التليماتيكس تقود ثورة التأمين على السيارات عالميًا وتعيد تسعير المخاطر
يشهد قطاع التأمين العالمي تحولًا نوعيًا متسارعًا، مدفوعًا بالتطور الكبير في التقنيات الرقمية، والتوسع في استخدام البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل آليات تقييم الأخطار وتسعيرها، وفتح المجال أمام ظهور نماذج تأمينية أكثر مرونة ودقة، تعتمد على الخصائص الفعلية للخطر بدلًا من الاكتفاء بالمؤشرات التقليدية العامة.
ويبرز التأمين القائم على الاستخدام (Usage-Based Insurance - UBI) باعتباره أحد أبرز النماذج الحديثة التي بدأت في إعادة صياغة قواعد المنافسة داخل سوق تأمين السيارات، من خلال ربط قيمة القسط التأميني بمدى استخدام المركبة والسلوك الفعلي لقائدها، بدلًا من الاعتماد الكامل على عوامل التسعير التقليدية، مثل العمر ونوع السيارة وسجل المطالبات التأمينية.
ويعتمد هذا النموذج على تحليل البيانات الفعلية المرتبطة بقيادة المركبة، بما يتيح لشركات التأمين تحديد مستوى الخطر لكل سائق بصورة أكثر دقة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة والشفافية في تسعير الوثائق، بحيث تتناسب قيمة القسط مع طبيعة الاستخدام الفعلي ومستوى المخاطر المرتبطة به.
وساهمت تقنيات الاتصالات المعلوماتية للمركبات (Telematics) في إحداث نقلة نوعية في هذا المجال، من خلال إتاحة جمع وتحليل بيانات القيادة بصورة مستمرة، وفي كثير من الحالات بشكل لحظي، وتشمل هذه البيانات المسافات المقطوعة، وأنماط السرعة، ومعدلات التسارع والفرملة الحادة، وتوقيت القيادة، والموقع الجغرافي للمركبة.
وأتاحت هذه المعلومات لشركات التأمين تطوير نماذج تسعير أكثر دقة، وتحسين كفاءة عمليات الاكتتاب، وتشجيع السائقين على اتباع سلوكيات قيادة أكثر أمانًا، إلى جانب تعزيز كفاءة إدارة المطالبات والحد من الاحتيال التأميني.
ومع التوسع في انتشار المركبات المتصلة بالإنترنت والاعتماد المتزايد على تقنيات التليماتيكس، شهد سوق التأمين القائم على الاستخدام نموًا عالميًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، وسط توقعات باستمرار هذا التوسع خلال الفترة المقبلة، ليصبح أحد أبرز الاتجاهات المستقبلية في تأمين السيارات، مدعومًا بتطور البنية التحتية الرقمية وزيادة وعي العملاء بمزايا التسعير المرتبط بالاستخدام الفعلي.
وتشير الدراسات السوقية إلى أن التأمين القائم على الاستخدام أصبح أحد أسرع قطاعات التأمين نموًا على المستوى العالمي، حيث يُقدر حجم السوق بنحو 30.31 مليار دولار خلال عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 34.79 مليار دولار في عام 2026، وصولًا إلى 69.18 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 14.76% خلال الفترة من 2026 إلى 2031.
وتُظهر البيانات أن نموذج التأمين وفقًا لطريقة القيادة (Pay-How-You-Drive) استحوذ على أكبر حصة سوقية خلال عام 2025، بنسبة بلغت 33.78%، بينما تُعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نموًا خلال الفترة المتوقعة.
ويرجع نمو سوق التأمين القائم على الاستخدام إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها زيادة انتشار السيارات المزودة بتقنيات الاتصال بالإنترنت والأنظمة الإلكترونية التي تسمح بتبادل البيانات مع شركات التأمين أو الشركات المصنعة أو السائق نفسه.
