النهار
الإثنين 2 فبراير 2026 10:53 مـ 14 شعبان 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

المحافظات

بدء موسم الموالد بالفيوم.. آلاف الصوفيين والأهالي يحيون الليلة الكبيرة لمولد الشيخ علي الروبي

بدأت محافظة الفيوم استقبال موسم الموالد السنوي، الذي ينطلق بمولد الشيخ علي الروبي في منتصف شهر شعبان، ويستمر لنحو ثلاثة أشهر متتالية، احتفاءً بمقامات وأولياء الله المنتشرة في أرجاء المحافظة، في مشهد يعكس عمق التراث الصوفي والشعبي الذي تتميز به الفيوم عن غيرها من المحافظات.

وشهد مسجد وحَيّ الروبي بمدينة الفيوم، مساء الاثنين، أجواءً روحانية وشعبية مميزة خلال “الليلة الكبيرة” لمولد الشيخ علي الروبي، والتي توافق النصف من شعبان من كل عام، حيث احتشد الآلاف من أتباع الطرق الصوفية، خاصة الرفاعية والبيومية والقادرية، إلى جانب أهالي المحافظة وزوار قدموا من مختلف المراكز، بل ومن بعض محافظات الصعيد، للمشاركة في إحياء المناسبة.

وامتلأت ساحة المسجد والشوارع المحيطة به بالزائرين، وسط زحام كثيف وحالة من البهجة، حيث افترش المواطنون الحُصر، وأقاموا موائد الطعام، وانتشرت الألعاب والمراجيح المخصصة للأطفال، والتي جذبت الصغار مقابل خمسة جنيهات للّفة الواحدة، إلى جانب باعة “الدردرمة” والحلوى و”النيشان”، في صورة تعكس الطابع الشعبي الأصيل للمولد. كما حرص عدد من الأهالي على توزيع علب الأرز باللبن وأرغفة الخبز باللحم، تقرّبًا وتبركًا بالمناسبة.

وتُعد مدينة الفيوم من أكثر المحافظات المصرية احتفاءً بمقامات الأولياء، وهو ما انعكس على ملامحها العمرانية والثقافية، إذ حملت شوارعها الرئيسية أسماء عدد من الأولياء مثل الشيخة “مريم”، والشيخ “الصوفي”، والشيخ “الروبي”، و”مرزبان”، و”أبوجراب”، الذين اتخذوا مواقعهم على ضفاف ترعة بحر يوسف. وقد سُجلت حكاياتهم في الذاكرة الشعبية باعتبارها جزءًا أصيلًا من التراث الشفاهي الذي توارثته الأجيال، فمنهم من له جذور تاريخية موثقة، ومنهم من نُسجت حوله الأساطير، التي ارتبطت بطقوس وشعائر تمثل معتقدًا راسخًا في حياة العامة، وتُقام لهم موالد في أوقات مختلفة، سواء داخل مدينة الفيوم أو في مراكز وقرى المحافظة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور إبراهيم عبد العليم حنفي، المتخصص في التراث الشعبي، إن محافظة الفيوم تزخر بعدد كبير من المقامات، ويُعد مقام سيدي علي الروبي من أشهرها، بل ويُمثل “البطل الحقيقي للفيوم”، خاصة للمنطقة التي يقع بها المقام، حيث يجسد في الوعي الجمعي قيم البطولة والخلاص والعدل.

وأوضح “حنفي” أن تاريخ هذا الولي يعود إلى عصر السلطان برقوق والي مصر، إذ تروي المصادر أن الشيخ تنبأ للسلطان برقوق بتوليه حكم مصر، فأنشأ له السلطان زاوية خاصة بجوار منزله. وأضاف أن سيدي علي الروبي هو علي أحمد السيد الشريف، وينتهي نسبه إلى العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة 708 هجرية، وكان معروفًا بالزهد والنسك.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي إلى أن العامة نسجت حول الشيخ علي الروبي العديد من الحكايات التي آمنت بها إيمانًا راسخًا، من بينها قدرته على منع البلاء عن المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية عام 1945، عندما أُلقيت قنبلة على مدينة الفيوم، ويُعتقد أنه حوّل مسارها من قلب المدينة إلى ترعة بحر يوسف، حمايةً لأهلها. كما تُروى حكايات عن بشارته لأهل القاهرة بانفراج الغلاء ورفع البلاء بعد شهر، وهو ما يقولون إنه تحقق بالفعل، إلى جانب تنبؤه بموت السلطان علي بن الأشرف شعبان بعد فترة من الغلاء.

وأضاف “حنفي” أن من أشهر الحكايات المتداولة أيضًا “رد الغائب”، حيث تُحكى قصة سيدة فقدت طفلها الصغير لعدة سنوات، وظلت تزور مقام الولي في مولده السنوي متوسلة، حتى رأته – بحسب الموروث الشعبي – فوق المقام يمد يديه إليها، فاحتضنته وطافت به حول المقام شاكرة، ثم أوفت نذرها بكسوة المقام وإشعال الشموع وتوزيع الأطعمة، وعلى رأسها الفول النابت والأرز باللبن.

كما تروى حكاية أخرى عن حماية المكان من السرقة، إذ يُقال إن سيدي علي الروبي قيّد لصوصًا اعتادوا سرقة الماشية من منطقة درب الطباخين، بعدما مروا ليلًا بالمقام، فوجدوا أنفسهم موثوقين بالحبال ويستغيثون من الألم، وهو ما دفع الأهالي إلى الإشادة بكرامة الولي وقدرته على حماية المنطقة من أي سوء. ومن هنا، نشأت عبارات القسم الشعبية والأغاني التي تُردد خلال أداء الطقوس الخاصة بالمولد.

ويظل مولد الشيخ علي الروبي، بما يحمله من طقوس دينية ومظاهر شعبية، علامة فارقة في بداية موسم الموالد بمحافظة الفيوم، ومشهدًا سنويًا يجسد التلاحم بين الموروث الصوفي والتراث الشعبي، في محافظة عُرفت عبر تاريخها بأنها أرض الأولياء والحكايات.