صراع النفوذ يرسم ملامح سوريا الجديدة.. فمن يفرض سيطرته؟
فتحت مذكرة التفاهم الجديدة بين دمشق وموسكو بشأن قاعدتي حميميم وطرطوس فصلًا جديدًا في المشهد السوري، بعدما اتفق الطرفان على إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري وإعادة صياغة وظيفة القواعد والمنشآت العسكرية، بما يسمح بتحويلها إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة خلال ثلاثة أشهر.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى موسكو، فقاعدة حميميم تمنحها قدرة على الحركة في شرق المتوسط، بينما تمثل طرطوس منفذًا بحريًا مهمًا وخط اتصال لوجستي مع مناطق نفوذها الأخرى، ولذلك فإن التخلي الكامل عن القاعدتين قد يعني خسارة ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الساحة السورية نفسها، كما تحافظ على موطئ قدم استراتيجي على ساحل المتوسط، حتى وإن تغير شكل وجودها من القواعد العسكرية المباشرة إلى صيغ أكثر مرونة حيث أن أي فراغ روسي كامل قد يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لمحاولة توسيع حضورها.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الأمني والعسكري نوار شعبان قباقيبو أن إعادة هيكلة القواعد الروسية لا تبدو انسحابًا روسيًا من سورية، بقدر ما تشير إلى تغيير حجم القوات وطبيعة مهامها ووضعها القانوني، مرجحًا أن تتحول حميميم إلى مركز لوجستي، مع إعادة تعريف دور طرطوس بما يتناسب مع المصالح الجديدة بين دمشق وموسكو.
ويعزز الخبير العسكري والاستراتيجي السوري العميد أحمد رحال الاتجاه نفسه، معتبرًا أن ما يجري يمثل إعادة تموضع أو إعادة هيكلة للقواعد الروسية، مشيرًا إلى أن موسكو أبقت على نقاط أساسية، بينها حميميم، وأن طبيعة النشاط العسكري في القاعدتين تعكس تفاهمات جديدة مرتبطة بتوازنات وصراعات المنطقة.
لكن إعادة التموضع الروسي لا تجري في فراغ، فسوريا تحولت إلى ساحة تنافس بين قوى متعددة، لكل منها حساباتها في شكل الدولة وترتيباتها الأمنية والسياسية.
فتركيا تتحرك لتعزيز نفوذها والاستفادة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع القوى السورية، إلا أن محاولة أنقرة ملء أي فراغ في سوريا يواجه رفضاً وضغوطًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يجعل الساحة السورية مفتوحة على صراع نفوذ جديد.
بينما تراقب واشنطن مستقبل الترتيبات الأمنية وتتعامل بحساسية مع استمرار الوجود الروسي. وتشير المعطيات إلى أن مستقبل القواعد الروسية أصبح بالفعل جزءًا من التنافس الدولي على سوريا.
أما إسرائيل، فتتعامل مع التحولات السورية من منظور أمني مباشر، خاصة في الجنوب السوري والجولان، في ظل سعيها إلى منع تشكل واقع أمني تعتبره تهديدًا لها. وبذلك لا يقتصر الصراع في سوريا الجديدة على السيطرة على الأرض، وإنما يمتد إلى تحديد من يمتلك مفاتيح التأثير في مستقبلها.
وبذلك قد لا تكون إعادة هيكلة القواعد الروسية نهاية النفوذ الروسي في سوريا، وإنما بداية نسخة مختلفة منه؛ نفوذ أقل انتشارًا، وأكثر مرونة، يعتمد على القواعد الاستراتيجية واللوجستيات والتفاهمات السياسية، في محاولة للاحتفاظ بمقعد روسي في رسم مستقبل سوريا والمنطقة.




.png)












.jpg)


.jpg)
.jpg)






