توسيع القاعدة الضريبية.. هل تحتاج مصر إلى ضريبة جديدة أم «يقين ضريبي» مختلف؟.. خبير يجيب
في كل اقتصاد حديث، تمثل الضريبة أكثر من مجرد مورد للخزانة العامة؛ فهي جزء من العلاقة التي تنظمها الدولة مع النشاط الاقتصادي، وأحد العناصر التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حسابات المستثمر والشركة والمصنع ورجل الأعمال.
ومن هنا، فإن النقاش حول الإصلاح الضريبي في مصر ينبغي ألا يختزل في سؤال واحد: كم تستطيع الدولة أن تحصّل؟ وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف تستطيع الدولة أن تحقق حصيلة مستدامة، وفي الوقت ذاته توفر للممول والمستثمر درجة أعلى من الوضوح والاستقرار والقدرة على التنبؤ؟
وقال المستشار أحمد عدلي المستشار القانوني الأسبق لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، إن المستثمر لا ينظر إلى الضريبة باعتبارها عنصرًا منفصلًا عن مشروعه؛ فهي تدخل في حسابات التكلفة والتدفقات النقدية والعائد المتوقع والتمويل والتوسع والتخارج، مضيفا أن المستثمر هو بداية أي نقاش جاد حول مستقبل المنظومة الضريبية المصرية.
أوضح "عدلي" ان المستثمر يستطيع أن يبني نموذجًا ماليًا إذا كانت القاعدة الضريبية واضحة ويمكن توقع تطبيقها، لكنه يواجه صعوبة أكبر عندما يصبح عدم اليقين المرتبط بالتفسير، أو الإجراءات، أو الفحص، أو المنازعات جزءًا من تكلفة المشروع، وهنا تظهر أهمية مفهوم أصبح أكثر حضورًا في الاقتصاد العالمي: اليقين الضريبي "Tax Certainty".
الاستقرار الضريبي لا يعني تجميد التشريعات
وقال إن الاستقرار الضريبي لا يعني تجميد التشريعات، ولا يعني منع الدولة من تطوير سياستها الضريبية، وإنما أن تكون التغييرات واضحة ومعلنة وقابلة للفهم والتطبيق، وأن تتوافر للمستثمر فترة معقولة لاستيعابها، وأن يكون تطبيقها متسقًا، وهذه ليست رفاهية قانونية؛ إنها جزء من بيئة الاستثمار.
وذكر المستشار القانوني الأسبق لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، ان مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة تدفقات استثمارية استثنائية، كان أبرزها وصول صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 46.1 مليار دولار خلال السنة المالية 2023/2024، مدفوعًا بصورة رئيسية بالتدفقات المرتبطة بصفقة رأس الحكمة، ثم عادت التدفقات في السنة المالية التالية إلى مستويات أكثر اعتيادًا، مع تسجيل نحو 12.2 مليار دولار في 2024/2025 وفق البيانات المنشورة.
وقال يجب التمييز بين التدفق الاستثنائي وبين القدرة على بناء تدفقات مستمرة من الاستثمارات الإنتاجية، وليس الي المقارنة الحسابية بين عام وآخر، مؤكدا ان مصر لا تحتاج فقط إلى رأس مال يدخل السوق، وإنما إلى رأس مال ينشئ مصنعًا، وينقل تكنولوجيا، ويوظف العمالة، ويخلق سلاسل إمداد، ويصدر، ثم يعيد استثمار أرباحه في توسعات جديدة، ومن هنا يصبح إصلاح البيئة الضريبية جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بنوعية الاستثمار الذي تريد مصر اجتذابه.
توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الأمتثال
وأضاف، أن من الأخطاء التي ينبغي تجنبها النظر إلى الإصلاح الضريبي باعتباره عملية لزيادة العبء على الممولين القائمين بالفعل.
وقال، هناك مسار آخر أكثر ارتباطًا بالنمو: توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الامتثال، موضحا ان كل نشاط اقتصادي جديد يدخل إلى الاقتصاد الرسمي، وكل شركة جديدة تبدأ نشاطها بصورة قانونية، وكل توسع في الإنتاج، وكل زيادة في الأرباح والتجارة والاستهلاك، يمكن أن يضيف إلى الحصيلة دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة معدلات الضرائب نفسها. وهنا تصبح الرقمنة، وتبسيط الإجراءات، وتقليل تكلفة الامتثال، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، أدوات للسياسة الضريبية وليست مجرد أدوات إدارية.
الدخول الي الاقتصاد الرسمي
أكد "عدلي" أن سهولة وجاذبية الدخول الي الاقتصاد الرسمي، هو السؤال الذي يستحق الطرح فإذا نجحنا في الإجابة عن هذا، فإن توسيع القاعدة الضريبية يمكن أن يصبح نتيجة طبيعية للنمو والامتثال.