كما ساهمت هذه النماذج في جذب شريحة الشباب من العملاء، من خلال تقديم خصومات وأقساط تأمينية منخفضة ترتبط بمستوى الاستخدام وسلوك القيادة، إلى جانب التوسع في منصات إدارة المركبات ودمج برامج التأمين القائم على الاستخدام بها، سواء من خلال احتساب القسط وفقًا للمسافة الفعلية التي تقطعها المركبة أو بناءً على سلوك قائدها أثناء القيادة.
ورغم فرص النمو المتاحة، لا يزال السوق يواجه عددًا من التحديات، أبرزها تشديد التشريعات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية، ومحدودية السجل الاكتواري المتاح لبعض أنظمة التتبع المعتمدة على الهواتف الذكية، فضلًا عن الرسوم المرتبطة بالحصول على بيانات الشركات المصنعة للسيارات.
ثلاثة نماذج رئيسية للتأمين القائم على الاستخدام
أدى التطور المتسارع في تقنيات التليماتيكس إلى ظهور نماذج متعددة للتأمين القائم على الاستخدام، تختلف فيما بينها من حيث الأساس الذي يتم الاعتماد عليه في تحديد القسط التأميني ومدى دقة تقييم الخطر، ومن أبرزها:
أولًا: التأمين وفقًا لمقدار القيادة (Pay-As-You-Drive - PAYD)
يقوم هذا النموذج على اعتبار المسافة المقطوعة العامل الأساسي في تحديد قيمة القسط التأميني، فكلما انخفضت المسافة التي تقطعها المركبة، تراجعت مدة تعرضها لمخاطر الطريق، وبالتالي تنخفض قيمة القسط التأميني.
ويُعد هذا النموذج مناسبًا بشكل خاص للأشخاص الذين يستخدمون مركباتهم بمعدلات محدودة، أو الذين لا يعتمدون عليها بصورة يومية، كما يسهم في تشجيع تقليل الرحلات غير الضرورية، الأمر الذي يمكن أن ينعكس إيجابيًا على خفض معدلات الحوادث والانبعاثات الناتجة عن استخدام المركبات.
ثانيًا: التأمين وفقًا لطريقة القيادة (Pay-How-You-Drive - PHYD)
يتجاوز هذا النموذج الاكتفاء بقياس المسافة المقطوعة، ليعتمد على تحليل سلوك قائد المركبة بصورة أكثر تفصيلًا، من خلال مجموعة من المؤشرات، تشمل سرعة المركبة، وأنماط التسارع والفرملة، وطريقة الانعطاف، ومدى الالتزام بقواعد القيادة الآمنة.
وكلما التزم السائق بنمط قيادة أكثر أمانًا، مثل الالتزام بالسرعات المحددة، وتجنب الفرملة المفاجئة، والحفاظ على سرعة مستقرة، زادت فرص حصوله على تخفيضات في قيمة القسط التأميني.
ويتميز هذا النموذج بقدرته على عكس مستوى الخطر الفردي للسائق بدرجة أعلى من الدقة، فضلًا عن دوره في تشجيع قائدي المركبات على تبني عادات قيادة أكثر أمانًا، من خلال ربط الأداء الفعلي بالمزايا والخصومات التأمينية.
ثالثًا: التأمين وفقًا لمستوى الخطر (Pay-Per-Risk - PPR)
يُعد هذا النموذج من النماذج الأكثر تطورًا في التأمين القائم على الاستخدام، إذ لا يقتصر على المسافة المقطوعة أو سلوك القيادة فقط، وإنما يمتد ليشمل عوامل المخاطر الخارجية المحيطة بالرحلة، مثل حالة الطرق، وكثافة المرور، والظروف الجوية.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن يرتفع مستوى الخطر المرتبط بالرحلة عند القيادة في ظروف مناخية غير مواتية أو خلال ساعات الذروة في المناطق الحضرية، مقارنة بالقيادة في ظروف مرورية هادئة أو على طرق أقل ازدحامًا.
