أسامة شرشر يكتب: صراع الإرادات.. ترامب أسير نتنياهو ضد إيران
العالم على حافة الانفجار والخراب بسبب صراع الإرادات بين ترامب الذي يعتبر نفسه أقوى رئيس في العالم وبين إيران التى تعتبر الحرب محاولة للنيل من كرامتها وتاريخها وإرادتها السياسية.
فترامب يعيش حالة من النرجسية متصورًا أنه يتحكم في مصير كل العالم ويجب أن يتم تنفيذ إرادته على إيران وأن تقوم بالإذعان والخضوع والاستسلام غير المشروط له وفتح مضيق هرمز وإعلان الانصياع الكامل للإرادة الأمريكية التى لا يجب على الإطلاق مسها أو الاقتراب منها أو تحديها.. فهذا الرجل يعيش حالة نفسية غريبة الشكل قد تؤدي إلى دمار العالم واشتعال حرب عالمية قد تُستخدم فيها في لحظة جنون رؤوس نووية تكتيكية، وهذا لن يؤدي لمجرد ارتفاع في الأسعار، بل إلى كارثة اقتصادية عالمية، خاصة إذا ردت إيران بإغلاق مضيق هرمز، واستخدمت الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب.
وعلى الجانب الآخر تجد إيران نفسها أمام تحدٍّ لتاريخها وحضارتها الفارسية الممتدة لآلاف السنين، وتعتبر أن الاستسلام لترامب هو نهاية لما تعتبره إمبراطورية فارسية ممتدة حتى الآن، فهي في سبيل تحقيق إرادتها وتحدى ترامب، تهدد بنسف إسرائيل وضرب كل القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية الأمريكية في دول الخليج العربي.
نحن أمام سيناريو كارثي، هو أقرب لسيناريو الدمار والخراب، بعد فشل محاولات إحلال السلام التى قامت بها مصر وتركيا وباكستان والسعودية، وانتهاء المهلة التى حددها ترامب بدون الوصول لمهلة جديدة أو وقف الحرب تمامًا، ما سيفتح باب التصعيد العسكري أكثر مما جرى خلال الأسابيع الماضية، لأن هذه المرة مع إحساس ترامب بالنشوة بعد استعادة الطيار المفقود في عملية يقول إنها أخطر عملية في التاريخ ولم يحدث مثلها من قبل، إذا قام بتنفيذ تهديداته بإعادة إيران للعصر الحجري كما يقول بضرب ونسف كل المنشآت البترولية وخطوط الكهرباء والمياه، أو قام بعمل إنزال بري في الأراضي الإيرانية، فسيترتب على ذلك رد فعل إيراني مماثل يتم فيه تفجير المنطقة بأسرها، ولا أحد يتصور أو يتخيل المشهد وقتها، خاصة مع دخول أذرع إيران للمعركة.
فحزب الله اللبناني- رغم تحفظنا على دخوله الحرب منذ البداية وجر ويلاتها إلى الشعب اللبناني الشقيق والجنوب اللبناني المقاوم- أثبتت الأحداث أنه استعاد جزءًا كبيرًا من قوته وقاوم مقاومة بطولية وأحدث في الجيش الإسرائيلي إصابات لم تحدث من قبل للكيان الصهيوني خاصة الجنوب اللبناني أو في بلدات شمال إسرائيل، حتى أصبحت الجبهة اللبنانية هي الأكثر اشتعالًا ودمارًا.
ناهيك عن دخول الحوثيين للصورة، فإذا توسعت الحرب أكثر من ذلك، فإن مضيق باب المندب سينضم لمضيق هرمز، وستتوقف حركة التجارة العالمية وحركة شحن السفن، الأمر الذي سيكون كارثة أخرى ستحدث شللًا تامًّا في أهم ممر بحري تعبر من خلاله 12% من تجارة العالم الراكدة أصلًا، وهو ما سينعكس بالسلب على موارد قناة السويس في مصر، وخطوط الإمداد البترولية السعودية عبر البحر الأحمر.
