النهار
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 01:15 مـ 24 ربيع آخر 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

فن

بليغ حمدي.. موسيقار عاش المجد والأزمات وترك ألحانًا لا تموت.. في ذكراه

في حياة بعض الفنانين، لا تكون الموهبة وحدها كافية لرواية الحكاية، فهناك أسماء ارتبطت أعمالها بذاكرة الناس، بينما حملت حياتها الشخصية محطات أكثر قسوة من أي كلمات يمكن أن تكتب عنها، ومن بين هؤلاء يأتي الموسيقار بليغ حمدي، الذي صنع لنفسه مكانة استثنائية في تاريخ الموسيقى العربية، لكنه مر في المقابل بأزمات قاسية تركت أثرها على سنواته الأخيرة.

ولد بليغ حمدي في 7 أكتوبر 1931 بحي شبرا في القاهرة، وبدأ علاقته بالموسيقى في سن صغيرة، فتعلم العزف على العود، ودرس الموسيقى الشرقية، ثم اتجه إلى الاحتراف بعدما وجد أن التلحين هو المجال الذي يستطيع من خلاله التعبير عن موهبته بصورة أكبر.

في بداياته خاض بليغ تجربة الغناء وسجل عدة أغنيات للإذاعة، لكنه لم يستمر مطربًا، وسرعان ما ركز على التلحين، وكانت علاقته بالموسيقار محمد فوزي نقطة مهمة في انتقاله إلى عالم كبار المطربين، قبل أن تتسع شهرته مع أعماله التي قدمها لأسماء بحجم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية وشادية ونجاة وفايزة أحمد وميادة الحناوي وغيرهم.

ومع أم كلثوم تحديدًا، بدأت واحدة من أهم مراحل مشواره، بعدما قدم لها ألحانًا أصبحت من علامات الغناء العربي، من بينها أنساك وحب إيه وسيرة الحب وبعيد عنك وفات الميعاد وألف ليلة وليلة، وصولًا إلى حكم علينا الهوى التي كانت آخر ألحانه لها.

أما عبد الحليم حافظ، فجمعته ببليغ علاقة فنية أثمرت عددًا كبيرًا من الأغنيات، من بينها تخونوه وسواح وموعود وعلى حسب وداد قلبي وعدى النهار وفدائي وعاش اللي قال، وهو ما جعل تجربة بليغ مع حليم واحدة من أبرز محطات الموسيقى المصرية في الستينيات والسبعينيات.

ولم تكن ألحان بليغ محصورة في اللون العاطفي، إذ تنوع إنتاجه بين الأغاني الوطنية والشعبية والدينية وأغاني الأطفال، وهو التنوع الذي ساعده على تكوين أسلوب خاص ظل حاضرًا في الموسيقى العربية بعد رحيله.

بليغ ووردة.. الفن والحب في حياة واحدة

كان اسم وردة الجزائرية حاضرًا بقوة في حياة بليغ حمدي، بعدما تزوجا عام 1972، وقدم لها خلال فترة زواجهما عددًا كبيرًا من الألحان، من بينها يا نخلتين في العلالي وحكايتي مع الزمان ودندنة.

وبعد الانفصال، استمر تأثير تجربتهما في أعمال بليغ، وظلت وردة واحدة من أقرب الأسماء إلى عالمه الفني، كما ارتبطت بعض ألحانه اللاحقة بروح تلك التجربة العاطفية التي جمعتهما.

قضية سميرة مليان.. نقطة التحول الأصعب

في ديسمبر 1984، وقعت الحادثة التي غيرت مسار حياة بليغ حمدي، بعدما عُثر على المطربة المغربية سميرة مليان متوفاة أسفل شرفة شقته في الزمالك عقب سهرة أقامها في منزله.

بدأت التحقيقات في الواقعة، ثم دخل بليغ دائرة الاتهام، وتحولت القضية إلى أزمة قضائية وإعلامية كبيرة، دفعته إلى مغادرة مصر والعيش خارجها لسنوات، متنقلًا بين باريس ولندن ودول أوروبية أخرى.

وتعددت الروايات حول ملابسات وفاة سميرة مليان، لكن القضية انتهت قضائيًا ببراءة بليغ، بعدما قضى سنوات خارج مصر على خلفية الأزمة، وعاد بعدها إلى القاهرة، بينما ظلت الحادثة واحدة من أكثر المحطات ارتباطًا باسمه رغم انتهاء مسارها القضائي.

وتشير شهادات أفراد من أسرته إلى أن الأزمة تركت أثرًا بالغًا عليه، وأن حياته تغيرت بعد القضية، حتى إنه ابتعد عن شقته القديمة بعد عودته من باريس، واختار الإقامة مع أسرته في الزمالك.

سنوات الغربة لم توقف الموسيقى

ورغم ابتعاده عن مصر، لم يتوقف بليغ عن العمل الموسيقي، وحاول مواصلة حياته الفنية من الخارج، كما وجد مساندة من عدد من الشخصيات العربية خلال سنوات إقامته في باريس، وفق ما رواه صديقه محسن خطاب في كتاب تناول سنواته الأخيرة.

وبعد انتهاء أزمته القضائية وعودته إلى مصر، استقبله عدد من أصدقائه في الوسط الفني، وأقيم له حفل احتفاء بعودته، في محاولة لإعادة الموسيقار إلى الحياة الفنية بعد سنوات الغياب.

المرض يطوي الصفحة الأخيرة

لم تكن العودة إلى مصر نهاية أزمات بليغ، فقد بدأت حالته الصحية في التدهور خلال سنواته الأخيرة، وأصيب بمشكلات خطيرة في الكبد، ثم كشفت الفحوص عن إصابته بسرطان الكبد في مرحلة متأخرة، وسافر إلى باريس لتلقي العلاج.

وتناول كتاب الصحفي أيمن الحكيم عن الأيام الأخيرة في حياة بليغ رواية صديقه محسن خطاب بشأن ظروف علاجه في فرنسا، ومنها أن الموسيقار كان في أيامه الأخيرة يتمنى سماع صوت وردة، وظل يسأل عنها قبل أن تتدهور حالته وينتقل إلى العناية المركزة.

وفي 12 سبتمبر 1993، رحل بليغ حمدي عن عمر 61 عامًا، بعد رحلة طويلة بين النجاح الفني والأزمات الشخصية والمرض، لكنه ترك وراءه تراثًا موسيقيًا ضخمًا، إذ ارتبط اسمه بنحو 1500 لحن وفق ما أورده كتاب أيمن الحكيم، بينها أعمال كثيرة أصبحت جزءًا من الذاكرة الغنائية العربية.

رحل بليغ حمدي، لكن ألحانه لم ترحل معه، وظلت أعماله مع كبار المطربين حاضرة لدى أجيال متعاقبة، ليبقى واحدًا من أبرز الموسيقيين الذين تركوا أثرًا واضحًا في شكل الأغنية العربية، بعدما جمعت حياته بين موهبة استثنائية ومحطات إنسانية وفنية شديدة التعقيد.