«أكتوبر 73.. حين أصبح النفط أمنًا قوميًا».. فكم يومًا تملك مصر من الوقود اليوم؟
من استعادة حقول سيناء وترتيبات تأمين النفط بعد الحرب إلى مستودعات 2026.. الحكومة تتحدث عن «مخزون مطمئن» والخبراء يعيدون السؤال إلى عدد أيام الأمان
إذا تعطلت الإمدادات الخارجية من الوقود صباحًا، فلن تجف محطات البنزين في اليوم التالي، ولن تختفي أسطوانات البوتاجاز فورًا.
فخلف السوق شبكة من المستودعات والمصافي وخطوط الأنابيب ومخزونات يفترض أن تمنح الدولة وقتًا للتعامل مع الأزمات.
لكن السؤال الأصعب ليس: هل لدى مصر مخزون؟
بل: يكفي كام يوم؟
سؤال أعادته التوترات الجيوسياسية إلى الواجهة في 2026، لكنه يعيدنا أيضًا إلى أحد الدروس الأقل تناولًا من حرب أكتوبر، عندما أصبح النفط جزءًا من حسابات الحرب والسلام والأمن القومي.
من أكتوبر إلى استعادة بترول سيناء
في 6 أكتوبر 1973 بدأت الحرب المصرية السورية لاسترداد الأراضي المحتلة، وبعد أيام دخل النفط نفسه ساحة المواجهة السياسية مع قرارات خفض الإنتاج العربي وما أعقبها من أزمة طاقة عالمية.
لكن قصة البترول المصرية لم تنتهِ بتوقف القتال.
وقال الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، إن ملف البترول لم يكن قضية اقتصادية منفصلة عن استعادة سيناء، وإنما كان جزءًا من السيادة على الأرض ومواردها.
وأوضح شقرة لـ«النهار» أن إسرائيل استغلت خلال فترة احتلال سيناء الموارد الموجودة في شبه الجزيرة، وفي مقدمتها الحقول البترولية، بينما أصر المفاوض المصري خلال مفاوضات ما بعد أكتوبر على أن «سيناء أرض مصرية ومواردها موارد مصرية»، رافضًا تثبيت أي حقوق إسرائيلية في تلك الموارد.
وأشار إلى أن استعادة حقول مثل أبو رديس والعَلَمة كانت نتيجة استراتيجية لمسار بدأ بنصر أكتوبر ثم فض الاشتباك والمفاوضات، وليس مجرد استعادة منشآت اقتصادية؛ إذ استعادت مصر موردًا كانت إسرائيل تستفيد منه خلال سنوات الاحتلال.
وتوضح وثيقة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» في مايو 1975 حجم أهمية نفط سيناء آنذاك؛ إذ ذكرت أن إيران كانت توفر خلال 1974 نحو 30% من احتياجات إسرائيل النفطية المحلية، بما يقارب 40 ألف برميل يوميًا، بينما جاء باقي الاحتياجات من الحقول المصرية التي استولت عليها إسرائيل في سيناء.
من ستة أشهر إلى عام كامل
وقبل استعادة مصر للحقول، دخل أمن الإمدادات الإسرائيلي نفسه على خط المفاوضات.
ففي الأول من سبتمبر 1975، وضمن الترتيبات المصاحبة لاتفاق سيناء الثاني، وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل مذكرة تفاهم منفصلة قدرت النفط الذي كان يأتي عادة من أبو رديس ورأس سدر بنحو 4.5 مليون طن خلال عام 1975.
وتعهدت واشنطن بمراعاة التكلفة الإضافية لاستيراد النفط البديل عند بحث المساعدات الأمريكية لإسرائيل.
لكن البند الأكثر لفتًا كان تعهد الإدارة الأمريكية بطلب تمويل من الكونغرس لمشروع يرفع القدرة التخزينية والمخزون النفطي الإسرائيلي من مستوى يقارب احتياجات ستة أشهر إلى احتياجات عام كامل، على أن يُنفذ المشروع خلال أربع سنوات.
ولا تثبت الوثيقة أن المخزون ارتفع بالفعل إلى عام كامل، لكنها تكشف أن عدد أشهر الوقود المتاحة وقت الأزمة أصبح جزءًا صريحًا من حسابات الأمن القومي.