ويتميز هذا النموذج بدرجة عالية من المرونة والدقة في تقييم المخاطر، حيث يتيح تقدير مستوى الخطر الفعلي لكل رحلة على حدة، بالاستناد إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالسائق والمركبة والبيئة المحيطة.
مزايا التأمين القائم على الاستخدام.. عدالة أكبر في التسعير وتحسين نتائج شركات التأمين
توفر نماذج التأمين القائم على الاستخدام مجموعة من المزايا لشركات التأمين والمؤمن لهم على حد سواء، نتيجة اعتمادها على بيانات فعلية تعكس طبيعة استخدام المركبة وسلوك قائدها، بدلًا من الاكتفاء بعوامل التسعير التقليدية الثابتة.
أقساط تأمينية أكثر مرونة وعدالة
تتيح هذه النماذج تحديد القسط التأميني بما يتناسب مع عادات القيادة والمسافات المقطوعة ومستوى الخطر الفعلي، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والشفافية في التسعير.
كما تساعد شركات التأمين على التمييز بدقة أكبر بين السائقين منخفضي المخاطر ومرتفعي المخاطر، والحد من تحميل السائقين الأكثر التزامًا بالقيادة الآمنة جزءًا من تكلفة الخسائر الناتجة عن السلوكيات الأكثر خطورة.
تشجيع سلوكيات القيادة الآمنة
تتيح برامج التأمين القائم على الاستخدام تقديم ملاحظات مستمرة لحاملي الوثائق بشأن سلوكهم أثناء القيادة، من خلال تطبيقات الهواتف المحمولة أو لوحات المتابعة الإلكترونية.
وتشمل المؤشرات التي يمكن رصدها تجاوز حدود السرعة، والتسارع المفاجئ، والفرملة الحادة، والانعطافات الخطرة، والقيادة خلال الفترات مرتفعة المخاطر، فضلًا عن بعض السلوكيات الأخرى، مثل استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة، وفقًا للإمكانات التقنية للنظام المستخدم.
ومن خلال هذه البيانات يستطيع قائد المركبة التعرف على أنماط القيادة غير الآمنة والعمل على تحسينها، كما يمكن ربط تحسن الأداء بالحصول على خصومات أو مكافآت إضافية، بما يوفر حافزًا ماليًا لتبني سلوكيات قيادة أكثر أمانًا.
وينعكس ذلك على تقليل احتمالات تكرار الحوادث والمطالبات التأمينية، وخفض تكاليف الخسائر، وتحسين النتائج الفنية وربحية محفظة تأمين السيارات.
تحسين إدارة المطالبات التأمينية
تساعد تقنيات التليماتيكس شركات التأمين على التحقق من تفاصيل الحوادث بدرجة أكبر من الدقة، من خلال توفير معلومات عن سرعة المركبة، وموقع وقوع الحادث، وتوقيته، وقوة الاصطدام، واتجاه حركة المركبة قبل وقوعه.
ويمكن الاستفادة من هذه البيانات في التحقق من ملابسات الحادث وتقييم المطالبة التأمينية، كما تتيح بعض الأنظمة الإخطار التلقائي لشركة التأمين عند وقوع الحادث، الأمر الذي يساهم في تسريع تسجيل المطالبة وبدء إجراءات المعاينة والتسوية، وخفض الوقت والتكلفة المرتبطين بفحص المطالبات.
دعم عمليات الاكتتاب التأميني
تساعد هذه التقنيات العاملين بقطاع الاكتتاب على تقييم مستوى الخطر بدقة أكبر، من خلال تحليل سلوك القيادة والاستخدام الفعلي للمركبة.
فبدلًا من الاعتماد الكامل على العوامل الديموغرافية، مثل العمر ومحل الإقامة ونوع المركبة وسجل المطالبات، تستطيع شركة التأمين الاستناد إلى بيانات فعلية تشمل المسافة المقطوعة، ومتوسط سرعة المركبة، وتكرار تجاوز حدود السرعة، وتوقيت القيادة، وطبيعة الطرق والمناطق التي تُستخدم فيها المركبة.