وأوضح أن الأنشطة الاقتصادية تخضع في مصر لمنظومة واسعة من التشريعات الضريبية والتنظيمية، وفي مقدمتها الأطر المنظمة لضريبة الدخل، وضريبة القيمة المضافة، والإجراءات الضريبية، إلى جانب القواعد المرتبطة بالاستثمار والأنشطة الاقتصادية المختلفة، لكنني لا أرى أن الحل يكمن بالضرورة في إصدار المزيد من القوانين.
الإصلاح الحقيقي
واكد ان القيمة الحقيقية لأي منظومة تشريعية لا تقاس بعدد النصوص، وإنما بقدرتها على إنتاج قواعد واضحة، وتحديد الاختصاصات، وتقليل التداخل، وتوحيد الإجراءات، وتحقيق قابلية التنبؤ.
أشار إلي أن المشكلة ليست أحيانًا في النص ذاته، وإنما في العلاقة بين النص واللائحة والإجراء والتطبيق والفحص والتظلم والمنازعة. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينظر إلى المنظومة باعتبارها رحلة واحدة للممول والمستثمر.
اقتصاد البيانات
واكد ان الفحص الضريبي أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد بصورة كبيرة من التحول الرقمي، فالاقتصادات الحديثة تتحرك بصورة متزايدة نحو نماذج تعتمد على تحليل البيانات وإدارة المخاطر بدلًا من التعامل بالطريقة نفسها مع جميع الممولين.
أوضح ان بناء منظومة أكثر اعتمادًا على البيانات يمكن أن يسمح بتوجيه الموارد الرقابية نحو الحالات الأعلى مخاطرة، بينما يحصل الملتزمون على إجراءات أكثر سرعة ووضوحًا.
وهذا يحقق هدفين في الوقت نفسه: رفع كفاءة التحصيل، وتقليل تكلفة الامتثال على الممول الملتزم. وهنا تصبح التكنولوجيا وسيلة لإعادة تصميم العلاقة الضريبية، وليس مجرد منصة لتقديم الإقرارات.
المنازعات الضريبية والسيولة
وقال، لا ينبغي النظر إلى المنازعة الضريبية باعتبارها مجرد خلاف قانوني بين الدولة والممول، فالمنازعة الممتدة زمنيًا يمكن أن تؤثر في السيولة، والتخطيط المالي، والتمويل، والقدرة على التوسع، وفي بعض الحالات قرار المستثمر نفسه بشأن استمرار المشروع أو ضخ استثمارات جديدة.
ولهذا فإن الإصلاح الضريبي يجب أن يهتم ليس فقط بكيفية حسم المنازعة، وإنما بكيفية منع نشوء المنازعة من الأساس. وهذا يتطلب قواعد أكثر وضوحًا، وتفسيرًا مؤسسيًا منضبطًا، وإجراءات فحص قابلة للفهم، وآليات فعالة وسريعة للتظلم والتسوية في الحدود التي يسمح بها القانون، فالمنظومة الأفضل ليست التي تنتج عددًا أكبر من المنازعات ثم تفصل فيها بكفاءة، وإنما التي تقلل أسباب المنازعات قبل نشوئها.
الصناعة والسياسة الضريبية
إذا كانت مصر تستهدف تعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات، فإن السياسة الضريبية يجب أن تنظر إلى المصنع باعتباره وحدة إنتاج داخل سلسلة قيمة، وليس مجرد وعاء ضريبي. فالقرار الصناعي يرتبط بالأرض والتمويل والطاقة والجمارك والعمالة والنقل والتصدير والملكية الفكرية والبحث والتطوير، وتأتي الضرائب ضمن هذه المنظومة.
ومن ثم، فإن الحوافز الضريبية الأكثر فاعلية ليست بالضرورة تلك التي تقدم أكبر إعفاء، وإنما تلك التي تحقق إضافة اقتصادية قابلة للقياس: مصنع جديد، طاقة إنتاجية إضافية، وظائف جديدة، صادرات أعلى، تكنولوجيا جديدة، أو زيادة في المكون المحلي.
وقال ان الحافز الذي يخلق نشاطًا اقتصاديًا جديدًا قد يولد في المستقبل قاعدة ضريبية أكبر من الإعفاء الذي لا يغير السلوك الاستثماري.
أشار انه في عالم تتنافس فيه الدول على الاستثمار وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا، لم يعد المستثمر يقارن فقط بين معدلات الضرائب، بل يقارن بين التكلفة الكاملة لممارسة الأعمال. كم يستغرق تأسيس المشروع؟، وكم يستغرق الحصول على التراخيص؟ وهل القواعد مستقرة؟ وهل الإجراءات رقمية؟، وهل البيانات الحكومية مترابطة؟ وهل المنازعات يمكن حسمها بكفاءة؟ وهل يستطيع المستثمر معرفة التزاماته مسبقًا؟
أوضح ان هذه الأسئلة قد تكون في بعض الحالات أكثر تأثيرًا في القرار الاستثماري من فارق محدود في معدل الضريبة. ولهذا، فإن تحسين البيئة الضريبية يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لتحسين بيئة الأعمال.
