مشاهير تيك توك والمخدرات.. هل يتحول «الترند» إلى تقليد خطير؟
لم تعد خطورة مواقع التواصل الاجتماعي تقف عند حدود نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الدقيقة، بل امتدت إلى التأثير في سلوكيات الشباب وطريقة فهمهم لما يشاهدونه يوميًا، خاصة عندما تتحول المقاطع المثيرة للجدل إلى مادة للترفيه وجذب المشاهدات، حتى لو ارتبطت بسلوكيات ضارة مثل تعاطي المخدرات.
وأعاد الجدل المتداول بشأن مقطع يُنسب إلى مطرب المهرجانات عصام صاصا على منصة «تيك توك» طرح تساؤلات مهمة حول حدود المسؤولية الاجتماعية للمشاهير، وتأثير المحتوى الرقمي في المراهقين، ومدى قدرة مشاهد قصيرة على تقديم سلوكيات خطرة في صورة عادية أو مثيرة للفضول والتقليد.
ولا يتعلق جوهر القضية بإدانة شخص استنادًا إلى مقطع متداول أو التعامل مع ما يُنشر على مواقع التواصل باعتباره حقيقة مؤكدة، وإنما بالخطر الذي قد ينشأ عندما تتحول السلوكيات الضارة إلى مشاهد تحظى بالتفاعل الواسع، دون سياق توعوي يوضح عواقبها.
من المشاهدة إلى التقليد.. أين تكمن الخطورة؟
يمثل المشاهير والمؤثرون نماذج يتابعها ملايين المستخدمين، وبينهم أعداد كبيرة من المراهقين والشباب الذين قد يتأثرون بطريقة حديثهم وتصرفاتهم وأنماط الحياة التي يعرضونها عبر المنصات الرقمية.
وعندما يرتبط محتوى أحد المشاهير بسلوك مثير للجدل، فقد يتحول النقاش من تقييم السلوك نفسه إلى الاحتفاء بصاحبه أو تكرار المقطع بغرض السخرية أو الترفيه، وهو ما قد يضعف الرسالة الرافضة للسلوك الضار إذا غابت التوعية المصاحبة له.
ولا يعني ذلك أن مشاهدة مقطع تدفع بالضرورة إلى التعاطي أو التقليد، لكن تكرار عرض بعض السلوكيات في سياق جذاب قد يسهم لدى بعض الفئات في إثارة الفضول أو التقليل من خطورتها، خصوصًا مع غياب الوعي الكافي لدى صغار السن.
وتزداد المشكلة عندما تنتشر المقاطع مجتزأة من سياقها، أو تُرفق بتعليقات وتفسيرات غير مؤكدة، فتتحول التكهنات إلى أحكام متداولة، بينما تضيع الحدود الفاصلة بين المعلومة الموثقة والشائعة.
اللواء أشرف عبد العزيز.. مسؤولية الشهرة تتجاوز حدود الشاشة
وفي إطار تناول القضية من منظور أمني ومجتمعي، تبرز أهمية التحذير من تطبيع السلوكيات الضارة عبر المحتوى الرقمي، وضرورة التعامل بجدية مع تأثير القدوة التي تقدمها الشخصيات العامة لجمهورها، خاصة الفئات العمرية الأصغر.
فالشهرة تمنح صاحبها قدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، لكنها تفرض في المقابل مسؤولية تجاه طبيعة الرسائل التي يقدمها، ومدى انعكاسها على سلوك المتابعين. ولا ينبغي أن يصبح السعي وراء المشاهدات والتفاعل مبررًا لتجاهل الآثار المحتملة للمحتوى المنشور.
وفي هذا السياق، يبرز اسم اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني، ضمن معالجة القضية من زاوية تأثير المحتوى الرقمي في وعي الشباب، وأهمية عدم تحويل السلوكيات الخطرة إلى مادة للترفيه أو التقليد.
