كيف أعاد التحكم الرقمي ترتيب الحسابات العسكرية الأميركية الإيرانية؟
كشفت الدكتورة شيماء المرسي، الخبيرة في الشأن الإيراني، دلالات التحكم الرقمي وإعادة تشكيل الحسابات العسكرية الأمريكية تجاه إيران، موضحة أنه إيران دخلت مطلع يناير 2026 مرحلة حاسمة من إعادة ضبط السلطة الداخلية، بعد موجة احتجاجات واسعة هزت العاصمة وأثارت قلق القوى الإقليمية والدولية، فما يبدو على السطح كأزمة شعبية داخلية تخفي في طياتها تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق في السيادة الرقمية الإيرانية، التي لم تقتصر على إدارة الاحتجاجات، بل أعادت صياغة الحسابات الأمريكية وتراجع الرئيس الأمريكي عن ضربة عسكرية كان يلوح بها علنًا، لتثبت أن التحكم الرقمي أصبح أداة ردع تؤثر مباشرة على صانعي القرار الدولي.
ونقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، إعلان المدير العام للتربية والتعليم في العاصمة طهران عن إعادة فتح المدارس اعتبارًا من يوم الأحد 18 يناير 2026، في خطوة تعكس نجاح السلطات الإيرانية في استعادة السيطرة الأمنية الفعلية على شوارع العاصمة عقب الاحتجاجات، وإعادة الحياة اليومية إلى نسقها الطبيعي. ويؤكد هذا القرار أن لجوء النظام الإيراني إلى قطع الإنترنت لم يكن مجرد إجراء احترازي عابر، بل شكل أحد الأعمدة الأساسية في الاستراتيجية الأمنية المعتمدة، لإنهاء الاحتجاجات وإحكام السيطرة على المشهد الداخلي، ترجمة تحليل «المرسي».
ويتقاطع هذا التقدير مع تقرير صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية، الصادر في 14 يناير 2026، بعنوان: How Iran switched off the internet/ كيف قطعت إيران الإنترنت؟، وكذلك مع ما خلصتُ إليه في مقالتي المنشورة بمجلة السياسة الدولية بتاريخ 13 يناير 2026 بعنوان: معادلة احتواء البازار وحدود إعادة إنتاج الشرعية في إيران، حسبما ترجمت الخبيرة في الشأن الإيراني.
في هذا الإطار نفذت الحكومة الإيرانية واحدة من أكثر عمليات حجب الإنترنت شمولية في الذاكرة الحديثة، عبر قطع شبه كامل للمستخدمين عن الشبكة العالمية، مع إبقاء شبكة وطنية محدودة تعمل بشكل انتقائي لدعم المؤسسات الحيوية للدولة. وقد وثقت فايننشيال تايمز هذا الإغلاق الرقمي باستخدام مخططين رئيسيين:
- الأول: يرصد الانهيار الحاد في الاتصال بالإنترنت استنادًا إلى بيانات NetBlocks.
- الثاني: يقارن بين حالات حجب الإنترنت خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025 واحتجاجات عام 2019، مؤكدًا الدور المحوري للشبكة الوطنية الإيرانية في حماية النظام من تسرب المعلومات خلال أزمات سياسية واجتماعية حاسمة.
وأشار التقرير إلى أن تفعيل مشروع مفتاح القطع الوطني يوم 8 يناير 2026، عند الساعة الواحدة ظهرًا بتوقيت طهران، أدى إلى انخفاض حركة مرور البيانات الدولية بنسبة 98.5% خلال دقائق، وهو ما يؤكد أن الإجراء كان نتيجة هندسة حكومية دقيقة ومدروسة، وليس خللًا تقنيًا عارضًا.
وبفضل هذا الفصل الرقمي تمكنت السلطات من تشغيل إنترنت موازٍ قائم على الشبكة الوطنية، يسمح للبنوك، والمستشفيات، والمؤسسات الحكومية بمواصلة عملها دون انقطاع، مع إعادة توجيه حركة الإنترنت عبر نقاط تفتيش مركزية تديرها شركة الاتصالات الإيرانية، وحجب بروتوكولات IPv6 وتقنيات التشفير المستخدمة في خدمات VPN، بما يجعل تجاوز القيود شبه مستحيل لغالبية المستخدمين، كما لجأت السلطات إلى القطع الرقمي الموضعي، عبر فصل الإنترنت كليًا في بؤر الاحتجاج الرئيسية، مثل أحياء غرب طهران، وإبطائه في مناطق أخرى أقل حساسية، بهدف الحد من الكلفة الاقتصادية العامة وتجنب شلل كامل للدولة، حسبما أكدت الدكتورة شيماء المرسي.
وقد تزامن هذا الإجراء مع تحرك وحدات مكافحة الشغب وقوات البسيج، ليس فقط لمنع التواصل بين المتظاهرين، بل لمنع العالم الخارجي من رصد تكتيكات النظام في استعادة السيطرة الأمنية، والحيلولة دون تحويل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري إلى واقع عملي.


.jpg)

.png)





.jpg)
.jpeg)