ويتيح ذلك تكوين صورة أكثر شمولًا عن مستوى الخطر المرتبط بكل عميل، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن قبول الأخطار وتحديد الأقساط التأمينية.
تحسين تجربة العملاء وتقديم خدمات أكثر تخصيصًا
يساهم التأمين القائم على الاستخدام في توفير تجربة تأمينية أكثر تخصيصًا وتفاعلًا، من خلال تقديم ملاحظات فورية وتقارير دورية لقائد المركبة توضح مستوى أدائه أثناء القيادة، وتحدد السلوكيات التي تحتاج إلى تحسين.
كما تتيح هذه النماذج تقديم خدمات ومزايا إضافية للعملاء، مثل الخصومات مقابل القيادة الآمنة، وتنبيهات السرعة، وخدمات المساعدة على الطريق، وتحديد موقع المركبة في حالة السرقة، والإخطار التلقائي عند وقوع الحوادث.
وتسهم هذه الخدمات في تعزيز العلاقة بين العميل وشركة التأمين، ورفع مستوى رضاه عن الخدمة، وتحويل العلاقة من مجرد سداد قسط والحصول على تعويض عند وقوع الحادث إلى علاقة أكثر تفاعلًا واستمرارية.
الحد من الاحتيال التأميني
تساعد بيانات التليماتيكس شركات التأمين على التحقق من تفاصيل الحوادث بصورة موضوعية، من خلال المعلومات المتعلقة بمكان الحادث وتوقيته وسرعة المركبة وقوة الاصطدام.
ويساهم ذلك في اكتشاف حالات الاحتيال المحتملة، مثل تقديم بيانات غير صحيحة بشأن ظروف وقوع الحادث أو المبالغة في حجم الأضرار، بما يعزز قدرة الشركات على فحص المطالبات والتحقق من مدى صحتها، والحد من الخسائر الناتجة عن الممارسات الاحتيالية.
تحقيق منافع بيئية ودعم الاستدامة
تظهر المنافع البيئية بصورة أكثر وضوحًا في نموذج التأمين وفقًا لمقدار القيادة (PAYD)، الذي يربط تكلفة التأمين بالمسافة الفعلية التي تقطعها المركبة، بما يشجع على تقليل الرحلات غير الضرورية والاستخدام المكثف للسيارات، للاستفادة من أقساط تأمينية أقل.
ويمكن أن يؤدي انخفاض معدلات استخدام المركبات إلى تقليل استهلاك الوقود، وخفض الانبعاثات الناتجة عنها، والحد من الازدحام المروري، وتقليل مدة التعرض لمخاطر حوادث الطرق، بما يدعم جهود الاستدامة البيئية.
وبذلك لا تقتصر آثار التأمين القائم على الاستخدام على شركات التأمين وحاملي الوثائق فقط، وإنما تمتد لتشمل المجتمع ككل، من خلال تشجيع الاستخدام الأكثر كفاءة للمركبات وترسيخ أنماط قيادة أكثر أمانًا واستدامة.
«التليماتيكس».. المحرك التكنولوجي لتطوير تأمين السيارات
تُعرّف تقنيات التليماتيكس (Telematics) في مجال التأمين بأنها استخدام تقنيات الاتصالات والمعلومات في جمع بيانات المركبات ومراقبة سلوك قائديها وتحليله، وتعتمد هذه التقنيات على مجموعة من الوسائل، من أهمها نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وأجهزة الاستشعار، وتقنيات الاتصال اللاسلكي.
وتعمل هذه التقنيات من خلال تثبيت جهاز صغير داخل المركبة لتسجيل مجموعة من البيانات المرتبطة بالقيادة، مثل المسافة المقطوعة، والسرعة، وأنماط القيادة والفرملة، وموقع المركبة، وتوقيت القيادة.
