منتخب لم يرفع الكأس.. لكنه أعاد المصريين إلى المدرجات والشوارع
لم يطلق حكم مباراة مصر والأرجنتين صافرة النهاية فقط، بل أعلن نهاية واحدة من أكثر الرحلات الكروية تأثيرًا في وجدان المصريين خلال السنوات الأخيرة.
خرج منتخب مصر من دور الـ16 في كأس العالم 2026، لكن شيئًا آخر بقي داخل الشارع المصري… علاقة قديمة عادت للحياة بين الجماهير ومنتخبها الوطني، بعد سنوات من الفتور والابتعاد وفقدان الثقة.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم تكن الهزيمة هي عنوان المشهد، بل كان الامتنان هو اللغة السائدة. آلاف الرسائل الداعمة للاعبين والجهاز الفني، وتصفيق في المقاهي والشوارع، وإجماع على أن المنتخب أعاد للمصريين شعورًا افتقدوه منذ زمن.
من اللامبالاة إلى الانتماء
بعد نهاية الجيل الذهبي الذي توج بكأس الأمم الأفريقية ثلاث مرات متتالية حتى عام 2010، مرت علاقة الجماهير بالمنتخب بمراحل من التراجع. لم تعد مباريات الفراعنة توقف الحياة كما كانت تفعل، وتراجع الحماس عامًا بعد آخر، حتى أصبح كثيرون يتابعون النتائج أكثر مما يعيشون تفاصيل المباريات.
لكن كأس العالم 2026 قلب المعادلة
لم يعد المنتخب مجرد فريق يخوض بطولة، بل تحول إلى قصة يومية يعيشها المصريون في كل بيت وشارع ومقهى.
حين أصبح موعد المباراة أهم من يوم العمل
في أحياء شعبية وقرى ومدن، كان المشهد يتكرر بصورة لافتة.
عامل يغلق ورشته قبل موعد المباراة بساعات، وبائع يؤجل رزقه حتى يشاهد المنتخب، وسائق يوقف عمله، ورب أسرة يجمع أبناءه أمام شاشة صغيرة، بينما يقرر آلاف الشباب السهر حتى الرابعة فجرًا لمتابعة مباريات المنتخب، رغم ارتباطهم بأعمالهم في صباح اليوم التالي.
هذه المشاهد لم تكن مجرد متابعة لمباراة كرة قدم، بل كانت تعبيرًا عن حالة وجدانية افتقدها المصريون لسنوات.
الفقراء كانوا الأكثر حضورًا
اللافت أن الفئات البسيطة كانت الأكثر ارتباطًا بالمنتخب خلال البطولة.
في مناطق كثيرة، تكاتف الأهالي لتجهيز شاشات عرض مجانية، وتحولت الشوارع إلى “فان زون” شعبية دون رعاة أو تنظيم رسمي، فقط لأن الجميع أراد أن يشاهد منتخب مصر مع جيرانه وأصدقائه.
الأعلام المصرية امتلأت بها الشوارع، والأطفال ارتدوا قمصان المنتخب، بينما خصص أصحاب المقاهي والمحلات عروضًا خاصة في أيام المباريات، في مشهد أعاد للأذهان لحظات نادرة من الوحدة الاجتماعية.
كرة القدم صنعت حالة اجتماعية
يرى متخصصون في علم الاجتماع أن ما حدث تجاوز حدود الرياضة.
ويقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن المنتخب الوطني في اللحظات الفارقة يتحول إلى رمز جامع يتجاوز الانتماءات الاجتماعية والسياسية، موضحًا أن البطولات الكبرى تخلق شعورًا بالهوية المشتركة، وتجعل المواطنين يشعرون بأنهم ينتمون إلى قصة واحدة يعيشون تفاصيلها في الوقت نفسه.
ويضيف أن التجمعات العفوية أمام الشاشات، وحرص الأسر على مشاهدة المباريات معًا، وانتشار الأعلام في الشوارع، كلها مؤشرات على أن كرة القدم نجحت في إعادة إنتاج مساحة مشتركة بين المصريين، حتى وإن كانت مؤقتة.
لماذا التف الجمهور حول هذا المنتخب؟
من جانبه، يرى الناقد الرياضي حسن المستكاوي أن الجماهير لا ترتبط دائمًا بالنتائج، وإنما بالشعور بأن اللاعبين يقاتلون داخل الملعب.
ويؤكد أن منتخب مصر في كأس العالم قدم صورة لفريق يمتلك شخصية وروحًا، وهو ما جعل الجماهير تمنحه ثقتها حتى بعد الخروج من البطولة، لأن الأداء خلق شعورًا بأن المنتخب يمثل المصريين فعلًا.
بينما يشير الناقد الرياضي إيهاب الخطيب إلى أن حالة الالتفاف الجماهيري لم تكن وليدة الانتصارات فقط، وإنما نتيجة وجود مشروع واضح وروح جماعية أعادت الثقة المفقودة بين المنتخب وجماهيره.
الخسارة التي صنعت انتصارًا
ربما كانت المباراة أمام الأرجنتين هي أكثر لحظة كشفت حجم التغيير.
فبدلًا من الهجوم المعتاد بعد الإقصاء، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي برسائل الشكر، وخرجت الجماهير تؤكد أن المنتخب قدم بطولة تليق باسم مصر، وأن اللاعبين يستحقون الدعم لا الانتقاد.
كان ذلك مؤشرًا على أن العلاقة بين المنتخب والجماهير أصبحت أعمق من مجرد نتيجة مباراة.
المكسب الحقيقي
قد لا يحمل المنتخب كأس العالم إلى القاهرة، لكن ما حمله معه لا يقل قيمة.
أعاد للمصريين عادة الاجتماع أمام شاشة واحدة، وأعاد الأطفال إلى ارتداء قميص المنتخب بفخر، وأعاد الأعلام إلى الشرفات، وأثبت أن كرة القدم ما زالت قادرة على صناعة لحظات نادرة يتساوى فيها الجميع؛ الغني والفقير، العامل والطالب، الرجل والمرأة، والطفل وكبير السن.
وربما يكون الإنجاز الأهم الذي حققه منتخب مصر في مونديال 2026 أنه لم يربح مباريات فقط، بل ربح جمهوره من جديد… وهي مباراة قد تكون الأصعب، والأطول أثرًا.





.jpg)






