محمد هلوان يكتب| كثيرون حول الثقافة.. قليلون حول تعريفها: حين يصبح غياب المفهوم أزمة في الهوية
كثيرون يتحدثون عن الثقافة، وقليلون يتوقفون عند تعريفها أو تحديد المفهوم الذي ينطلقون منه لبناء أي مشروع ثقافي. وهذه ربما تكون واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه الحديث عن الثقافة المصرية؛ إذ يجري في أحيان كثيرة الانتقال مباشرة إلى الحديث عن مشروعات التثقيف وبناء الوعي وترسيخ الهوية، من دون الوقوف أولًا أمام السؤال الأكثر أهمية: ماذا نعني بالثقافة أصلًا؟
فالتعريفات اللغوية للثقافة وما يرادفها من مفاهيم، لا تنفصل عن المفهوم الاصطلاحي الذي استقر عليه العرف المجتمعي، والذي يمكن النظر إليه باعتباره مجموع المعارف الإنسانية التي ينتجها مجتمع ما، وتتداخل بصورة مباشرة مع تراثه وتاريخه، المادي منه والمعنوي.
وبناءً عليه؛ فإن أي بناء على مفهوم لم يتم تحديده بصورة واضحة، أو لم يتم تحديد الوجهة التي يستهدفها، يتحول بالضرورة إلى مجرد حشو لغوي، لا يستهدف معالجة الأزمة الثقافية من جذورها، وإنما يظل يدور في مساحة عامة وفضفاضة تسمح بتعدد التأويلات دون الوصول إلى نتيجة واضحة.
ولعل موضوع ترسيخ الثقافة المصرية لدى النشء، خصوصًا طلاب المدارس، يمثل نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية.. فإذا كنا نتحدث عن بناء العقلية المصرية لدى الجيل الجديد، وتعريفه بجذور هويته، فإن الخطوة الأولى لا ينبغي أن تكون وضع البرامج أو اختيار المضامين، وإنما تحديد ماهية الهوية المصرية ذاتها.
فأي هوية مصرية نريد أن نرسخها لدى هذا الجيل؟
السؤال ليس ترفًا فكريًا، خصوصًا في ظل حالة الصـ .راع التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة حول مكونات الهوية المصرية، بين اتجاهات تتحدث عن هوية عربية، وأخرى تركز على الهوية "الكيميتية" - المصرية القديمة-، فيما تبرز اتجاهات أخرى تتناول الهوية القبطية أو الإسلامية باعتبارها المكوّن الأكثر أهمية.
لكن المشكلة أن تحويل هذه المكونات إلى هويات متصارعة لا يبدو أنه يستهدف حل الأزمة من الأساس، بقدر ما يؤدي إلى تعزيز حالة الانقسام داخل المجتمع والنسيج المصري.
فالهوية المصرية، في النهاية، نتاج تراكمي لكل هذه المكونات والثقافات التي تشكلت داخل المجتمع عبر التاريخ. وهي ليست بالضرورة هوية أحادية الجانب يمكن اختزالها في عنصر واحد، وإنما هي حصيلة تفاعلات وتجارب حضارية وفكرية وتاريخية متراكمة، أسهمت جميعها في تشكيل الشخصية المصرية.
ومن هنا، فإن التعامل مع أحد هذه المكونات باعتباره الهوية المصرية الكاملة، ومحاولة اختزال الهوية فيه، يعني بالضرورة اجتزاء الصورة، وفي الوقت نفسه تهميش الأجزاء الأخرى والتقليل من قيمتها في تشكيل الوعي الجمعي.
وهنا تكمن خطـ .ورة المسألة؛ لأن الإصرار على قراءة الهوية من زاوية واحدة لا يؤدي فقط إلى إعادة تعريف الثقافة بصورة مبتورة، وإنما قد يسهم في تشويه مفهوم الهوية المصرية ذاتها، وإحداث خلخلة في مفاهيم المواطن والوطن والمواطنة بشكل عام.
الثقافة ليست كيانًا ثابتًا ظهر في لحظة محددة، ولم تُصنع دفعة واحدة، وإنما هي نتاج بشري تراكمي تشكل على مدار السنين، بفعل التجارب الحضارية والفكرية والتاريخية والاجتماعية وغيرها. ولهذا فإن محاولة اختزالها في تعريف واحد منفصل عن سياقها التاريخي والمجتمعي، أو التعامل معها باعتبارها مساحة لصـ .راع المكونات، لن تقود بالضرورة إلى فهم حقيقي لها.
ومن هنا، فإن التمركز حول مفهوم الثقافة والتجادل المستمر حوله، دون الانتقال إلى تحديد معناه ووظيفته ووجهته، لا يخرجنا من دائرة الجدل الذي لا ينتج حلولًا حقيقية. وربما تكون هذه الدائرة، في بعض الأحيان، مقصودة بشكل أو بآخر؛ لأن استمرار الجدل حول المفهوم قد يكون أسهل من مواجهة الأسئلة الأكثر تعقيدًا التي تترتب عليه.
فالمشكلة ليست فقط في أن نختلف حول تعريف الثقافة، وإنما في أن يتحول الاختلاف حول التعريف إلى بديل عن الإجراء الثقافي نفسه.
إن الوقوف على المرادفة والمعنى، ثم تجاوزهما إلى الفعل والبناء، يمثل في حد ذاته إجراءً ثقافيًا أكثر أهمية، وخطوة نحو تطور حقيقي في فهم الثقافة والهوية المصرية.
لكنها، للأسف، تظل واحدة من الإشكاليات التي يقع فيها عدد كبير من المثقفين المصريين خلال العقدين الأخيرين؛ إذ ينشغل النقاش في كثير من الأحيان بالمفهوم أكثر من انشغاله بما يمكن أن ينتج عنه، وبالصـ .راع حول مكونات الهوية أكثر من البحث عن المساحة المشتركة التي صنعت في مجموعها الشخصية المصرية.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي نحتاج إلى طرحه اليوم ليس: ما هي الثقافة المصرية؟ فقط، وإنما: كيف نفهمها أولًا، ثم كيف نبني عليها؟
فمن دون تحديد المفهوم، وتحديد وجهته، سيظل الحديث عن الثقافة مجرد حديث عن كلمة واسعة، يمكن أن تحمل كل شيء، وبالتالي قد لا تعني شيئًا محددًا.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