وتتيح هذه الوسائل لشركات التأمين جمع بيانات فعلية، بل لحظية في كثير من الأحيان، عن استخدام المركبة، بما يمكنها من تقييم مستوى الخطر المرتبط بكل سائق بدرجة أعلى من الدقة.
وتُعد تقنيات التليماتيكس الأساس التكنولوجي لتقديم نماذج تأمينية مرنة، مثل التأمين القائم على الاستخدام (UBI)، والتأمين وفقًا لمقدار القيادة (PAYD)، نظرًا لأن تحديد القسط التأميني في هذه النماذج لا يستند إلى عوامل التسعير التقليدية فقط، وإنما يأخذ في الاعتبار الاستخدام الفعلي للمركبة وطبيعة سلوك قائدها.
كما تسهم هذه التقنيات في تطوير أساليب تسعير تأمين السيارات، وتحسين دقة تقييم الأخطار، وتشجيع أنماط القيادة الآمنة، ورفع كفاءة إدارة المطالبات، فضلًا عن إعادة تشكيل العلاقة بين شركة التأمين وحامل الوثيقة.
ويتمثل التحول الأساسي في الانتقال من الاعتماد على البيانات التاريخية والعوامل العامة إلى استخدام بيانات فعلية ومستمرة تعكس مستوى الخطر الفردي، حيث تقوم شركة التأمين بتحويل نتائج تحليل هذه البيانات إلى قرارات تتعلق بالاكتتاب والتسعير ومنح الخصومات وإدارة المطالبات.
تحديات التطبيق.. حماية البيانات والتشريعات وتكامل الأنظمة
على الرغم من الفرص التي تتيحها تقنيات التليماتيكس وإنترنت الأشياء (Internet of Things - IoT) لصناعة التأمين، فإن نجاح تطبيق نماذج التأمين القائم على الاستخدام يواجه مجموعة من التحديات التي تتطلب التعامل معها بصورة مدروسة، ومن أبرزها:
خصوصية البيانات وحمايتها
تُعد خصوصية البيانات من أهم التحديات المرتبطة بتطبيق التأمين القائم على الاستخدام، إذ تجمع أجهزة التليماتيكس ومستشعرات إنترنت الأشياء كميات كبيرة من البيانات الشخصية المتعلقة بالمؤمن عليه واستخدام المركبة.
وتشمل هذه البيانات الموقع الجغرافي للمركبة، والمسارات التي تسلكها، وتوقيت الرحلات ومدتها، والمسافات المقطوعة، وسرعة المركبة، وأنماط التسارع والفرملة والانعطاف، فضلًا عن بيانات الحوادث ومواقع وقوعها وتوقيتها.
وقد تتعرض هذه البيانات للاختراق إذا لم تُطبق إجراءات كافية لحمايتها، كما يمكن أن يؤدي الكشف عن بيانات الموقع ومسارات الحركة إلى التعرف على تفاصيل تتعلق بالعادات اليومية للمؤمن له، وهو ما يزيد من حساسيتها مقارنة ببعض أنواع البيانات التأمينية التقليدية.
ولذلك يتعين على شركات التأمين وضع إطار واضح لحماية البيانات، وتحديد أغراض جمعها واستخدامها والجهات التي يمكنها الاطلاع عليها، مع الالتزام بالتشريعات المعمول بها لحماية البيانات الشخصية، بما يضمن بناء ثقة العملاء في هذه النماذج التأمينية.
التحديات التشريعية والتنظيمية
لا يزال الإطار التنظيمي المحيط بالتأمين القائم على الاستخدام وبيانات التليماتيكس في مرحلة التطور في العديد من الأسواق، وهو ما يثير تساؤلات تتعلق بكيفية تنظيم جمع بيانات القيادة واستخدامها ومشاركتها، ومدى السماح بالاعتماد عليها في تحديد الأقساط التأمينية.
