لمواجهة ضريبة الكربون الأوروبية.. أستاذ مناخ زراعي يطرح خطة وطنية لحماية الصادرات المصرية
في وقت تتسارع فيه الإجراءات الدولية لمواجهة تغير المناخ، تبرز تحديات جديدة أمام الدول النامية، ليس فقط بسبب الآثار البيئية، وإنما أيضًا نتيجة السياسات الاقتصادية المرتبطة بالمناخ، والتي قد تفرض أعباءً إضافية على صادراتها، وهو ما أقره الاتحاد الأوروبي فيما يعرف آلية ضبط حدود الكربون (CBAM).
ويكشف الدكتور بلال علي عبد الحميد علي، أستاذ المناخ المساعد بالمعمل المركزي للمناخ الزراعي بمركز البحوث الزراعية، والحاصل على شهادات الاعتماد الدولي كخبير حسابات البصمة الكربونية ومراجع ومصادق تقارير البصمة الكربونية، في دراسة بعنوان "حماية الوطن من تهديدات الصفقة الأوروبية الخضراء وآلية ضبط حدود الكربون"، عن رؤية متكاملة لمواجهة تداعيات تطبيق الاتحاد الأوروبي لآلية ضبط حدود الكربون (CBAM)، محذرًا من انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد المصري والصادرات الوطنية.
وتوصل الباحث إلى أن مصر، رغم أن مساهمتها في الانبعاثات العالمية لا تتجاوز 0.7%، بينما لا تتعدى مساهمة القارة الإفريقية مجتمعة 4%، تعد من أكثر الدول تعرضًا لتداعيات تغير المناخ، وهو ما يجعلها تتحمل آثار أزمة لم تكن سببًا رئيسيًا في حدوثها.
ويؤكد الدكتور بلال علي عبد الحميد، أن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ أرست مبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة"، والذي يحمل الدول الصناعية المسؤولية الأكبر عن خفض الانبعاثات وتقديم الدعم المالي ونقل التكنولوجيا للدول النامية، بدلًا من تحميلها أعباءً جديدة قد تؤثر على مسارات التنمية.
ويكشف الباحث أن الاتحاد الأوروبي تبنى منذ عام 2019 "الصفقة الأوروبية الخضراء" بهدف الوصول إلى الحياد المناخي بحلول عام 2050، مع خفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول عام 2030، وأن آلية ضبط حدود الكربون تعد إحدى أهم أدوات تنفيذ هذه الاستراتيجية، حيث دخلت مرحلة التطبيق الكامل اعتبارًا من يناير 2026.
وتوضح الدراسة أن الآلية تلزم الشركات المصدرة إلى الاتحاد الأوروبي بحساب البصمة الكربونية لمنتجاتها، وتقديم تقارير معتمدة تثبت حجم الانبعاثات الناتجة عن عمليات الإنتاج، مع سداد رسوم إضافية في حال تجاوز الحدود المعتمدة داخل الاتحاد الأوروبي.
ويشير الدكتور بلال علي عبد الحميد من خلال دراسته، إلى أن التطبيق الحالي يشمل ستة قطاعات رئيسية هي الحديد والصلب، والألومنيوم، والأسمنت، والأسمدة، والهيدروجين، والكهرباء، إلا أن المؤشرات تؤكد إمكانية امتداد التطبيق مستقبلًا ليشمل المنتجات الزراعية والغذائية في إطار استراتيجية الاتحاد الأوروبي "من المزرعة إلى الشوكة".
وتوصلت الدراسة إلى أن الخطر لا يقتصر على الرسوم المالية، وإنما يمتد إلى احتمالات تراجع القدرة التنافسية للصادرات المصرية، خاصة أن مصر تحتل مراكز متقدمة عالميًا في إنتاج وتصدير الأسمنت والأسمدة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الدخل القومي وحجم الصادرات.
حلول زراعية مبتكرة لتحقيق النتائج
ويقترح الباحث ثلاثة محاور رئيسية للتعامل مع هذه التحديات، يبدأ أولها بتشكيل تحالف وطني يضم وزارات الزراعة والصناعة والبيئة والاستثمار، إلى جانب الشركات المصدرة، بهدف تنفيذ مشروعات زراعية تعمل على امتصاص الكربون وتخزينه، بما يسمح باستخدام هذا الخفض لتعويض الانبعاثات الصناعية بدلًا من سداد الرسوم الكربونية للاتحاد الأوروبي.

ويؤكد الدكتور بلال علي عبد الحميد، أن الاعتماد على المشروعات الزراعية يمثل فرصة للحفاظ على القيمة الاقتصادية داخل مصر، بدلًا من توجيه مليارات الجنيهات لاستيراد تقنيات أجنبية أو دفع رسوم كربونية للخارج، مع الاستفادة من قدرة النباتات والمحاصيل على تخزين الكربون وفقًا للمعايير العلمية الدولية.
ويكشف الباحث أن المحور الثاني يقوم على تأسيس تحالف علمي وطني يضم الجامعات والمراكز البحثية والجهات المعنية لتوحيد منهجية حساب البصمة الكربونية للمنتجات الزراعية بما يتناسب مع طبيعة الزراعة المصرية، التي تختلف عن النظم الزراعية الأوروبية من حيث تعدد الزراعات السنوية وطرق الري واستخدام الأسمدة.
وتوضح الدراسة أن المواصفة الدولية ISO 14067 الخاصة بحساب البصمة الكربونية تنص على احتساب صافي الانبعاثات بعد خصم الكميات التي تمتصها النباتات من غازات الاحتباس الحراري، وهو ما يمنح مصر فرصة علمية لإثبات الدور الإيجابي للقطاع الزراعي في إزالة الكربون وتحسين تقييم المنتجات المصدرة.
ويختتم الدكتور بلال علي عبد الحميد دراسته بالدعوة إلى تحرك تفاوضي مصري يستند إلى الاتفاقيات الدولية ومبادئ العدالة المناخية، بالتوازي مع التحركين التنفيذي والعلمي، مؤكدًا أن آلية ضبط حدود الكربون لم تعد مجرد إجراء بيئي، بل أصبحت أداة اقتصادية وتجارية تستوجب استعدادًا وطنيًا سريعًا لحماية الصادرات المصرية وتحويل التحديات المناخية إلى فرص تدعم التنمية المستدامة.
















.jpg)