فضلًا عن دخول العراق على خط المواجهة من خلال الحشد الشعبي والفصائل المستقلة عن الحكومة العراقية والتى تستهدف كل المصالح الأمريكية داخل العراق.
لا أتصور ولا أحد يتخيل ما هو الجديد في هذه الحرب الشاملة إذا توسعت أكثر من ذلك، فلا أحد يمكن أن يتوقع نتائجها أو انعكاساتها الاقتصادية على أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية والبورصات الدولية.
الشعب الأمريكي رأى صورة مصغرة من تأثير الحرب على اقتصاده وحياته اليومية فرفض الحرب منذ البداية، ولكن رئيسه مستمر في إشعالها، فهل أصبحت أمريكا دمية تحركها إسرائيل كيفما شاءت؟ وهل أصبح ترامب أسيرًا لأطماع نتنياهو اليمينية المتطرفة الذي ورط رئيس أمريكا في الوحل الإيراني الذي يقود العالم للدمار والخراب والانفجار الاقتصادي في الطاقة والمواد الغذائية وسلاسل الإنتاج.. ومن ستنتصر إرادته في النهاية؟
الأخطر هو ما يتردد في بعض وسائل الإعلام الأمريكية من أنها حرب عقائدية ودينية وهو الادعاء الذي روج له في البداية نتنياهو الذي يلعب بورقة التوراة والدين، ويزعم أن الله يبارك هذه الحرب لمواجهة المد الإسلامي الشيعي في المنطقة، لدرجة أنه بدأ يلعب بورقة المسجد الأقصى وقبة الصخرة وأغلق المسجد أمام المصلين، بحجة الحرب، رغم أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تؤكد أن الإغلاق هدفه السماح للمتطرفين باستغلال الحرب وإعادة بناء هيكل سليمان المزعوم، والحقيقة التى لا مفر منها أن هذه الحرب لو تحولت إلى حرب دينية ستكون وبالًا على العالم، ونارًا تأكل في طريقها الأخضر واليابس ولن ينجو منها أحد.
هذه حرب يستخدم كل طرف فيها أوراقه كاملة، حتى السوشيال ميديا للترويج لأفكاره وأطماعه، مع أن القضية أولًا وأخيرًا هي حرب اقتصادية للسيطرة على النفط الإيراني، الذي يمثل حلمًا قديمًا لترامب رجل الصفقات الذي طوع السياسة لخدمة مصالحه الشخصية، في الوقت الذي يدعي فيه أنه يحقق حلم (أمريكا أولًا)، أما الأحداث والمجريات والشواهد كلها فتؤكد أن ترامب إنما يحقق حلم (إسرائيل أولًا) لتحويل وهم (إسرائيل العظمى) إلى واقع تسيطر فيه إسرائيل على المنطقة عسكريًا واقتصاديًا لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط الجديد.
وهل بعد هذا الصدام الذي نجحت فيه إيران أن تواجه أكبر قوة عسكرية يمكن أن تكون هناك بادرة أمل يتحرك فيها وزراء مصر وباكستان وتركيا والصين لإحداث ثغرة للوصول إلى هدنة بشروط معينة؟ إذا تم ذلك ستكون هذه بداية لوقف الحرب وإعادة ترتيب التحالفات بالشرق الأوسط وتصبح إسرائيل العظمى هي إسرائيل الصغرى بامتياز مع مرتبة الشرف.
ما زال لدىّ بعض الأمل أن تبرز في لحظة ما لمحة ضوء في نهاية النفق المظلم وتحدث تنازلات من الجانبين الأمريكي والإيراني ويعودا لطاولة المفاوضات، خاصة مع بعض الأنباء التى ظهرت خلال الساعات الماضية عن وجود محاولات لوقف إطلاق النار لمدة 15 يومًا يتم خلالها فتح مضيق هرمز والاتفاق على الوقف النهائي لإطلاق النار والسماح لإيران بالوصول لأصولها وأموالها المجمدة بالخارج.
فهل ستنتصر إرادة الحرب أم إرادة السلام؟
هذا ما ستجيب عنه الساعات القادمة.









.jpg)