وفي 17 نوفمبر 1975 استعادت مصر حقول بترول سيناء، وهو التاريخ الذي أصبح لاحقًا عيدًا للبترول المصري.
2026.. «مخزون مطمئن»
بعد أكثر من نصف قرن، تبدلت الظروف، لكن سؤال الصمود بقي حاضرًا.
ففي يوليو 2026 عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعات لمتابعة زيادة المخزون الاستراتيجي من المنتجات البترولية، مؤكدًا أن الدولة تعمل على توفير «مخزون استراتيجي مطمئن» في ظل التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين، مع إعداد سيناريوهات بديلة لاستمرار إمدادات الطاقة.
وفي سبتمبر أعلنت هيئة البترول إنشاء 29 مستودعًا جديدًا لتخزين الخام بطاقة إجمالية تقارب 32 مليون برميل، انتهى تنفيذ 15 مستودعًا منها.
لكن الـ32 مليون برميل تمثل سعة تخزينية، ولا تعني وجود الكمية نفسها بالفعل داخل المستودعات، كما أنها تخص الخام، بينما السوق تحتاج وقت الأزمة إلى سولار وبنزين وبوتاجاز جاهز للتوزيع.
أبو العلا لـ«النهار»: المخزون الاستراتيجي للأزمات
وقال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، إن هناك فارقًا أساسيًا بين المخزون التشغيلي والمخزون الاستراتيجي.
وأوضح أن المخزون التشغيلي يتحرك باستمرار داخل منظومة الإنتاج والتكرير والنقل والتوزيع لتلبية احتياجات السوق اليومية، بينما يُحتفظ بالمخزون الاستراتيجي لمواجهة الظروف الاستثنائية مثل الحروب واضطرابات الإمدادات.
وأكد أبو العلا لـ«النهار» أن حجم المخزون المناسب لا يمكن نسخه من تجربة دولة أخرى، لأنه يرتبط بحجم الإنتاج المحلي، ومستويات الاستهلاك، ونسبة الاعتماد على الخارج، ومدى وجود بدائل يمكن اللجوء إليها في حالات الطوارئ.
وبحسب تقديره، فإن منظومة التأمين المصرية، مع تطبيق إجراءات لترشيد الاستهلاك عند الضرورة، تستهدف وجود هامش يسمح بالصمود تقريبًا من شهر إلى شهر ونصف في حالة الأزمة.
ويظل هذا الرقم تقديرًا للخبير، وليس عدد أيام معلنًا رسميًا من الحكومة للمخزون الحالي.
كما أوضح أبو العلا أن حساسية المنتجات البترولية ليست واحدة؛ فالسولار يرتبط بنقل البضائع والنشاط الاقتصادي، والبوتاجاز باحتياجات ملايين الأسر، والبنزين بحركة المركبات، وبالتالي فإن حجم المخزون المطلوب قد يختلف من منتج إلى آخر.
90 يومًا في تجارب دولية
وتلزم وكالة الطاقة الدولية دولها الأعضاء بالاحتفاظ بمخزون يعادل 90 يومًا على الأقل من صافي الواردات النفطية، بينما تعد مصر دولة شريكة وليست عضوًا كاملًا، وبالتالي لا ينطبق عليها هذا الالتزام.
ولا يعني ذلك أن مصر تحتاج بالضرورة إلى مخزون يغطي 90 يومًا؛ فظروف الإنتاج والاستهلاك والاستيراد تختلف من دولة إلى أخرى.
لكن تجربة أكتوبر، ثم ترتيبات ما بعد الحرب، تكشف أن أمن الطاقة لا يُقاس فقط بعدد المستودعات أو ملايين البراميل، وإنما بالوقت الذي تمنحه هذه البراميل للدولة عندما تبدأ الأزمة.
وبينما تتحدث الحكومة عن «مخزون استراتيجي مطمئن»، يبقى السؤال الذي لا يظهر في البيانات العامة المنشورة:
لو توقفت الإمدادات غدًا.. كم يومًا من السولار والبنزين والبوتاجاز تستطيع مصر تأمينها قبل أن يبدأ الضغط على السوق؟


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






