أشرف عباس يكتب: تفرقنا الانتماءات الكروية.. وتجمعنا كراهية الكيان الصهيوني
لم تكن نتيجة قمة الأهلي والزمالك هي ما استوقف صحيفة «هآرتس» العبرية، وإنما مشهد جمع جمهورين اعتادا الخصومة على الهتاف ضد الكيان الصهيوني، فقد بدأت جماهير الأهلي الهتاف، فقابلتها جماهير الزمالك بالتحية والتصفيق، قبل أن تشاركها ترديده، لتختار الصحيفة هذا الاتفاق عنوانًا لتغطيتها المنشورة في 13 أكتوبر، في قراءة تجاوزت حدود كرة القدم إلى ما يجمع المصريين رغم اختلافاتهم، وأعادت إلى الأذهان سؤالًا يتعلق بما نختار نحن في الإعلام أن نبرزه من أحداثنا، وما نتركه يتراجع خلف زحام الأخبار.
لم يحتج المشهد إلى اتفاق مسبق أو دعوة للمصالحة، فقد جاء كل جمهور إلى استاد القاهرة لمساندة فريقه، لكن الهتاف الذي انطلق من المدرج الأحمر وجد صداه في المدرج الأبيض، في شهر يستعيد فيه المصريون ذكرى انتصار أكتوبر المجيد، ولم تكن الهتافات وحدها حاضرة، فقد رفعت الجماهير لافتات تستحضر بطولات القوات المسلحة ومواقف الأندية وجماهيرها خلال الحرب، ليجد جيل لم يعاصر المعركة طريقته الخاصة في التعبير عن ارتباطه بتاريخ وطنه.
وهنا يتجاوز المشهد حدود كرة القدم، فالشباب الذين ملأوا المدرجات لم يشاهدوا العبور، ولم يعيشوا سنوات الاستنزاف، لكنهم استدعوا تاريخًا انتقل إليهم عبر روايات الآباء والأجداد، وما قدمته المدارس ووسائل الإعلام من شهادات وصور ووثائق، وهو ما يطرح سؤالًا أبعد من تفسير الهتاف نفسه: هل نملك ذاكرة موثقة ومتاحة يستطيع هؤلاء الشباب العودة إليها ليفهموا تفاصيل التاريخ الذي استحضروه في المدرجات؟
وليس هذا الموقف وليد الحرب على غزة وحدها، رغم ما تعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتهجير وانتهاكات، فالمصريون عرفوا العدوان الثلاثي عام 1956، واحتلال سيناء عام 1967، وخاضوا حرب الاستنزاف قبل أن يعبر الجيش المصري قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973، ويفتح الطريق أمام استرداد الأرض، بينما امتد تاريخ الاحتلال والحروب والاعتداءات إلى فلسطين والجولان السوري ولبنان، وما خلفته تلك المواجهات من ضحايا وتداعيات لا تزال حاضرة في المنطقة.
ولعل الصلة بين كرة القدم وأكتوبر تحمل من الشواهد ما هو أعمق من هتافات المدرجات، فقد روى فكري صالح، حارس مرمى الزمالك السابق، في حوار أجرته معه الزميلة ياسمين عبد الحميد ونشرته «النهار»، كيف أنهى مباراة أمام الطيران قبل الحرب بأيام، لتأتي سيارة عسكرية تنقله إلى وحدته، حيث كان ضابطًا بالقوات المسلحة، قبل أن يشارك ضمن قوات الصاعقة في العبور، في قصة انتقل صاحبها من الدفاع عن مرمى ناديه إلى الدفاع عن أرض وطنه.
وأتصور أن كثيرين ممن شاهدوا لافتات أكتوبر في المدرجات لا يعرفون هذه القصة، مثلما قد لا يعرفون شهادات أخرى وثقتها الصحافة المصرية، فقد روى إبراهيم المصري، أحد جنود المدفعية، للزميل وسام المصري، مشاهد الطائرات المصرية وهي تعبر السماء في موجات متلاحقة، والساعات التي سبقت عبور وحدته إلى الضفة الشرقية، فيما استعاد إسماعيل بيومي، في حواره مع الزميلة نورهان جمال، سنوات التدريب على فتح الثغرات في الساتر الترابي، وإصاباته خلال المعركة التي انتهت بفقد ذراعه اليمنى.