تيك توك.. حين يسبق انتشار المقطع فهم مضمونه
تتميز منصات التواصل بسرعة انتشار المحتوى، إذ يمكن لمقطع قصير أن ينتقل بين آلاف الحسابات خلال وقت محدود، ثم يُعاد نشره وتداوله مصحوبًا بتعليقات قد تغير طريقة فهمه.
وتمنح خوارزميات التوصية والتفاعل المستمر بعض المقاطع المثيرة للجدل فرصًا إضافية للظهور، ما يجعل المحتوى الأكثر إثارة قادرًا على جذب الانتباه حتى عندما لا يقدم قيمة توعوية أو معرفية.
وتكمن الخطورة في أن تكرار مشاهدة مشاهد مرتبطة بسلوكيات ضارة قد يجعلها تبدو مألوفة لدى بعض المتابعين، خصوصًا إذا قُدمت دون إظهار العواقب الصحية والاجتماعية والقانونية المرتبطة بها.
ومع ذلك، يجب التمييز بين تداول مقطع مثير للجدل وبين ثبوت صحة ما يُنسب إلى صاحبه؛ فالفيديو وحده قد لا يكفي لإثبات الواقعة أو تحديد سياقها، وهو ما يجعل التحقق من المعلومات ضرورة قبل إعادة النشر أو إطلاق الاتهامات.
من المسؤول عن حماية الشباب؟
تتوزع مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة بين الأسرة والمدرسة والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب المؤسسات المعنية بالوقاية من المخدرات ومكافحتها.
فالأسرة مطالبة بفتح حوار مستمر مع الأبناء بشأن ما يشاهدونه على الإنترنت، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين المحتوى الترفيهي والرسائل التي قد تحمل سلوكيات خطرة. كما تتحمل المدرسة دورًا مهمًا في تنمية التفكير النقدي، وعدم الانسياق وراء التقليد الأعمى أو البحث عن القبول الاجتماعي بأي ثمن.
أما الإعلام، فعليه تقديم معالجة مهنية لا تكتفي بتضخيم الجدل أو تكرار المقاطع المثيرة، بل توضح المخاطر الحقيقية وتقدم معلومات موثوقة، مع تجنب تحويل الشائعات إلى حقائق أو منح المحتوى الضار انتشارًا إضافيًا دون ضرورة صحفية.
وتبقى مسؤولية المنصات الرقمية قائمة في تطبيق سياساتها بشأن المحتوى الذي يروّج للمخدرات أو يشجع على السلوكيات الضارة، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير وحماية المستخدمين، ولا سيما القُصّر.
كذلك، ينبغي أن تستند أي مساءلة قانونية إلى الوقائع والأدلة والقواعد المقررة، بعيدًا عن أحكام مواقع التواصل أو حملات التشهير، مع مراعاة أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات مرتبطة بالتعاطي يحتاجون إلى التوعية والعلاج المتخصص، لا إلى الوصم وحده.
لا تجعلوا الخطر بطولة
القضية تتجاوز مقطعًا يتصدر «الترند» أو اسمًا يحظى باهتمام الجمهور لساعات؛ فهي تتعلق بطبيعة الرسائل التي تصل إلى الشباب، وبقدرة المجتمع على حماية وعيهم من التطبيع مع السلوكيات الضارة.
فالمخدرات ليست وسيلة للترفيه، والتعاطي ليس بطولة، والشهرة لا تعفي أصحابها من المسؤولية الاجتماعية، كما أن عدد المشاهدات لا يصلح معيارًا للحكم على قيمة المحتوى أو تأثيره.
وتبقى المواجهة الحقيقية في نشر الوعي، وتعزيز ثقافة التحقق، وعدم الانسياق وراء التقليد الأعمى، مع الحفاظ على حق كل شخص في ألا يُدان بناءً على شائعة أو مقطع غير مكتمل السياق.
فالهدف ليس محاكمة الأشخاص عبر مواقع التواصل، بل منع تحول المخاطر إلى مشاهد مألوفة، وجعل الوعي أكثر انتشارًا من الشائعة، وحماية الشباب دون ظلم أحد أو اتهامه بغير دليل.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






