خلال ملتقى الجامع الأزهر للقضايا المعاصرة:الدكتور عباس شومان: إعمال العقل في الثابت شرعًا منهج خاطئ لا ينبغي أن يتطرق له مسلم، لأن الثابت قائم على نصوص واضحة
عقد الجامع الأزهر اليوم الثلاثاء، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: "شبهات مخالفة حول الحج.. رؤية إسلامية"، وذلك بحضور كل من؛ فضيلة أ.د عباس شومان، أمين عام هيئة كبار العلماء ورئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وأ.د محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة بحقوق القاهرة والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وأدار الملتقى، دكتور فوزي عبد للمقصود، الإعلامي بإذاعة القرآن الكريم
في بداية الملتقى قال فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان إن المؤمن من شأنه أن يستسلم لأمر الله تعالى، وأن ينسجم مع ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ما أجمعت عليه الأمة عبر علمائها، فلا ينبغي إثارة الشبهات حول الثوابت، مبينا إنه يمكن للإنسان أن يعمل عقله في إطار منضبط لا يؤدي إلى إثارة الشكوك أو زعزعة اليقين، وفي هذه الحالة يكون إعمال العقل أمر محمود إذا كان بقصد الفهم والتدبر، لا بقصد الاعتراض أو التشكيك، فالعقل في الإسلام أداة للفهم لا للهدم، ووسيلة للتأمل في الحكمة الإلهية لا لمعارضتها، كما أن التوازن بين النقل والعقل يحقق للإنسان طمأنينة فكرية وروحية، ويجنبه الوقوع في مسارات الشك غير المنضبط.
وأوضح الأمين العام لهيئة كبار العلماء أن ما يثار من شبهات حول أعمال الحج، بزعم أنها مجرد حركات شكلية، هو فهم قاصر يطلق العنان للعقل دون ضوابط؛ إذ إن الشرع الحنيف، من خلال هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قد بين هذه العبادات ووضح مقاصدها، ووضع لنا قاعدة مهمة ينبغي فهمها، وهي أن الشرع هو الحاكم للعقل وليس العكس، لكنه في الوقت ذاته منح العقل مساحة للتفكير والتدبر، فجاءت الأحكام الشرعية معللة في كثير من مواضعها، رحمة بالعقل من عناء البحث المستمر، لذلك فإن المؤمن ينفذ الأحكام انطلاقا من قوله تعالى: "وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" ولو تأملنا مثلا مسألة التيمم عند عدم وجود الماء، فقد تبدو غير متوافقة مع القياس العقلي الظاهر، لكننا نلتزم بها تعبدا وانصياعا لأمر الله، وفي هذا تدريب للنفس على التسليم والثقة في الحكمة الإلهية، كما أنه يرسخ معنى العبودية الحقة.
وأضاف فضيلة الدكتور عباس شومان إن إعمال العقل في الثابت شرعا منهج خاطئ لا ينبغي أن يتطرق إلى نفس مسلمة، لأن الثابت قائم على نصوص واضحة، مما يوجب الالتزام به دون إفراط في التأويل أو إطلاق العنان للعقل، مشيرا إلى إنه يجب التفريق بين من يبحث عن الحكمة ليزداد يقينا وهذا هو منهج علماء الأمة المعتبرين، وبين من يعمل عقله بقصد زعزعة الناس وتشكيكهم في ثوابت دينهم؛ فالأول يصل إلى قناعة أعمق، أما الثاني فيسلك طريق الهوى.
وأشار فضيلة الدكتور عباس شومان إلى الشبهة المثارة حول التكلفة المالية للحج، والدعوة إلى توجيه هذه الأموال لوجوه أخرى، مبينا أن هذا الطرح يغفل أن الحج تكليف إلهي، كبقية التكاليف الإخرى كالصلاة والصوم والزكاة، والتكاليف في أصلها عبادة للمولى سبحانه وتعالى، يجب الالتزام بها، كما أن ما يثار من شبهات حول مشقة الحج، هو أمر عبثي، لأن المشقة في العبادات، هي مشقة محتملة، أي في حدود قدرة الإنسان، فالحج فيه مشقة لكنها مقدورة، وإثارة الشبهات حول هذه المشقة، أمر مناقض للشرع ومقاصده، خاصة أن الثواب المترتب على الحج عظيم، قال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "مَن حَجَّ للَّهِ فلَم يَرفُثْ، ولَم يَفسُقْ، رَجَعَ كَيَومَ ولَدَتْه أُمُّه"، أفلا يستحق هذا الأجر العظيم أن يتحمل الإنسان بعض المشقة في سبيله؟.
من جانبه قال الدكتور محمد نجيب إننا أصبحنا في زمن تنتشر فيه الكثير من الشبهات حول ثوابت الدين، خاصة من بعض التيارات الحداثية التي لا تؤمن إلا بما تدركه الأبصار، وهو في حقيقته قصور في التفكير؛ لأن الثوابت الدينية من المسلمات التي جاء بها الشرع الحنيف، فينبغي التسليم لأوامر الله سبحانه وتعالى، وقد كرم الله الإنسان بالعقل ومنحه درجات التفكير، ليبحث عن العلة والحكمة ويزداد يقينا، لا ليجعل من عقله أداة للتشكيك في ثوابت الدين، ولذلك أشار الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز إلى أن هناك أمورا يستأثر الله بعلمها، ويدركها الراسخون في العلم في إطار التسليم والفهم الرشيد، قال تعالى"وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ".
وحذر الدكتور محمد نجيب من الأفكار التي تحاول التشكيك في ثوابت الدين بدعوى التحرر من القيود، مشيرا إلى أن الحج لم يكن العبادة الوحيدة حاول اصحاب هذه الأفكار النيل منها، بل امتدت أفكارهم إلى كثير من أركان الدين وشعائره، ومن بين ما أُثير حول الحج مسألة الميقات الزماني والمكاني، حيث طرح بعض الحداثيين تصورات تدعو إلى تغيير يوم عرفة بحجة التخفيف عن الناس وتقليل الزحام، واقترحوا جعله يوما آخر ضمن أشهر الحج، وهذا التصور غير صحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى حدد هذا اليوم تحديدا واضحا، وهي أمور توقيفية لا مجال للاجتهاد في تغييرها أو العبث بها، كما أن انتظام الشعائر في زمان ومكان محددين يحقق وحدة الأمة ويجسد معاني الانضباط والاتباع، وهو مقصد شرعي لا ينبغي إغفاله.
وأضاف الدكتور محمد نجيب أن ماء زمزم من دلائل إعجاز المولى سبحانه وتعالى، حين تفجر الماء تحت قدمي سيدنا إسماعيل عليه السلام، وظل هذا الماء يتدفق منذ آلاف السنين رغم وقوعه في بيئة صحراوية قاحلة، ورغم صغر حجم البئر، لكن الماء مازال يتدفق منه منذ آلاف السنين وهو ما يعجز العقل المجرد عن تفسيره تفسيرا ماديا، مما يدل على أن له مصدرا ربانيا، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل هذا الماء وبركته بقوله: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم"، وهو ما يعزز يقين المؤمن بقدرة الله وعظيم فضله، لذا فالالتزام بهذه الشعائر ليس مجرد طقوس، بل هو ارتباط عميق بالإيمان ومعانيه










.jpg)
