محافظ القاهرة يفتح ملف إنقاذ حرفة الزجاج من الاندثار
زار الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، ورشة حسن هدهد، أحد أبرز وأشهر الحرفيين في هذا المجال، والذي يُلقب بـ“شيخ القزازين”، باعتباره آخر صنايعية المهنة الحاملين لأسرار هذه الصناعة في مصر.
تحرك رسمي لإنقاذ المهنة
وأكد محافظ القاهرة خلال اللقاء أنه سيتم دراسة إنشاء مدرسة متخصصة لتعليم صناعة الزجاج، تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، بهدف نقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة قبل اندثارها، وذلك استجابةً لطلب حسن هدهد.
رحلة عمر داخل أفران الزجاج
ويعمل حسن هدهد في هذه المهنة منذ أكثر من 55 عامًا، حيث بدأ تعلمها في سن مبكرة للغاية داخل ورشة عائلية توارثتها الأجيال، ويُعد أحد خبراء ترميم واستعواض الزخارف الزجاجية في المناطق الأثرية.
وينتمي هدهد إلى عائلة عُرفت تاريخيًا بـ“القزازين”، حيث انتقلت الحرفة من الجد إلى الأب ثم إليه، ليصبح أحد أبرز حراس هذا الفن في مصر.
من الملاكمة إلى نار الأفران
لم تكن حياة هدهد مقتصرة على الحرفة فقط، فقد مارس في شبابه رياضة الملاكمة في الساحات الشعبية، وهو ما انعكس على شخصيته وقدرته على تحمل ضغط العمل داخل الورشة.
إلهام فني يصل إلى السينما
وقد جذبت شخصيته وصناعته اهتمام الوسط الفني، حيث استُوحي جزء من قصته في أعمال درامية وسينمائية، أبرزها فيلم “كابوريا” الذي جسد بطولته الفنان الراحل أحمد زكي، بعد جلسات تحضير مع هدهد نفسه.
تقدير دولي لحارس التراث
ويحظى حسن هدهد بتقدير دولي، حيث تمت دعوته من مؤسسات ثقافية أوروبية، وشارك في ورش عمل بالخارج، كما حظي بتكريم من جهات ثقافية دولية مرتبطة بالتراث.
حلم مدرسة ينقذ المهنة
يمثل حسن هدهد نموذجًا فريدًا للحرفي المصري العاشق لمهنته، والمقاتل من أجل استمرار وجودها. فرغم استكمال أبنائه لدراستهم، حرص على نقل خبراته إليهم، وأصبح حلم حياته إنشاء مدرسة تُعلم جيلًا جديدًا يحافظ على هذه المهنة التراثية من الاندثار.
حرفة تضرب بجذورها في التاريخ
وتُعد صناعة الزجاج المنفوخ أحد أقدم التقنيات الحرفية التي ابتكرها الإنسان، حيث تجمع بين العلم والفن في آنٍ واحد، وتعود أصول هذه التقنية إلى الحضارات القديمة، وقد وُجدت آثارها في مقابر تل العمارنة.
كما تُعد حرفة القزازين من أقدم الحرف التي عرفتها مصر، حيث تعتمد على مهارات دقيقة في تشكيل الزجاج باستخدام النار والهواء والأدوات اليدوية، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر الحرف تعقيدًا وتفردًا.
“اللعب بالنار”.. سر الصنعة
ويصف الحرفيون أنفسهم بأنهم “يلعبون بالنار”، وهو وصف دقيق لحرفة تتطلب العمل أمام أفران تصل حرارتها إلى نحو 1200–1500 درجة مئوية، لساعات طويلة قد تمتد لأكثر من 12 ساعة يوميًا.
وتعتمد صناعة الزجاج اليدوي على خطوات دقيقة، تشمل جمع الزجاج المكسور وإعادة تدويره، وصهره داخل فرن خاص، وسحبه على أنبوب معدني، ثم نفخه وتشكيله تدريجيًا، وإضافة الألوان باستخدام أكاسيد معدنية، وتبريده داخل أفران مخصصة لمنع الكسر.
ويكمن “سر الصنعة”، كما يشير الحرفيون، في التحكم في الحرارة والأكاسيد وسرعة التشكيل.
علم وفن في آن واحد
وتعتمد تقنية نفخ الزجاج على مبدأ التمدد الحراري للغازات، حيث يقوم الحرفي بنفخ الهواء داخل كتلة من الزجاج المنصهر باستخدام أنبوب معدني مجوف، فيتمدد الهواء داخل الكتلة اللزجة لتتشكل فجوة داخلية، ويأخذ الزجاج الشكل المطلوب تدريجيًا.
ويتم التحكم في الشكل من خلال سرعة النفخ، ودرجة حرارة الزجاج، والدوران المستمر للأنبوب، واستخدام أدوات تشكيل خارجية تعتمد على مهارة الصنايعي.
منتج فني بملامح تراثية
يمتاز الزجاج المنفوخ بالشفافية، وقابلية التلوين، والقدرة على التشكيل الحر، وإنتاج أشكال فنية فريدة غير متماثلة، كما يمكن استخدامه في الأدوات المنزلية، ووحدات الإضاءة، والتحف الفنية، والزخارف المعمارية.
واليوم، لا يقتصر الزجاج المنفوخ على كونه منتجًا وظيفيًا، بل يُعد عنصرًا مهمًا من عناصر التراث الثقافي غير المادي، لما يحمله من مهارات تقليدية متوارثة عبر الأجيال.
تحديات تهدد البقاء
ورغم قيمته العلمية والتراثية، يواجه هذا الفن عدة تحديات، من بينها ارتفاع تكلفة الطاقة المستخدمة في الأفران، وزيادة أسعار المواد الخام، وتراجع الإقبال مقارنة بالمنتجات الصناعية، إلى جانب عزوف الأجيال الجديدة عن تعلم الحرفة.





















.jpg)

