كيف سببت حروب واشنطن في أزمة كبيرة لمخازن السلاح الأوروبية؟
أكدت مجلة نيوزويك الأمريكية، أن التداعيات الأمنية للحرب الأمريكية الإيرانية لم تعد حكرًا على منطقة الشرق الأوسط، فبينما تتصاعد الاشتباكات في الخليج وتتردد تهديدات الرئيس دونالد ترامب بتمزيق اتفاق وقف إطلاق النار، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة بالغة الخطورة، بين مخازن سلاح تتآكل، وشريك أمريكي يتراجع عن التزاماته، وحرب روسية على حدودها لا تهدأ.
وتشير نيوزويك إلى إقرار عدد من المسؤولين الأوروبيين منذ سنوات بضرورة تحقيق الاستقلالية الأمنية، ورفع الإنفاق الدفاعي لتوسيع قاعدتهم الصناعية العسكرية، غير أن المحللين يُجمعون على أن هذه الجهود لم تبلغ بعد مستوى الطموح.
وبحسب ما أوردته المجلة الأمريكية، فإن الحرب الأمريكية على إيران التي اندلعت في فبراير الماضي زادت الأمر تعقيدًا، إذ حولت الطاقة الإنتاجية الأمريكية بعيدًا عن الحلفاء الأوروبيين، وقلصت الشحنات العابرة للأطلسي، في وقت تشهد فيه الحرب الروسية الأوكرانية تصعيدًا خطيرًا بضربات بعيدة المدى متبادلة باتت تقترب من حدود الحلف، وفي هذا السياق، حذر بيير هاروش، الخبير في الأمن الأوروبي والأستاذ المشارك بجامعة ليل، في تصريحات لـنيوزويك، من أن الخطر الحقيقي يكمن في الفترة الواقعة بين الآن واللحظة التي تصبح فيها أوروبا جاهزة دفاعيًا، مشيرًا إلى أن روسيا قد تنتهز هذه النافذة الزمنية التي تراجعت فيها الالتزامات الأمريكية قبل اكتمال التسليح الأوروبي.
وأضاف هاروش أن حربًا واسعة النطاق ضد روسيا ستستلزم إنتاجًا هائلًا من الطائرات المسيرة والصواريخ على غرار النموذج الأوكراني، وهو ما يستدعي استراتيجية صناعية دفاعية متماسكة على المستوى القاري، بينما تتمسك الدول الأعضاء بصلاحياتها الوطنية، كما لا يكمن الخلل الأوروبي في شح الأموال، بل في غياب التنسيق وتضارب التوجهات، وهو ما رصدته نيوزويك بوضوح. فعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تضخ المفوضية الأوروبية مئات المليارات في برامج كـ"سيف" (SAFE) و"الصندوق الأوروبي للدفاع"، غير أنها أبرمت في الوقت ذاته اتفاقية تجارية مع واشنطن تُلزم الاتحاد بشراء كميات ضخمة من الأسلحة الأمريكية، في خطوة وصفها المسؤولون الأوروبيون بأنها تُخفف التوترات مع إدارة ترامب، لكنها في المقابل تُعمق التبعية لواشنطن في الوقت الذي تتراجع فيه التزاماتها.
وفي المقابل، طالب الأمين العام للناتو مارك روته بمزيد من التكامل بين القدرات العسكرية الأوروبية والأمريكية، ما يُعمق التناقض الأوروبي بين خطاب الاستقلالية وسلوك الاعتماد، ويُضاف إلى ذلك تناقض صريح في موقف ترامب نفسه، إذ يضغط على الحلفاء لشراء المزيد من السلاح الأمريكي، ويطالبهم في الوقت عينه بتحمل عبء دفاعهم الذاتي، مما يضع أوروبا في مأزق استراتيجي حقيقي.
ما يُقلق المحللين لا يقتصر على أرقام الإنتاج، بل يمتد إلى الصورة الذهنية التي تنقلها أوروبا لخصومها. في هذا الصدد، حذرت كلوديا ماجور، نائبة الرئيس الأولى في صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، والمسؤولة السابقة في قسم الناتو بوزارة الخارجية الألمانية، في تصريحات لـنيوزويك، مما وصفته بـ"فجوة الردع"، أي الحالة التي يستشعر فيها الخصوم تباينًا بين مصالح أوروبا وقدرتها الفعلية أو إرادتها على الدفاع عنها، مؤكدةً أن "الردع لا يقوم على القدرات وحدها، بل على المصداقية أيضًا، وإذا بدا الحلف منقسمًا فإن مصداقية الناتو بأكملها ستكون على المحك."
وترى ماجور أن ترامب أفصح عن هذه الانقسامات للعلن، إذ أوحى مرارًا بأن واشنطن قد لا تُسارع لنجدة الحلفاء الأوروبيين إن هم تخلوا عنها في مواجهة إيران، وهو ما يُرسل رسالة خطيرة إلى فلاديمير بوتين، الذي راهن دائمًا على تفكك الحلف، وخلصت ماجور إلى أن روسيا قد تُغريها هذه الصورة باختبار صمود الردع الأوروبي، لا سيما إذا انسحبت الولايات المتحدة من التزاماتها بصورة مفاجئة وغير منسقة، تُجبر الأوروبيين على التحرك بأسرع مما يُطيقون.





.jpg)






