”حين يصبح الغرق قرارًا لا حادثاً.. مرافعة مفجعة تكشف لحظة الغدر علي يد الأب”
في لحظاتٍ تقشعر لها الأبدان، وتحت سقف العدالة، استكمل المستشار محمد عز العرب، وكيل النيابة، مرافعته الكاشفة، لينقل المحكمة إلى قلب المشهد المأساوي ذاته.. حيث لم تعد الجريمة مجرد واقعة تُروى، بل لحظة حيّة تتجسد فيها الخديعة، وتنكشف فيها أبشع صور القسوة الإنسانية.. أبٌ يستدرج ابنته بكلمات الثقة، فتسير معه مطمئنة، لا تعلم أن خطواتها الأخيرة تُكتب نحو النهاية.. مرافعة جسدت خيانة الأمان، وصورت كيف تحولت يد الحماية إلى أداة دفع نحو الغرق، في مشهدٍ يهز القلوب ويزلزل الضمائر.
المواجهة مع الأب… ثقة الطفلة المغلوبة
وتابع "عز العرب" ان المتهم "والد المجني عليها" اخذ يفكر ملياً في هدوء و روية كيف ينهى حياة الفتاة المسكينة ليتبرأ منها و ليطهر نفسه ممن اعتقد أنها عار عليه.. و آمن أن قتلها قد صار محللٌ له.. فبعد أن عقد النية و صمم على قتل المنية اختلق حيلة لينفرد بالضحية فطلب منها مرافقته لتوقيع كشف العذرية رافضاً اصطحاب أحد معها.
"إنفراد الضحية… وخديعة الأب"
واستعرض وكيل النائب العام أنه بالفعل أتم ما خطط و دبر له فترجل صحبة المجني عليها التي سلمت أمورها إليه لا تتوقع منه غيلة أو غدراً و ذلاً أو إكراهاً.. أخذ المتهم القاتل الغادر يحاورها طول الطريق.. فما كان من الطفلة إلا أن وثقت فيه و أمنته.. فهي تعلم أنها بصحبة أبيها من سيحنو عليها و ينجيها من ذل العار و يؤيها.. تهديد الأب وتحريض الغرق فئذ به يهددها بالقتل و يدفعها للموت و يسوقها نحو اليم.. وهي تردد له بُصدق وُ طُهارة قُلب "أُنت هُتموتني وُ تُخش اُلسجن".. "أُنا مُشُُ عايزك تُخش اُلسجن بُسببي".. تلك طفلة كان فؤادها كأفئدة الطير.. تجيب و تتكلم بكل براءة.. و هذا المجرم العتي الذي أراد قتلها و دبر موتها لم يفكر و لو لحظة في أن يأخذ.. بيدها ليصلح من شأنها ويبدل حالها.
"نهاية مأساوية.. كتبها الغرق"
انتهز المتهم قربه من المجر المائي الكائن بمنطقة مسطرد (ترعة الاسماعيلية) فاقترب بالمجني عليها من شاطئ اليم و أشار إليها بالنزول الي عرض الماء دافعاًُ و آمراً و مكرهاً إياها و محرضاً لها على غمر نفسها في عمق المياه مستنداً في ذلك لسلطته الأبوية وما تمنحه من القوة و السطو.. فأمرها المتهم العتي بإلقاء نفسها في اليم و ظل يراقبها عن كثب متجاهلاً استغاثاتها متلذذاً بما تعانيه من سكرات الموت.
"جريمة قتل… بلا دماء"
تلك واقعة قتل عمد ارتكبها فلم يزهق فيها روح المجني عليه بطعنة بسيف بل بصمت قاتل و ترك مهلك.. أب يدفع ابنته للهلاك بالنزول في الماء و يبصرها تصارع الموت تتشبث بالحياة كما تتشبث الوردة بآخر خيط من الندى؛ فلم يمد لها يداً و لا نجداً بل ترك المياه تقوم بما انتوى هو فعله بيديه.. فأي قسوة تلك التي تبدل الرحمة جفاء.. و اي ظن ذاك الذي يتحول حكماً.. فيصبح الشك دليلاً.. و يجعل الريبة سيفاً
و الصمت جريمة؟.
