حصار إيران واختبار الصمود.. معركة الإرادة بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز
يدخل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار بحري على حركة السفن من وإلى إيران عبر مضيق هرمز، في خطوة تفتح اختبارًا حاسمًا: من الطرف القادر على تحمّل الكلفة الاقتصادية والسياسية الأكبر؟
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" فإن هذا التحول لا يشبه ما سبق من مراحل الحرب؛ فبدلًا من الضربات العسكرية المباشرة التي استهدفت مواقع ومنشآت دفاعية، تسعى واشنطن الآن إلى خنق شريان الاقتصاد الإيراني، عبر استهداف صادرات النفط التي تمثل أكثر من نصف صادرات البلاد والمصدر شبه الوحيد لإيرادات الحكومة.
الهدف الأول من هذه الاستراتيجية، وفق مسؤولين أمريكيين، هو إجبار طهران على القبول بالشروط التي طرحتها واشنطن خلال محادثات السلام، والتي تضمنت التخلي الكامل عن مخزون اليورانيوم، وتفكيك البنية التحتية للبرنامج النووي، والتنازل عن أي دور في تنظيم الملاحة داخل المضيق. غير أن إيران رفضت هذه الشروط مرارًا، سواء في مفاوضات جنيف أو في المحادثات التي جرت في إسلام آباد.
وفي حال فشل هذا الضغط، يعوّل ترامب على سيناريو آخر يتمثل في اندلاع احتجاجات داخلية قد تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، وهو رهان لا يبدو تحقيقه سهلًا في ظل تعقيدات المشهد الداخلي.
في المقابل، تبدو استراتيجية طهران مختلفة، إذ تراهن على نقل المواجهة إلى الأسواق العالمية. فبعد إدراكها محدودية قدرتها العسكرية مقارنة بالولايات المتحدة، تسعى إيران إلى استغلال تأثيرها في سوق الطاقة، مستفيدة من قدرتها على التأثير في أسعار النفط وإرباك الاقتصاد العالمي.
وتدرك القيادة الإيرانية أن استمرار منع صادراتها النفطية قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث تتوقع بعض الشركات وصول سعر البرميل إلى 175 دولارًا. مثل هذا الارتفاع قد ينعكس سلبًا على الداخل الأمريكي، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، وهو ما تعوّل عليه طهران في الضغط على الإدارة الأمريكية.
وفي هذا السياق، حذر مسؤولون إيرانيون من أن المستهلك الأمريكي قد يترحم قريبًا على أسعار الوقود الحالية، في إشارة إلى تداعيات التصعيد على تكلفة المعيشة.
ورغم بدء تنفيذ الحصار، لم تُظهر الأسواق حتى الآن حالة من الذعر، إذ ارتفعت أسعار النفط بنحو 6% لتتجاوز 100 دولار للبرميل، لكنها لا تزال أقل من مستويات سابقة. في المقابل، خفّف ترامب من توقعاته بشأن انخفاض أسعار الوقود، مشيرًا إلى أنها قد تبقى مستقرة أو ترتفع قليلًا خلال الفترة المقبلة، وهو ما يثير قلقًا داخل الأوساط السياسية الأمريكية.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مغامرة غير محسوبة بالكامل، تشبه إلى حد ما الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا خلال أزمة الصواريخ عام 1962، حين كان العالم يترقب ما إذا كان الاتحاد السوفيتي سيصعّد أم يتراجع، وهو ما انتهى حينها بالانسحاب.
اليوم، يتكرر المشهد مع اختلاف الأطراف، حيث يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت القيادة الإيرانية ستتجه نحو التهدئة أو التصعيد، خاصة في ظل محدودية قدراتها البحرية مقارنة بالقوة الأمريكية.
وفي محاولة لتعزيز فعالية الحصار، يدعو بعض الخبراء إلى دمجه بتحرك دبلوماسي يستهدف دولًا كبرى مثل الصين والهند وتركيا وباكستان، وهي من أبرز مستوردي النفط الإيراني، للضغط على طهران للقبول بالشروط الأمريكية. إلا أن استجابة هذه الدول تظل غير مضمونة، خصوصًا إذا رأت في الأزمة فرصة لتحقيق مكاسب استراتيجية.
في المقابل، لا يُستبعد أن تلجأ إيران إلى تصعيد إقليمي عبر استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، مثل الإمارات والكويت وربما السعودية، في رسالة مفادها أن تعطيل صادراتها سيقابله تعطيل لصادرات الآخرين.
كما يحيط الغموض بتفاصيل الحصار نفسه، إذ تشير التوضيحات الأمريكية إلى أنه يستهدف فقط السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو القادمة منها، بينما يُسمح لبقية السفن بالمرور، وإن كان ذلك ينطوي على مخاطر أمنية.
تاريخيًا، شهد مضيق هرمز أزمات مشابهة، من السيطرة البرتغالية قبل قرون إلى التوترات خلال الحرب العراقية الإيرانية، لكن أيًا من تلك السوابق لا يقدم نموذجًا مطابقًا للوضع الحالي المعقد.
في المحصلة، قد ينجح هذا الحصار في فرض ضغوط كبيرة على إيران ودفعها إلى التراجع، ما يمنح واشنطن تفوقًا استراتيجيًا. لكن في حال طال أمده، فقد يتحول إلى عبء على الإدارة الأمريكية نفسها، خاصة إذا استمرت تداعياته الاقتصادية عالميًا.
وبين هذا وذاك، تبدو الحقيقة الأبرز أن الحرب التي كان يُعتقد أنها قصيرة، تدخل مرحلة أكثر صعوبة، ليس فقط على طرفيها، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.





















.jpg)