المنافسة على الاستثمار
كما أشار الي ان النظام الضريبي العالمي يشهد تحولًا مهمًا مع مبادرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين، وفي مقدمتها مشروع (BEPS) والحد الأدنى العالمي للضريبة ضمن (Pillar Two)، وهذه التطورات تعني أن المنافسة بين الدول على الاستثمار لن تعتمد مستقبلًا على الحوافز الضريبية التقليدية وحدها، بل ستزداد أهمية جودة النظام القانوني والتنظيمي، والبنية الرقمية، والشفافية، والقدرة على تبادل المعلومات، وكفاءة الإدارة الضريبية، ووضوح القواعد العابرة للحدود.
وبالنسبة لمصر، فإن هذا التحول يمثل في الوقت نفسه تحديًا وفرصة. التحدي هو مواكبة النظام العالمي الجديد دون الإضرار بالقدرة التنافسية للاقتصاد. والفرصة هي أن تصبح جودة البيئة الاستثمارية نفسها عامل جذب، بدلًا من الاعتماد المفرط على الحوافز الضريبية كوسيلة وحيدة للمنافسة.
ماذا تحتاج مصر؟
وقال المستشار أحمد عدلي، في تقديري، يمكن أن يقوم مسار الإصلاح الضريبي خلال المرحلة المقبلة على مجموعة من المبادئ العملية، أولًا: تعزيز استقرار القواعد الضريبية ووضوح مراحل الانتقال عند إجراء تعديلات جوهرية، وثانيًا: تبسيط رحلة الممول من التسجيل إلى الإقرار، والفحص والتسوية والتظلم، وثالثًا: التوسع في الرقمنة وربط البيانات بين الجهات الحكومية ذات الصلة.
أضاف، رابعًا: التوسع في نماذج الفحص وإدارة المخاطر القائمة على البيانات، وخامسًا: تقليل أسباب المنازعات من خلال وضوح النصوص والتفسير والتطبيق، وسادسًا: تصميم الحوافز الضريبية وفق أثر اقتصادي قابل للقياس، خصوصًا في القطاعات الصناعية والتصديرية والاستثمارات ذات القيمة المضافة، وسابعًا: تعزيز البيئة القانونية للاستثمار العابر للحدود، بما يواكب التطورات الضريبية الدولية، وثامنًا: قياس نجاح الإصلاح ليس فقط بحجم الحصيلة، وإنما أيضًا بمؤشرات مثل نمو القاعدة الضريبية، وارتفاع معدلات الامتثال، وانخفاض تكلفة الامتثال، وسرعة إنهاء المنازعات، ونمو الاستثمار والإنتاج والتصدير.
وقال إن مستقبل الإصلاح الضريبي في مصر لا ينبغي أن يقاس فقط بالسؤال: كم زادت الحصيلة؟، بل يجب أن نضيف إليه أسئلة أخرى: كم مستثمرًا جديدًا دخل السوق؟، و شركة توسعت؟، وكم مشروعًا صناعيًا بدأ الإنتاج؟، وكم نزاعًا تم تجنبه؟، وكم انخفضت تكلفة الامتثال؟، وكم اتسعت القاعدة الضريبية؟.
أضاف، ان الدولة لا تختار بين الإيرادات والاستثمار؛ فالإطار التشريعي الجيد يستطيع أن يخدم الاثنين معًا عندما يبني علاقة أكثر وضوحًا واستقرارًا بين الدولة والاقتصاد. فالضريبة العادلة ليست بالضرورة الضريبة الأعلى، والنظام الضريبي الكفء ليس بالضرورة الأكثر تعقيدًا.
أضاف، القاعدة التي أرى أنها يجب أن تحكم المرحلة المقبلة هي أن المستثمر يستطيع أن يتحمل ضريبة معلومة، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة يمكنه أن يتنبأ بها، ومن هنا، فإن الإصلاح الضريبي الحقيقي ليس مجرد تعديل نسب أو إضافة أحكام جديدة، وإنما إعادة بناء درجة اليقين التي تحيط بالاستثمار والنشاط الاقتصادي.
واكد أن كلما أصبح القانون أكثر وضوحًا، والإجراء أكثر بساطة، والفحص أكثر ذكاءً، والمنازعة أسرع، والرقمنة أكثر تكاملًا، والقاعدة الضريبية أوسع، فإن الضريبة تتحول من مجرد أداة للتحصيل إلى جزء من البنية التحتية الاقتصادية التي تدعم النمو والاستثمار والتنافسية، وهذه، المعادلة التي تستحق أن نعمل عليها: دولة تحصل على حقها، وممول يعرف حقه والتزامه، ومستثمر يستطيع أن يخطط، واقتصاد ينمو.


.jpg)

.png)
.jpg)


.jpg)