وهذه نماذج من جهد صحفي واسع لا يخص «النهار» وحدها، فقد خصصت عشرات الصحف والمواقع المصرية ملفات وأعدادًا كاملة لحرب أكتوبر، وأجرت حوارات مصورة ومكتوبة مع الضباط والجنود والمراسلين الحربيين والمدنيين الذين عاصروا المعركة، وحفظت شهادات تحمل تفاصيل إنسانية وعسكرية قد لا نجدها في الروايات التاريخية المختصرة، وهي جهود تستحق التقدير لأنها منحت من عاشوا الحرب فرصة لروايتها بأصواتهم، واحتفظت للأجيال بجزء مهم من تاريخ بلادهم.
لكن امتلاك هذا الرصيد لا يعني بالضرورة وصوله إلى الأجيال الجديدة، ففي تقرير نشرته «النهار» للزميلة أهلة خليفة يوم السادس من أكتوبر، تفاوتت معرفة الأطفال والشباب بالحرب، من سليم، الطفل صاحب السنوات الخمس، الذي لا تتجاوز صورتها في ذهنه الجنود والسلاح، إلى أيسل، تلميذة الصف الرابع الابتدائي، التي تعرف خط بارليف والعبور، وصولًا إلى شاب جامعي اتسعت معرفته مع الدراسة والقراءة، وهي شهادات لا يمكن تعميمها على جيل كامل، لكنها تكشف أن الذاكرة الوطنية لا تنتقل مكتملة من جيل إلى آخر، وإنما تتشكل بما يتاح من معرفة ومصادر وشهادات.
وإذا عدنا إلى مشهد استاد القاهرة، سنجد أمامنا وجهين لهذه القضية، جيلًا يستحضر أكتوبر في هتافاته ولافتاته، وصحافة مصرية تمتلك شهادات من خاضوا الحرب ووثقوا تفاصيلها، لكن المسافة بينهما قد تكون أكبر مما نتصور، فالشاب الذي شاهد لافتة عن مشاركة أحد الأندية في المجهود الحربي قد لا يعرف أين يجد الوثائق التي تروي تلك المشاركة، ومن ردد الهتاف قد لا يكون قد استمع يومًا إلى شهادة جندي شارك في العبور، رغم أن هذه الشهادات موجودة بالفعل في أرشيفات صحفنا ومواقعنا.
ومن هنا تنبع الحاجة إلى منصة رقمية وطنية لحرب أكتوبر، لا باعتبارها مجرد مستودع للوثائق القديمة، وإنما جسرًا يصل الأجيال التي تستحضر التاريخ اليوم بمن عاشوا أحداثه ووثقوها بالأمس. فلو كانت هذه المنصة متاحة، لأمكن للشاب الذي تابع هتاف المدرجات أن ينتقل من المقطع المصور إلى شهادات المحاربين، ومن اللافتات التي تستعيد دور الأندية إلى الحوارات والوثائق التي تناولت مساهماتها، ومن مشهد احتفال بذكرى النصر إلى معرفة أوسع بأسباب الحرب وتفاصيلها وتضحيات من خاضوها.
ولذلك أرى أن الوقت قد حان لتبني مشروع وطني يجمع هذا التراث ويحفظه ويتيح الوصول إليه، تتولى وزارة الدولة للإعلام تنسيقه، بالتعاون مع الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام ونقابة الصحفيين والمؤسسات الصحفية القومية والخاصة والحزبية والمواقع الإلكترونية، لإنشاء منصة رقمية متخصصة تضم ما وثقته الصحافة المصرية عن حرب أكتوبر، وتتيح البحث في الحوارات والشهادات والصور والتسجيلات والوثائق، مع الحفاظ على حقوق المؤسسات والصحفيين، ونسبة كل مادة إلى صاحبها ومصدرها الأصلي.
ولا يبدأ المقترح من فراغ، فقد أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام في يوليو الماضي مشروع رقمنة تراث ماسبيرو، وهو جهد يمكن البناء عليه والتكامل معه، بدل تكراره في مشروع موازٍ، على أن تبدأ المنصة المقترحة بفهرس رقمي موحد يربط المواد بمصادرها، ثم تتوسع تدريجيًا في رقمنة الأرشيف الورقي والتسجيلات القديمة وإتاحتها، وفق اتفاقات واضحة بشأن الملكية الفكرية والموارد اللازمة.