ويتعين على شركات التأمين متابعة التغيرات المستمرة في القوانين والتعليمات الرقابية لتجنب التعرض للعقوبات أو وقف البرامج التأمينية أو عدم اعتماد نماذج التسعير المستخدمة.
كما يمثل اختلاف التشريعات بين الدول والأسواق تحديًا إضافيًا، إذ قد يحول دون تطبيق نموذج موحد للتأمين القائم على الاستخدام في جميع الدول، الأمر الذي قد يضطر الشركات إلى تعديل طرق جمع البيانات أو نماذج التسعير أو صياغة الوثائق التأمينية بما يتوافق مع متطلبات كل سوق.
تحديات التكامل التكنولوجي
يمثل دمج تقنيات التليماتيكس وإنترنت الأشياء مع التغطيات التأمينية القائمة تحديًا تقنيًا وتشغيليًا مهمًا، خاصة أن بعض شركات التأمين لا تزال تعتمد على أنظمة تكنولوجية قديمة لم تُصمم لاستقبال التدفقات المستمرة للبيانات أو تحليلها بصورة لحظية.
ولذلك تحتاج الشركات إلى ضخ استثمارات في البنية التكنولوجية وتطوير أنظمتها الداخلية حتى تتمكن من الاستفادة الكاملة من نماذج التأمين القائم على الاستخدام.
وقد يؤدي عدم التكامل بين هذه الأنظمة إلى تأخر نقل البيانات أو تكرارها أو فقدانها، كما قد يحد من قدرة شركة التأمين على توظيف البيانات بفاعلية في عمليات الاكتتاب والتسعير وإدارة المطالبات.
التجارب الدولية.. ألمانيا وجنوب أفريقيا نموذجان لتطبيق التأمين الذكي
تُعد تجربة شركة HUK-COBURG الألمانية من التجارب التي اعتمدت على توظيف تقنيات التليماتيكس في تطوير تأمين السيارات، حيث بدأت الشركة باستخدام جهاز يتم تثبيته داخل السيارة، وكان البرنامج موجهًا في البداية إلى السائقين من الفئات العمرية الشابة، بهدف مساعدتهم على خفض أقساط التأمين من خلال تحسين سلوك القيادة.
وطورت الشركة لاحقًا برنامج (Telematik Plus)، الذي يعتمد على نظام تسجيل أكثر تطورًا يتم تثبيته على الزجاج الأمامي للمركبة، ويرتبط بتطبيق على الهاتف المحمول، بما يتيح للعملاء الحصول على تقارير وملاحظات حول سلوكهم أثناء القيادة.
ويحصل العملاء على خصومات تصل إلى 30% إذا أظهرت البيانات اتباعهم سلوك قيادة حذرًا ومنخفض المخاطر، كما يوفر التطبيق مؤشرات تتعلق بمستوى القيادة والقيادة المستدامة.
واهتمت الشركة في تصميم البرنامج بمسألتي الشفافية وحماية البيانات، مؤكدة أن البيانات التي يتم جمعها تُستخدم لأغراض تسعير التأمين والأغراض الإحصائية فقط، ولا تتم مشاركتها مع أطراف أخرى.
جنوب أفريقيا.. برنامج للمكافآت يرتبط بسلوك السائق
تُعد تجربة شركة Discovery Insure في جنوب أفريقيا من التجارب البارزة في استخدام تقنيات التليماتيكس لتحسين سلوك القيادة والحد من الحوادث، حيث تعتمد على برنامج (Vitality Drive)، الذي يجمع بين مراقبة سلوك القيادة وتقديم التغذية الراجعة ومنح النقاط والمكافآت لقائدي المركبات عند اتباع أنماط قيادة آمنة.
