عندما تُؤمَّن الخوارزميات: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مفهوم الخطر في التأمين وإعادة التأمين؟
بقلم د.أمانى الماحى - رئيس قطاع بشركة مصر للتأمين
لم يعد الخطر في عالم اليوم مقتصرًا على الكوارث الطبيعية، أو التقلبات الاقتصادية، أو السلوك البشري غير المتوقع. فقد أفرز التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي نوعًا جديدًا من المخاطر، لا ينبع من الطبيعة ولا من الإنسان مباشرة، بل من القرار الخوارزمي ذاته.
وهنا، يجد قطاع التأمين وإعادة التأمين نفسه أمام لحظة مفصلية، تتطلب إعادة تعريف جوهر دوره ووظيفته في الاقتصاد والمجتمع.
من إدارة عدم اليقين إلى إدارة القرار
يقوم التأمين تاريخيًا على إدارة عدم اليقين البشري، وعلى تحويل المخاطر الفردية إلى قدرة جماعية على التحمل. غير أن الذكاء الاصطناعي أدخل متغيرًا جديدًا:
لم يعد القرار نتاج خبرة بشرية تراكمية فقط، بل أصبح في كثير من الأحيان نتيجة نموذج رياضي يسعى إلى تعظيم الكفاءة والربحية وتقليل الخسائر، دون إدراك كامل للسياق الاجتماعي أو القيمي.
هذا التحول يخلق مفارقة خطيرة:
قرارات قد تكون صحيحة إحصائيًا، لكنها غير مستدامة تأمينيًا، لأنها تُقصي فئات واسعة من الحماية، أو تُعمّق فجوات القبول التأميني، أو تُضعف الثقة طويلة الأجل بين السوق والمؤمن لهم.
الذكاء الاصطناعي كخطر تراكمي عابر للحدود
في إعادة التأمين، يُعدّ الخطر التراكمي أحد أخطر أنواع المخاطر. واليوم، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه خطرًا تراكميًا من نوع جديد.
فعندما تعتمد شركات عديدة على نماذج متشابهة، وبيانات عالمية موحّدة، ومنطق خوارزمي واحد، فإن أي خلل في الافتراضات أو البيانات قد يؤدي إلى قرارات متزامنة على نطاق واسع، وتسعير جماعي خاطئ، وصدمات مالية عابرة للحدود.
بهذا المعنى، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة دعم قرار، بل عاملًا نظاميًا قادرًا على تضخيم الخسائر وتسريع انتشارها، وهو ما يتجاوز قدرة نماذج إعادة التأمين التقليدية إن لم يُؤخذ في الحسبان مبكرًا.
المخاطر المناخية: عندما تخطئ النماذج وتفاجئنا الطبيعة
في مواجهة المخاطر المناخية، تعتمد الأسواق التأمينية بشكل متزايد على النماذج التنبؤية والذكاء الاصطناعي لتحليل السيناريوهات المحتملة. غير أن هذه النماذج، مهما بلغت دقتها، تبقى أسيرة البيانات التاريخية، بينما يتسم التغير المناخي بطبيعته غير الخطية وبالأحداث المتطرفة غير المسبوقة.
الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يخلق وهم السيطرة، ويقود إلى تسعير أقل من الواقع، أو إلى فجوات إعادة تأمين لا تظهر إلا عند وقوع الكارثة. هنا، لا تكمن المشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في غياب الاعتراف المؤسسي بعدم اليقين، وهو جوهر الفلسفة التأمينية.
التأمين السيبراني: عندما يصبح القرار الآلي نقطة ضعف
في مجال التأمين السيبراني، تتجلى المفارقة بأوضح صورها. فالذكاء الاصطناعي يُستخدم في الدفاع والهجوم، وفي اكتشاف الاختراقات، وأيضًا في تقييم المطالبات واتخاذ قرار التعويض أو الرفض.
وعندما يخطئ النموذج، لا يكون الخطأ تدريجيًا، بل فوريًا ومتسلسلًا، مع صعوبة تحديد المسؤولية أو تفسير القرار.
من هنا، تصبح قابلية تفسير القرارات الخوارزمية شرطًا أساسيًا لإعادة التأمين، وليس مجرد مطلب تنظيمي أو أخلاقي. فقرار لا يمكن فهمه أو مراجعته هو قرار يصعب تأمينه، ويكاد يستحيل إعادة تأمينه.
الذكاء الاصطناعي وESG: اختبار الحوكمة الحقيقي
في بُعد الحوكمة (G) من معايير ESG، يطرح الذكاء الاصطناعي أسئلة جوهرية:
من يراجع الخوارزميات؟ من يقرر متى يجب إيقافها؟ ومن يتحمل المسؤولية عند حدوث ضرر؟
أنظمة قد تُنتج تمييزًا غير مقصود، أو تضغط سلوكيًا على الأفراد، أو تُقصي فئات كاملة من الخدمات، تمثل خطرًا حوكميًا حقيقيًا، حتى وإن حسّنت المؤشرات المالية قصيرة الأجل. فالذكاء الاصطناعي غير القابل للمساءلة ليس أصلًا مستدامًا، بل مصدر خطر مؤجل.
إعادة التأمين: من موزّع خسائر إلى حارس استقرار
في هذا السياق، يبرز دور إعادة التأمين بوصفه أكثر من مجرد آلية لتوزيع الخسائر. فمع تنامي المخاطر الخوارزمية، تصبح إعادة التأمين مطالبة بلعب دور وقائي واستباقي، عبر فرض معايير حوكمة للذكاء الاصطناعي، وتقييم مخاطر النماذج ذاتها، وليس نتائجها فقط.
وقد نشهد مستقبلًا إدراج بنود خاصة بمخاطر الذكاء الاصطناعي، وتغطيات لفشل النماذج، وتسعيرًا لسلوك الخوارزميات قبل وقوع الخسارة، بما يجعل إعادة التأمين صمام أمان للاستقرار التقني والمالي معًا.
إعادة الإنسان إلى قلب المعادلة
التأمين في جوهره ممارسة إنسانية قبل أن يكون أداة مالية.
فإذا انتقلت المرجعية بالكامل إلى الخوارزميات، وتراجعت القدرة البشرية على التقدير والمساءلة والتصحيح، فإن الخطر لا يصبح غير قابل للتأمين فحسب، بل غير قابل للتعايش معه.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي الآمن لا يُصنع في المختبرات وحدها، بل في غرف الاكتتاب، ولجان المخاطر، وطاولات إعادة التأمين.
وحين تُؤمَّن الخوارزميات، يعود الإنسان ليكون مرة أخرى في قلب القرار، وفي قلب التأمين.


.jpg)

.png)













.jpeg)


.jpg)



