”النيابة تفجرها: جريمة مكتملة الأركان.. قتل عمد سبقته نية مبيتة”
وفي ذروة المرافعة، انتقل المستشار محمد عز العرب، وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية، إلى حديث القانون، حيث لا مكان للعاطفة وحدها، بل للكلمة المنضبطة والنص القاطع.. مرافعة ارتكزت على ميزان العدالة، واستحضرت مبادئ القانون الجنائي لتضع الجريمة في إطارها الصحيح، مؤكدة أن ما نحن بصدده ليس مجرد واقعة مؤلمة، بل جريمة قتل عمد مكتملة الأركان، اجتمعت فيها الإرادة والفعل والنتيجة، وتوافرت لها أركان المسؤولية الجنائية بما لا يدع مجالًا للشك أو التأويل.
مبادئ العدالة تحسم المشهد
وطالب المستشار محمد عز العرب من السادة قضاة الحق والعدل، أنتم حراس الشرعية، وسدنة القانون، وأمناء الضمير القضائي، بكم تُصان الحقوق وتُردّ المظالم ويعلو سلطان النظام.. إن عدالتكم ليست كلمات تُتلى، بل مبادئ تُحمى، وأحكام تُبنى على يقينٍ راسخ وحجةٍ دامغة.. فالحق عندكم لا يُقاس بالصوت العالي، بل بالدليل الثابت، ولا يُنال بالعاطفة الجياشة، بل بالنص الصريح والتكييف الصحيح.. لذا فإننا من هذه البقعة الطاهرة المباركة نستأذن هيئتكم الموقرة في تسليط الضوء على أحداث تلك الواقعة من خلال إنزال بعض من مبادئ وأسس القانون الجنائي التي تدارسنها على أيدي حضراتكم؛ فنحن أمام جريمة قتل عمد أركانها مكتملة، قصدها واضح، وفعلها محقق بالوقائع والأدلة والقرائن.

فعل مباشر.. وجريمة مكتملة
إستطرد المستشار "عز العرب" إلى أن الحقائق تشير إلى أن المتهم – والد الضحية – حرض ابنته على إلقاء نفسها في المياه، وأجبرها على ذلك، وتركها لتصارع الموت وحدها أمام عينيه، مما أدى حتماً إلى وفاتها نتيجة الغرق.. وقد توافرت في هذه الدعوى أركان جريمة القتل العمد كاملة غير منقوصة؛ فالركن المادي للجريمة اكتمل عندما أصدر الجاني فعلاً مباشراً أو حثاً يؤدي ويضغط إلى إزهاق النفس.
عقل خطط.. وقلب نفّذ
وأستكمل عز العرب، أن الركن المعنوي واضح ومتوافر بعنصريه من علم وإرادة، وقد صاحبهما التصميم على النتيجة.. يظهر ذلك جلياً في ترك الأب لنجلته تغرق بعد تحريضه لها، وهو عالم متيقن بحتمية موتها لعدم قدرتها على السباحة، مما يدل على قصد مسبق ونية مبيتة وتصميم على قتلها.. فلسنا أمام ضعف لحظة ولا اندفاع ساعة، بل أمام عمد واضح، إرادة اختارت أن يكون اليم أداة القتل، وأن يكون الصمت شريكاً، وأن تكون النهاية موتاً محتوماً.

من الوقائع إلى الإدانة
وذكر وكيل النيابة، أن المتهم لم يأتِ بفعلته في ثورة غضب خاطفة، ولم يكن فاقد الوعي، بل تدرج من الشك إلى الاتهام، ومن الاتهام إلى الإدانة، ومن الإدانة إلى الحكم، حتى نصب نفسه قاضياً واعتلى منصة وهمه جلاداً فأصدر حكماً لا يملكه ونفذ عقوبة لا يقرها شرع ولا قانون.. حتى وإن حُجِمت المسؤولية المباشرة عن الجريمة المادية بمعنى أنه لم يرتكب الفعل بيديه، فإن القانون يعاقب على التحريض والمشاركة في الجريمة، إذ إن تحريض شخص على قتل نفسه أو دفعه إلى الموت بوسائل معينة يعد فعلاً جنائياً متكاملاً، ويحقق الركن المعنوي للجريمة، ويؤكد العمدية والإصرار.
سلطة أب تحولت إلى قهر
أشار عز العرب إلى أن المتهم استغل سلطته الأبوية، واستعمل قسوته سلاحاً، وبث في نفس الفتاة البريئة الخوف من العار، وجعلها تلقي بنفسها في النهر.. أي أب هذا الذي بدل النصيحة قهراً؟ والستر فضيحة، والرحمة قسوة، والشك في السلوك لا يبرر دفعاً إلى الموت.. حتى لو افترضنا وجود خطأ، فالخطأ يعالج بالحكمة، لا بالإغراق والقتل. المتهم توفر فيه قصد واضح، واستغل وسيلة ضغط مؤثرة وعلاقة سلطة جعلت من كلمته أمراً ومن تحريضه تهديداً، ومن صمته بعد التنفيذ رضاً بالموت.
الموت نتيجة حتمية للفعل
ذكر وكيل النيابة، أن هذه الجريمة مكتملة الأركان: تحريض مباشر، رابطة سببية واضحة، ونتيجة مأساوية أودت بكارثة إنسانية.. فلسنا أمام موت عارض أو اندفاع طائش، بل أمام إرادة مصممة مارست ضغطاً، وأحكمت حصاراً حتى دفعت نفساً بريئة إلى اليأس، فأجبرت على النزول في الماء حتى فقدت حياتها.
الأبوة مسؤولية لا سلطة مطلقة
وأكد عز العرب، القانون لا يعاقب اليد وحدها، بل يحاسب الإرادة التي تحرك، والضغط الذي يكره، والتحريض الذي يدفع، متى ثبتت الرابطة بين الفعل والنتيجة، وهو ما تحقق هنا.
مضيفاً أن المتهم خان الأمانة، وسخر الولاية سلاحاً، والعدالة اليوم تحمي مبدأ عظيماً: الأبوة أمانة، والولاية مسؤولية، وليست رخصة للهيمنة أو حصانة من المساءلة.. من يدفع نفساً إلى الموت، فهو في حكم القاتل المباشر، ولو لم يمسك بأداة القتل.. الحياة حق مصون، ومن اعتدى عليه كلاماً أو فعلاً أو كرهاً فقد ارتكب جريمة كاملة الأركان.
النتيجة القانونية: جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار
أوضح وكيل النيابة، أن المتهم لم يكن شاهداً على مأساة، بل كان صانعاً لمقدماتها، ومتحكماً في وقائعها، ومتقبلاً نتائجها.. مارس ضغطاً نفسياً متواصلاً على ابنته، ضيق عليها الخناق، لوح لها بالعار، وأرغمها على إلقاء نفسها في الماء... الحقائق الثابتة من تحقيقات النيابة وأقوال الشهود والأدلة والقرائن، تؤكد أن المتهم ارتكب قتلاً عمداً مع سبق الإصرار، وبناءً عليه تخضع الواقعة لأقصى العقوبات المنصوص عليها شرعاً وقانوناً.
لافتا إلى قول الله عز وجل في كتابه العزيز: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ۙ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.









.jpg)

