها إيران الآن.
وشدد على أن المرشد بدأ خطابه بالآية القرآنية «هُوَ اَنشَأََکُم مِنَ الارضِ وَاستَعمَرَکُم فیها» ودلالة تلك الآية في الأدبيات الشيعية تتجاوز فكرة الإعمار العام للأرض التي هي وظيفة الإنسان وهدفه إلى فكرة دور الأئمة وخاصة الإمام المهدي في استعمار الأرض، فبناء وإعمار الأرض هو دور حصري للمهدي، وعلى بقية البشرية أن تؤهل الأرض لقدومه، وإذا وضعنا فكرة ولاية الفقية أو أن الولي الفقيه هو نائب الإمام المهدي، فإن دعوة زراعة الأشجار هو أمر لا يأتي من المرشد أو الولي الفقيه ولكن من الإمام الغائب ذاته.
واختتم الدكتور أحمد لاشين تحليله بأن استخدام فكرة زراعة الشجر في الخطاب السياسي الخاص بالمرشد الجديد يعني دمج فيه بين جوانب عديدة القومي والمذهبي والعقائدي والسياسي والوطني في محاولة للحفاظ على حالة التجييش الاجتماعي التي يحافظ عليها النظام الأن بكل السبل، فالرسالة الأخيرة للمرشد على قصرها، تعكس كيف يفكر النظام الجديد الآن، الذي أصبح عسكرياً بخلفية دينية مقدسة يراعي البعد القومي بدأب شديد.









.jpg)

