أكاديمي فلسطيني: البطالة تحاصر الشباب وتحوّل حق العمل إلى معركة يومية من أجل المستقبل
قال الأكاديمي والباحث السياسي الفلسطيني الدكتور أسعد العويوي إن أزمة البطالة في فلسطين لم تعد مجرد قضية اقتصادية تُقاس بالمؤشرات والإحصاءات الرسمية، بل تحولت إلى واقع يومي يفرض نفسه على حياة آلاف الشباب الذين يصطدمون بصعوبات كبيرة في الحصول على فرص عمل بعد سنوات طويلة من التعليم والدراسة.
وأوضح العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، أن الشهادة الجامعية التي يفترض أن تمثل بوابة نحو الاستقرار المهني والاجتماعي أصبحت في كثير من الحالات بداية لمرحلة جديدة من البحث الطويل عن فرصة عمل، في ظل أوضاع اقتصادية وسياسية معقدة تحد من قدرة السوق الفلسطينية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.
وأشار إلى أن الشباب الفلسطيني يحمل الطموحات نفسها التي يحملها أي شاب في العالم، من الحصول على وظيفة مستقرة وتأسيس أسرة وبناء مستقبل آمن، إلا أن هذه التطلعات كثيراً ما تصطدم بواقع يفتقر إلى الفرص الكافية ويجعل تحقيق هذه الأهداف أكثر صعوبة.
الاحتلال والاقتصاد
وأكد الباحث الفلسطيني أن أزمة البطالة لا يمكن فصلها عن الظروف السياسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي وما يفرضه من قيود على الحركة والتنقل والاستثمار والتنمية الاقتصادية.
وأضاف أن الاقتصاد الفلسطيني يعمل في بيئة استثنائية تختلف عن الاقتصادات الطبيعية، حيث تؤثر الإجراءات الإسرائيلية بشكل مباشر على قدرة القطاعات الاقتصادية على النمو والتوسع وخلق فرص عمل جديدة.
وبيّن أن هذه القيود تنعكس بصورة مباشرة على فئة الشباب، التي تتحمل العبء الأكبر من تراجع الاستثمارات ومحدودية المشاريع الإنتاجية وضعف فرص التشغيل، الأمر الذي يضع الخريجين أمام تحديات مركبة تجمع بين ضيق سوق العمل وتعقيدات الواقع السياسي.
ورأى العويوي أن استمرار هذه الظروف يحد من قدرة المجتمع الفلسطيني على الاستفادة من طاقات شبابه وكفاءاتهم العلمية، رغم ما يمتلكونه من قدرات ومؤهلات يمكن أن تسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تداعيات اجتماعية
ولفت العويوي إلى أن آثار البطالة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية عميقة تؤثر على الأفراد والمجتمع على حد سواء.
وأوضح أن عجز الشباب عن العثور على فرص عمل بعد سنوات من الدراسة قد يولد مشاعر الإحباط وفقدان الثقة بالنفس، كما يؤثر على قدرتهم على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالاستقلال الاقتصادي أو الزواج أو استكمال التعليم.
وأضاف أن تراكم هذه الضغوط في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية المتواصلة يجعل البطالة قضية تمس حاضر الشباب الفلسطيني ومستقبل المجتمع بأكمله، باعتبارها تحدياً يرتبط بالتنمية والاستقرار الاجتماعي وليس فقط بمستوى الدخل وفرص العمل.
وأشار إلى أن استمرار هذه الأزمة لفترات طويلة قد يؤدي إلى خسارة المجتمع لجزء مهم من طاقاته البشرية، خصوصاً في ظل تزايد أعداد الخريجين ودخول أعداد جديدة من الشباب إلى سوق العمل سنوياً.
إرادة تتحدى الواقع
ورغم صعوبة المشهد، أكد العويوي أن التجربة الفلسطينية أظهرت قدرة لافتة لدى الشباب على التكيف مع التحديات والبحث عن بدائل جديدة خارج الأطر التقليدية للتوظيف.
وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت توسعاً في المشاريع الريادية الصغيرة، وازدياداً في الاعتماد على العمل الحر عبر الإنترنت، إلى جانب ظهور مبادرات شبابية تسعى إلى تحويل المهارات الفردية إلى فرص اقتصادية وإنتاجية.
وأضاف أن هذه التجارب لا تعني انتهاء الأزمة أو تراجع آثارها، لكنها تعكس إصراراً واضحاً لدى الشباب الفلسطيني على مواجهة الواقع وعدم الاستسلام له، من خلال البحث عن مسارات جديدة تتيح لهم تحقيق جزء من طموحاتهم رغم الظروف الصعبة.
وأشار إلى أن هذه المبادرات تؤكد امتلاك الشباب الفلسطيني قدرات كبيرة على الابتكار والإبداع متى توفرت لهم البيئة المناسبة والدعم الكافي.
حق في الحلم
واعتبر الباحث الفلسطيني أن القضية تتجاوز مفهوم البطالة بمعناه التقليدي، لتتحول إلى صراع يومي يخوضه الشباب للحفاظ على حقهم في الحلم وبناء مستقبلهم.
وقال إن تحويل أبسط الحقوق الاقتصادية إلى تحديات معقدة يجعل من النجاح الشخصي والمهني شكلاً من أشكال الصمود في مواجهة الظروف الاستثنائية التي يعيشها الفلسطينيون.
وأضاف أن قدرة الشباب على الاستمرار والإبداع رغم القيود المفروضة عليهم تعكس قوة هذا الجيل وإصراره على بناء مستقبله والمساهمة في تطوير مجتمعه، حتى في ظل بيئة تعاني من محدودية الموارد وتراجع الفرص.
فرصة لبناء الوطن
وشدد العويوي على أن الشباب الفلسطيني لا يعاني من نقص في الطموح أو الكفاءة أو القدرة على الإنجاز، بل يواجه أزمة تتعلق بغياب الفرص العادلة التي تمكنه من تحويل إمكاناته إلى إنجازات حقيقية.
وأوضح أن الاستثمار في الشباب وتوفير بيئة اقتصادية وتنموية أكثر استقراراً لا يمثلان فقط استجابة لاحتياجات فردية، بل يشكلان ضرورة وطنية ترتبط بمستقبل المجتمع الفلسطيني وقدرته على التطور والصمود.
وختم العويوي بالتأكيد على أن الشباب الفلسطيني لا يطالب بالمستحيل، وإنما بحقه الطبيعي في العمل والحياة الكريمة، معتبراً أن تمكين هذه الفئة ومنحها الفرص اللازمة لا يساهم فقط في بناء مستقبل الأفراد، بل في بناء مستقبل فلسطين بأكملها وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية المتواصلة.

















.jpg)






