النهار
الأربعاء 26 أغسطس 2026 05:23 مـ 12 ربيع أول 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

منوعات

«المساعدة على الموت» تدخل القانون الفرنسي.. هل أصبح إنهاء الحياة حق إنساني؟

دخلت فرنسا مرحلة جديدة في التعامل مع رعاية المرضى في نهاية الحياة، بعد إقرار قانون يمنح بعض المرضى المصابين بأمراض خطيرة وغير قابلة للشفاء حق طلب «المساعدة على الموت» وفق شروط وإجراءات قانونية وطبية محددة.

وأقر البرلمان الفرنسي القانون، ثم صادق المجلس الدستوري على النص في أغسطس 2026، قبل أن يصدر رسميًا وينشر في الجريدة الرسمية في 19 أغسطس، ويدخل حيز التنفيذ في اليوم التالي.

وبذلك أصبحت فرنسا من الدول التي تتيح قانونيًا شكلًا من أشكال المساعدة الطبية على إنهاء الحياة في حالات محددة، إلى جانب دول أخرى أقرت تشريعات مشابهة.

من يحق له طلب المساعدة على الموت؟

لا يفتح القانون الفرنسي هذا الخيار أمام أي شخص يرغب في إنهاء حياته، وإنما يضع مجموعة من الشروط الصارمة.

ويشترط أن يكون الشخص بالغًا، وأن يكون فرنسي الجنسية أو مقيمًا في فرنسا بصورة مستقرة ومنتظمة، وأن يعاني مرضًا خطيرًا وغير قابل للشفاء يهدد حياته، ويكون في مرحلة متقدمة أو نهائية من المرض.

كما يجب أن تكون المعاناة المرتبطة بالمرض غير قابلة للتخفيف بالعلاجات، أو أن تكون غير محتملة وفق الشروط التي حددها القانون، وأن يكون الشخص قادرًا على التعبير عن إرادته بصورة حرة ومدركة.

ويؤكد النص صراحة أن المعاناة النفسية وحدها لا تكفي للحصول على هذا الحق.

القرار لا يتم بمجرد طلب المريض

لا يكفي أن يطلب المريض الاستفادة من القانون حتى تتم الموافقة على طلبه.

فالإجراء يبدأ بطلب يقدمه الشخص إلى طبيب، ثم يتعين التحقق من استيفائه الشروط القانونية والطبية.

ويشارك في عملية التقييم أكثر من متخصص، بهدف التأكد من طبيعة المرض، ومرحلة تطوره، ومستوى المعاناة، وقدرة المريض على اتخاذ القرار بصورة حرة ومدركة.

وهذا يعني أن القانون وضع عملية تقييم متعددة المراحل بدلًا من ترك القرار لموافقة فردية من طبيب واحد.

ماذا لو غيّر المريض رأيه؟

من الضمانات التي يتضمنها القانون إمكانية التراجع عن القرار.

فإذا أبلغ الشخص الفريق الطبي بأنه لم يعد يرغب في الاستمرار في الإجراء، تتوقف العملية.

كما يمكن إيقاف الإجراءات إذا ظهرت معلومات جديدة تشير إلى أن شروط الاستفادة من القانون لم تعد متحققة، أو إذا ظهرت مؤشرات على تعرض المريض لضغوط تدفعه إلى اتخاذ القرار.

ماذا عن الأطباء الذين يرفضون المشاركة؟

يتضمن القانون أيضًا ما يعرف بـ«بند الضمير»، الذي يسمح للعاملين في القطاع الصحي المشمولين بالقانون بعدم المشاركة في الإجراءات إذا رفضوا ذلك لأسباب تتعلق بقناعاتهم.

وهذا البند كان من النقاط التي أثارت نقاشًا واسعًا خلال مراحل إقرار التشريع، إلى جانب المخاوف المتعلقة بحماية الأشخاص الأكثر ضعفًا.

ماذا كان الوضع في فرنسا قبل القانون؟

قبل إقرار هذا التشريع، كانت فرنسا تسمح ببعض الممارسات المرتبطة بنهاية الحياة، مثل وقف بعض العلاجات أو أجهزة دعم الحياة في حالات معينة، إضافة إلى استخدام التخدير العميق المستمر عندما تكون شروطه الطبية والقانونية متحققة.

أما المرضى الذين كانوا يبحثون عن خيارات أخرى لإنهاء حياتهم، فكانوا يواجهون قيودًا قانونية أكبر داخل فرنسا، وهو ما جعل القضية موضوعًا سياسيًا وأخلاقيًا مثيرًا للجدل لسنوات.

القانون الجديد يمثل تحولًا واضحًا في هذا الإطار، لأنه ينشئ حقًا قانونيًا مستقلًا تحت مسمى «المساعدة على الموت».

قانون يثير جدلًا واسعًا

ورغم إقرار القانون، لم ينته الجدل حوله.

فمؤيدوه يرون أنه يمنح المرضى الذين يعيشون مع أمراض خطيرة ومعاناة شديدة قدرًا أكبر من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ قرارات تتعلق بنهاية حياتهم.

في المقابل، حذرت منظمات وناشطون من احتمال تعرض بعض الفئات الأكثر ضعفًا لضغوط، كما أثارت جهات صحية وأخلاقية تساؤلات حول حدود دور الطبيب وحماية المرضى وضمان أن يكون القرار نابعًا فعلًا من إرادة الشخص.

وكانت هذه المخاوف من بين القضايا التي نوقشت خلال مراجعة القانون أمام المجلس الدستوري الفرنسي.

ماذا يعني القانون؟

لا يعني إقرار القانون أن فرنسا فتحت باب إنهاء الحياة أمام المرضى بشكل عام، بل وضعت إطارًا قانونيًا محددًا لحالات بالغة الخصوصية، مع شروط تتعلق بعمر المريض، ووضعه الصحي، ومستوى معاناته، وقدرته على اتخاذ القرار بحرية.

ويكشف هذا التشريع في الوقت نفسه عن تحول أوسع في النقاش الأوروبي حول نهاية الحياة، حيث تحاول الدول الموازنة بين حق المريض في تقرير مصيره، وواجب حماية الفئات الأكثر ضعفًا، ودور الطب في التعامل مع المراحل الأخيرة من المرض.

وبينما أصبح القانون الفرنسي نافذًا، فإن الجدل الأخلاقي والاجتماعي حول حدود «المساعدة على الموت» يبدو أنه سيستمر طويلًا، تمامًا كما استمر النقاش حوله قبل إقراره.