من عودة الحرب إلى اتفاق السلام: واشنطن وطهران تقتربان من تسوية تاريخية
تتسارع المؤشرات السياسية والدبلوماسية باتجاه ما قد يشكل أحد أهم التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد التصريحات الصادرة عن واشنطن وطهران والوسطاء الإقليميين والدوليين بشأن اقتراب التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران منذ فبراير الماضي.
فبعد أشهر من التصعيد العسكري والضربات المتبادلة والتهديدات التي دفعت المنطقة إلى حافة انفجار واسع، بات الحديث يدور اليوم حول الصيغة النهائية لاتفاق سلام يجري العمل على استكماله، وسط أجواء من التفاؤل الحذر يقابلها استمرار بعض الخلافات المتعلقة بالتفاصيل النهائية وآليات التنفيذ.
ويبدو أن مسار المفاوضات الذي انطلق بعد الهدنة المعلنة في أبريل الماضي نجح في تجاوز العديد من العقبات التي كانت تعرقل الوصول إلى تفاهم شامل، ما دفع أطرافاً رئيسية مشاركة في الوساطة إلى الحديث عن اقتراب لحظة التوقيع أكثر من أي وقت مضى.
إدارة ترامب تدافع
في خضم الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة حول الاتفاق المرتقب، خرج نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس للدفاع عن توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب، مؤكداً أن أي اتفاق نهائي مع إيران سيكون في مصلحة الولايات المتحدة ولن يمثل تنازلاً مجانياً لطهران كما يروج بعض المعارضين.
وأوضح فانس أن الكثير مما تم تسريبه بشأن بنود الاتفاق لا يعكس حقيقة ما يجري التفاوض عليه، مشيراً إلى أن واشنطن لن تقدم مساعدات مالية مباشرة لإيران، ولن تفرج عن أموالها خلال المرحلة الحالية، وأن أي مكاسب اقتصادية محتملة ستكون مرتبطة بمدى التزام طهران ببنود الاتفاق.
وتعكس تصريحات نائب الرئيس الأمريكي إدراك الإدارة الأمريكية لحجم المعارضة الداخلية التي تواجهها، خاصة من قبل دوائر سياسية وإعلامية كانت تدفع باتجاه استمرار سياسة الضغط العسكري والاقتصادي على إيران بدلاً من الانتقال إلى مسار التسوية السياسية.
كما تكشف هذه التصريحات أن البيت الأبيض يسعى إلى تسويق الاتفاق باعتباره إنجازاً استراتيجياً يحقق المصالح الأمريكية ويحافظ على نفوذ واشنطن في المنطقة دون الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة.
طهران تتمسك بالحذر
ورغم التصريحات الأمريكية المتفائلة، فإن الموقف الإيراني ما زال يتسم بالحذر الشديد، حيث ترفض طهران الإعلان عن اتفاق نهائي قبل الانتهاء من جميع التفاصيل المرتبطة بالنصوص وآليات التنفيذ والضمانات السياسية.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الحديث عن التوصل إلى اتفاق نهائي لا يزال سابقاً لأوانه، معتبراً أن ما يتم تداوله في هذا السياق لا يتجاوز حدود التكهنات السياسية والإعلامية.
لكنه أقر في الوقت ذاته بأن الجزء الأكبر من نص الاتفاق قد تم إنجازه بالفعل، مشيراً إلى أن العقبة الأساسية تتمثل في استمرار التغييرات الأمريكية المتكررة في بعض المواقف والتفاصيل التفاوضية.
ويعكس هذا الموقف الإيراني محاولة واضحة للحفاظ على أوراق القوة التفاوضية حتى اللحظات الأخيرة، خصوصاً بعد أشهر من المواجهة التي تمكنت خلالها طهران من الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية الأمريكية والإسرائيلية.
باكستان في قلب التسوية
برزت باكستان خلال الأشهر الماضية كأحد أهم اللاعبين في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، حيث تحولت إسلام آباد إلى منصة رئيسية لإدارة الاتصالات والحوارات غير المباشرة بين الطرفين.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن بلاده تعمل بشكل مكثف مع الجانبين لاستكمال الخطوات النهائية للاتفاق، مشيراً إلى أن فرص التوصل إلى سلام أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
وكشف شريف أن النص النهائي المتفق عليه قد تم التوصل إليه بالفعل، وأن الجهود الحالية تتركز على استكمال الترتيبات السياسية والفنية المرتبطة بالإعلان الرسمي وآليات التنفيذ.
وتحمل هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تصدر عن الدولة الراعية للمفاوضات، ما يعزز الانطباع بأن العملية التفاوضية تجاوزت مرحلة النقاشات العامة وانتقلت إلى مرحلة الإجراءات النهائية.
كما تعكس الدور المتنامي الذي تلعبه باكستان في إدارة ملفات إقليمية معقدة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف المعنية بالصراع.
تراجع منطق الحرب
ما يجعل التطورات الحالية ذات أهمية استثنائية أن الحديث عن الاتفاق يأتي بعد أسابيع قليلة فقط من تبادل التهديدات العسكرية المباشرة بين الطرفين، ووسط توقعات كانت تشير إلى احتمال توسع الحرب لتشمل ساحات إقليمية متعددة.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقل خلال ساعات من التهديد بتوجيه ضربات واسعة ضد إيران إلى إعلان إلغاء هجمات كانت مقررة، مبرراً ذلك بالتقدم الكبير الذي تحقق في مسار التفاهمات السياسية.
ويكشف هذا التحول أن الخيار العسكري لم يعد قادراً على تحقيق الأهداف التي سعت إليها واشنطن وتل أبيب عند بداية الحرب، وأن كلفة استمرار المواجهة باتت أعلى من المكاسب المحتملة.
كما يعكس نجاح إيران في الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية وفرض معادلات ردع جديدة دفعت الأطراف المختلفة إلى إعادة تقييم خياراتها والبحث عن مخرج سياسي للأزمة.
شرق أوسط جديد
إذا ما تم التوصل إلى الاتفاق النهائي خلال الأيام المقبلة، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن تلك التي سادت خلال الأشهر الماضية.
فالتفاهم المرتقب لا يقتصر على إنهاء الحرب فحسب، بل يحمل في طياته ترتيبات سياسية وأمنية يمكن أن تؤثر على مستقبل التوازنات الإقليمية والعلاقات بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، يكشف المسار الحالي حدود القوة العسكرية في فرض التحولات الجيوسياسية، ويؤكد أن الحروب مهما بلغت حدتها تنتهي في كثير من الأحيان إلى طاولة المفاوضات.
وبين التصريحات الأمريكية المتفائلة، والحذر الإيراني المستمر، والجهود الباكستانية المتواصلة، تبدو المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى تسوية قد تنهي واحدة من أخطر المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى والتحالفات الإقليمية.
















.jpg)






