النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

محمد هلوان يكتب| مقال الرأي بين فوضى السوشيال ميديا وانضباط الصحافة.. هل فقد صوته أم تغيّرت أدواته؟

مقال الرأي بين فوضى السوشيال ميديا وانضباط الصحافة
-

لم يعد «مقال الرأي» كما كان يومًا، مساحة تجمع بين المعرفة والتحليل والرؤية الشخصية المتزنة، بل أصبح في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة لتدفق الآراء غير المنضبطة، في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي التي أعادت تشكيل قواعد اللعبة الإعلامية بالكامل.

في تعريفه الكلاسيكي، كان المقال الصحفي قائمًا على رؤية الكاتب المدعومة بالمعلومة، حيث يقدّم تحليلًا منطقيًا يستند إلى حقائق، ويعمل على تبسيطها وربطها بسياق واضح يضيف للقارئ معرفة جديدة، ويساعده على فهم أعمق للأحداث. لم يكن الكاتب مجرد صاحب رأي، بل كان وسيطًا معرفيًا يوازن بين المعلومة والتحليل، ويمنح الجمهور أدوات للفهم لا مجرد انطباعات.

لكن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا. فمع تسارع إيقاع النشر، وتحوّل كل فرد إلى «منصة إعلامية» قائمة بذاتها، أصبح المقال في كثير من الحالات رأيًا خالصًا، لا يستند بالضرورة إلى معلومات دقيقة، بل إلى انتقاء ما يخدم وجهة نظر مسبقة، أو تجاهل ما يعارضها. وهنا لم يعد الهدف دائمًا توضيح الحقيقة، بل التأثير، أو الاستمالة، أو حتى إثارة الجدل.

الأخطر من ذلك أن المقال فقد في بعض صوره وظيفته التثقيفية، وتحول أحيانًا إلى أداة لتحقيق مكاسب مادية أو حضور رقمي، بدلًا من كونه وسيلة لرفع وعي الجمهور. لم يعد القارئ هو محور العملية، بل «الانتشار» هو الهدف، و«التفاعل» هو المعيار.

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في كسر احتكار النخبة للمقال، وهو أمر يحمل جانبًا إيجابيًا من حيث إتاحة التعبير، لكنه في المقابل فتح الباب أمام فوضى معرفية، حيث لم يعد هناك معيار واضح للتمييز بين الرأي المبني على معرفة، والرأي القائم على الانطباع أو التضليل. فأصبح بإمكان أي شخص أن يطرح «مقالًا» دون أن يخضع لمنهج أو تدقيق، ودون أن تكون معلوماته دقيقة أو حتى في سياقها الصحيح.

كما انحرف المقال أحيانًا نحو الاستعراض اللغوي أو المبالغة النقدية، أو حتى الحشو الوظيفي داخل المؤسسات الصحفية، حيث يُطلب من الكاتب ملء مساحة، فيضطر إلى الكتابة خارج تخصصه، ما يؤدي إلى إنتاج نصوص تفتقر إلى العمق والدقة.

كل ذلك انعكس بشكل مباشر على القارئ، الذي وجد نفسه أمام كم هائل من المحتوى، لكنه محتوى متشابه، متضارب، وفي كثير من الأحيان فارغ من القيمة الحقيقية. وهنا بدأت الأزمة: فقد المقال قرّاءه تدريجيًا، ليس لأن الناس لم تعد تهتم، بل لأنها لم تعد تجد فيه ما يستحق القراءة.

ورغم هذا المشهد، لا يمكن القول إن المقال انتهى. فما زالت هناك أصوات جادة، قادرة على التأثير في الوعي الجمعي، لكنها أصبحت أقل وضوحًا وسط الضجيج، خاصة في ظل تفوق المنصات السريعة على حساب المحتوى العميق.

الحقيقة أن الأزمة ليست في «المقال» ذاته، بل في البيئة التي يُنتج ويُستهلك فيها. نحن أمام تحول في الأدوات، لا في الجوهر. فالقارئ ما زال يبحث عن الفهم، لكنه يحتاج إلى من يقدمه له بشكل موثوق ومهني.

من هنا، يصبح الحل في إعادة الاعتبار للكتابة المتخصصة، ودعم الكُتّاب القادرين على تقديم تحليل حقيقي، لا مجرد رأي عابر. كما يجب على المؤسسات الثقافية والإعلامية أن تلعب دورًا أكبر في إبراز هذه النماذج، ومنحها المساحة التي تستحقها، بدلًا من ترك الساحة خالية لمن يجيدون فقط فن الانتشار.

نحن بحاجة إلى استعادة المقال النقدي والتحليلي، إلى عودة الافتتاحيات التي تفسر وتفكك وتربط، لا التي تكتفي بالانطباع. بحاجة إلى التوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين عمق الفكرة وسرعة الوصول.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل المشكلة في المقال، أم في طريقة قراءتنا له؟ ربما الإجابة تبدأ من هنا.

اقرأ ايضاً| محمد هلوان يكتب: الحرب على إيران.. كوميديا سوداء تكشف تناقضات السياسة الدولية

اقرأ ايضا| محمد هلوان يكتُب| تركوا المعنى وتمسّكوا بـ«الجبلاوي»!.. أزمة القراءة بين ظاهر السرد وعمق الدلالة في «أولاد حارتنا»
اقرأ ايضاً| محمد هلوان يكتب| «رأس الأفعى» يكشف المستور.. لماذا أربك المسلسل سردية الإنكار الإخوانية؟