وأدرك أن جمع أرشيفات مؤسسات مختلفة ليس مهمة سهلة، فهناك تكلفة للرقمنة والحفظ، وحقوق لأصحاب المواد، وروايات قد تختلف في بعض تفاصيلها، فضلًا عن مخاطر الانتقاء أو إخضاع الأرشيف لرؤية مؤسسة واحدة، ولذلك فإن استقلال الإدارة المهنية وتعدد الجهات المشاركة ووضوح معايير التوثيق والإتاحة شروط أساسية لنجاح المشروع، حتى يصبح مرجعًا موثوقًا يحفظ تعدد الشهادات، لا منصة تفرض رواية واحدة للتاريخ.
والأهم ألا يتوقف المشروع عند جمع ما نُشر، بل يمتد إلى إنتاج أفلام وثائقية جديدة مع من لا يزالون بيننا من المحاربين والمراسلين الحربيين والأطقم الطبية والشهود المدنيين، تستعيد شهاداتهم وتضعها إلى جوار الوثائق والصور والتسجيلات، فهناك تفاصيل لم تُروَ بعد، وأصوات قد نفقد فرصة الاستماع إليها برحيل أصحابها، وكل عام يمر يجعل هذه المهمة أكثر إلحاحًا.
ولا أريد لهذه المنصة أن تصبح مشروعًا أرشيفيًا منفصلًا عن حياة الناس، بل مصدرًا حيًا يمكن العودة إليه كلما استُدعي تاريخ أكتوبر في مناسبة أو حدث معاصر، بحيث يستطيع الصحفي أن يستند إلى وثيقة أصلية، والمعلم أن يقدم شهادة مصورة لتلاميذه، والباحث أن يقارن بين روايات متعددة، والمشجع الذي رفع لافتة في المدرجات أن يجد ما يوثق الوقائع التي استحضرها أمام آلاف الجماهير.
فلنتذكر، ولنُذكّر الأجيال القادمة، أن عدونا الأول هو الكيان الصهيوني بما ارتبط بسياساته من احتلال وعدوان وتهديد لأمن المنطقة وحقوق شعوبها، لا المصري الذي يختلف معنا في انتمائه الرياضي أو آرائه، وأن الحفاظ على الوعي بهذا التاريخ لا يعني توريث الكراهية للبشر بسبب ديانتهم أو أصولهم، وإنما معرفة ما جرى على أرضنا وفي محيطنا العربي، والتفريق بين السلام الذي يحفظ الحقوق والاحتلال الذي ينتهكها، حتى لا تصبح المسافة الزمنية بين الأجيال والحروب سببًا في نسيان تضحيات من خاضوها.
ومن هذه الزاوية أعود إلى اهتمام «هآرتس» بمشهد المدرجات، فليس في تغطيتها اكتشاف لحقيقة غابت عن الصحافة المصرية، التي وثقت تاريخ أكتوبر قبل تلك المباراة بعقود، وإنما تذكير بأهمية قراءة الأحداث الجارية في ضوء ما نملكه من شهادات ووثائق، وقدرتنا على تحويل تلك المادة من أرشيف متفرق إلى معرفة متاحة للأجيال، فلا يقتصر حضور التاريخ على الهتافات والاحتفالات، ولا تتراجع الوقائع الموثقة أمام روايات يصعب التحقق من أصولها.
لقد بدأ الهتاف من مدرجات الأهلي، وجاء الرد من جماهير الزمالك، ثم انتهت المباراة وعاد كل جمهور إلى انتمائه، لكن التاريخ الذي جمعهما لم يبدأ مع صافرة الحكم ولن ينتهي بعدها، وإذا كانت الجماهير قد أعادت ذاكرة أكتوبر إلى المدرجات بصوت واحد، فإن مسؤوليتنا أن نضع بين أيديها وبين أيدي الأجيال القادمة الشهادات والوثائق التي تروي هذا التاريخ وتفسره، من خلال أرشيف وطني رقمي يجمع ما وثقته صحافتنا ويحفظ ما تبقى من أصوات شهود الحرب، فالهتاف يمكن أن يتردد في مباراة أخرى، أما شهادة من عاش الحرب ورحل دون أن نسجل صوته، فلن نستطيع استعادتها، والأمم التي لا تصون ذاكرتها تترك تاريخها عرضة للنسيان والتحريف، فما لا نحفظه اليوم من شهادات ووثائق، قد نجد أنفسنا غدًا أمام روايات عنه لا نملك أصولها للتحقق من صحتها.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