ويتيح البرنامج للعملاء الاختيار بين ثلاثة أنواع من أجهزة التليماتيكس، وفقًا لطبيعة المركبة والهاتف المحمول والخدمات المطلوبة، وهي:
- Vitality Drive Sensor: جهاز لمراقبة سلوك القيادة وتقديم تقارير ومعلومات لحظية عن أداء السائق.
- Crowd Search Sensor: يوفر وظائف مراقبة القيادة، إلى جانب خدمات المساعدة في تحديد موقع المركبة واستردادها في حالة السرقة.
- Standalone DQ-Track: جهاز مستقل يُستخدم لجمع بيانات الرحلات وسلوك القيادة دون الاعتماد الكامل على هاتف العميل.
ويعكس تنوع الأجهزة محاولة الشركة توفير أكثر من وسيلة للاشتراك في البرنامج، بما يتناسب مع اختلاف احتياجات العملاء وإمكاناتهم التكنولوجية.
وأظهرت بيانات الشركة أن العملاء الذين يستخدمون أجهزة التليماتيكس لديهم معدل وفيات حوادث أقل بنسبة 56% مقارنة بغيرهم، كما انخفضت مطالبات الحوادث المرتبطة بالحوادث بنسبة 26% خلال السنوات العشر الماضية، بفضل استخدام التطبيق وأجهزة التليماتيكس، وفقًا للبيانات التي نشرتها الشركة.
ولا تقتصر خدمات البرنامج على مراقبة القيادة ومنح المكافآت، وإنما تشمل أيضًا مزايا أمان إضافية، مثل الإخطار التلقائي عند وقوع حادث، وخدمات الطوارئ، وتحديد موقع المركبة، وتنبيهات الطقس.
اتحاد شركات التأمين المصرية: التأمين القائم على الاستخدام يدعم التحول الرقمي ويعزز تنافسية السوق
ويرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن التأمين القائم على الاستخدام يُعد من أبرز التوجهات المستقبلية في تطوير تأمين السيارات، لما يقدمه من تحسين دقة تقييم الخطر، والانتقال من الاعتماد على العوامل التقليدية في التسعير إلى استخدام بيانات فعلية تعكس طبيعة استخدام المركبة وسلوك قائدها.
وأوضح الاتحاد أن تطبيق نماذج هذا النوع من التأمين يدعم جهود التحول الرقمي في سوق التأمين، ويسهم في تطوير المنتجات التأمينية وتحسين تجربة العملاء، فضلًا عن تعزيز السلامة المرورية من خلال تشجيع السائقين على تبني سلوكيات قيادة أكثر أمانًا، بما ينعكس إيجابيًا على المجتمع ككل.
وأشار إلى أن التأمين القائم على الاستخدام يساهم في تحقيق عدالة أكبر في التسعير، حيث يدفع كل عميل قسطًا يتناسب مع استخدامه الفعلي وسلوكه أثناء القيادة، كما يفتح هذا النموذج آفاقًا جديدة أمام شركات التأمين لخفض معدلات الخسائر وتحسين كفاءة المحفظة التأمينية، مع تعزيز قدرتها التنافسية في سوق يشهد تطورًا متسارعًا.
ودعا الاتحاد إلى دراسة أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال والاستفادة منها في تصميم منتجات تأمينية تتوافق مع طبيعة السوق المصري واحتياجاته، مع التركيز على التدرج في التطبيق لضمان نجاح التجربة وتحقيق الأهداف المرجوة.
وأكد أن الانتقال نحو هذه النماذج يتطلب تنسيقًا فعالًا بين شركات التأمين والجهات الرقابية ومقدمي الحلول التكنولوجية، إلى جانب تطوير البنية التحتية الفنية وبناء القدرات داخل الشركات، بما يسمح بتطبيقها بشكل تدريجي ومدروس يراعي خصوصية السوق المصري ومتطلباته.


.jpg)

.png)
.jpg)
.jpeg)

.jpg)


.jpg)

 (1).jpg)