'المشهد الأخير… صرخة الأبنة"
و كأن عيناي تبصر المشهد المؤلم.. و أرى شهداً وهي في خضم اليم.. تستصرخ القاتل "أبتاه أبتاه سامحني.. اعف عني.. خذ بيدي.. ارحم ضعفي.. و قلة حيلتي.. ناظرة إليه بدموع منهمرة و جسد مرتجف تستعطفه وتستنجده.. أن يرأف بحالها و يبقي على حياتها الفقدان الأخير وصرخة المأساة.. و ها هي المسكينة تحدث نفسها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة فاقدة الأمل و الرجاء و تودعنا باكية شاكية لنا ممن ظنت فيه الأبوة و الرحمة فوجدت منه القسوة و الغلظة:-
أهذا أبي الذي كفلني و رباني!
أهذا أبي الذي كان ظلي و آماني!
أهذا الذي كان يحميني و يأويني!
لماذا يؤذيني و يرديني في الماء غريقاً؟
لماذا يعذبني و يخذلني و لا ينجيني؟
فما كنت أرجو منه إلا رحيل بسلام و إحسان وداع القسوة المطلقة.. غرق في جفاف قلب الأب.
منادياً سيدي الرئيس.. لم يكن ذلك مجرد غرقٍ في ماء، بل كان غرقًا في قسوةٍ لا يقرها قلبٌ ولا يبررها عقل.. لم تكن تلك لحظة غرقٍ عابرة.. بل لحظة خذلانٍ كاملة.. فتاةٌ تصارع الماء.. وأنفاسها تتقطع.. ويداها ترتفعان طلبًا للنجاة.. رفعت عينيها نحو أبيها.. نحو من كان يجب أن يكون لها الأمان.. نظرةٌ واحدة كانت كافية.. نظرة استغاثةٍ من ابنةٍ إلى أبيها.. لكنها لم تجد منه يدًا تمتد.. ولا قلبًا يرق.. بل ظل واقفًا.. يشهد الغرق في قبول و رضاء تام.. ويرى الحياة تنسحب من بين يديها لحظةً بعد لحظة.. فلم يمسك بيدها لينقذها.. و جعل قلبها مكسوراً.. و لم يفتح لها باب التوبة و الستر.. بل ساقها الي باب الموت و الفضح صرخة الطفولة.. الموت المحتوم فتاةٌ ضعيفة زج بها الي الموت زجاً؛ تحاول أن تتشبث بالحياة كما يتشبث الغريق بخيط الضوء الأخير، والماء يعلو من حولها، والرهبة تعصف بقلبها، وعيناها تبحثان في الوجوه عن نجدةٍ أو رحمة.. رفعت بصرها إلى أبيها.. إلى من كان يجب أن يكون لها نجاةً وسندًا، فإذا به يقف سعداً مسروراً بمأساتها، لا تمتد يدُه لإنقاذها، ولا تتحرك فيه مشاعر لرحمتها و نجدتها.
"الغرق الأخير… انتهاء حياة وقلب قاسى"
لافتا أنها كانت نظرتها إليه ليست صرخة استغاثة فحسب، بل كانت سؤالًا موجعًا: أين أبي الذي يحميني؟ لكن الصمت كان جواباً.. صمتٌ أقسى من الماء الذي كان يذهب أنفاسها لحظةً تلو الأخرى.. تلوّحت يداها فوق سطح الماء كأنهما تكتبان في الهواء آخر رسالة:
يا أبي.. أنقذني.. يا أبي.. سامحني و ارحمني.... غير أن المتهم صم الآذان عن النداء و رفض التحرك للنجدة و الإنقاذ، فكان الماء أسرع في الجواب.. ثم خبت الحركة، وسكنت اليدان، وغابت الملامح تحت الماء.. لتبقى الحقيقة شاخصة أمام العدالة: أن طفلةً قتلها أبوها غدراً بجعله من الماء أداة جريمة، فاختار أن يتركها للموت وهو مقدر ذلك و موقن به.
"الماء أرحم من قلب الأب"
ومن جانب آخر أضاف المستشار "عز العرب" أن الماء كان أرحم من قلبٍ جاف لم يتحرك.. فاحتضن جسد الفتاة الصغير.. و غرقت الطفلة المسكينة شهد.. وبقيت الحقيقة وحدها: أن الأبنة شهد كانت تستغيث بأبيها.. فتركها تغرق.. و كأن الرحمة انتزعت من قبله فصار صخراً جامداً متجرداً من كل إحساس و شعور فالانتقام كان فكره و مبتاغاه.. و عقله حاضر متبصر غير مستنكر ما طلب و أراد.. فظل واقفاً مشرفاً يناظر صراع ابنته مع الماء فلم يرق قلبه و لم يكن كبني الإنسان.. بل غدا كمارد شيطان.. و ما بارح المكان إلا و الجثمان قد انغمر و أستقر في الماء و انجرف مع التيار.









.jpg)

