”من الإهمال إلى القتل”.. النيابة تروى كيف تحولت البراءة إلى ضحية والدها
في مشهدٍ ثقيلٍ بالوجع، وداخل قاعةٍ صمتت فيها الأنفاس، واصل المستشار محمد عز العرب، وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية، مرافعته الكاشفة، ليغوص في جذور المأساة، ويكشف كيف تحولت علاقة الأبوة من مظلة أمان إلى بوابة للهلاك.. مرافعة لم تكتفِ بسرد واقعة، بل أعادت رسم حياة كاملة من الإهمال والحرمان، انتهت بكلمةٍ كانت أقسى من أي سلاح.. وأمرٍ دفع روحًا بريئة إلى النهاية.
وأستكمل "عز العرب" مرافعته قائلاً أن المجني عليها في دعوانا هي الطفلة الشابة / شهد عماد الدين سمير أحمد – ذات السبعة عشر عاماً ولدت نتاجاً لزيجة لم تنعم و لم تهنـأ بالاستقرار و لم تعرف التقارب و التآلف الأسري.. مفتقدة للمودة و الرحمة.. غالباً عليها السلبية و الإهمال خصوصاً من الأب الذي تناسى ما شرفه به رب العباد و ما أناطه به الشرع من مسئوليات عن رعاية الأبناء بتوجيههم لما فيه الصواب و بما ينجو بهم الي بر الأمان و يحقق لهم السلام.

"نشأة مضطربة وحرمان عاطفي"
وأشار وكيل النيابة أن المجني عليها منذ نعومة أظافرها افتقرت الي حنان أبيها فلم تلق منه إلا قسوةً و جفاءً و هجراً.. و ما وجدت منه عطفاً و لا رأفة؛ و لم تحظي منه بنصح أوتوجيه أو إرشاد تاركاً إياها.. شريدة العقل.. ضعيفة الفكر.. مكسورة الخاطر.. جاهلة بحاضرها و مستقبلها.. هائمة على وجهها في زمان يعج بالمفاتن و المفاسد و الأهواء حتى صارت صيداً مستساغاً لأصحاب النزوات و الشهوات، فدفعت بها الظروف المحيطة للسقوط في الهاوية لقلة وعيها و تدني رعايتها و غياب رقابتها في فترة مراهقتها إلي أن ارتكبت ذنباً تجهل عاقبة أمره.
"مسئولية الأب وبداية المأساة"
موضحاً أنه لا شك أن المتهم الماثل أمامنا كان ظلمه و تقصيره غير المبرر سبباً رئيسياً فيما أصاب المجني عليها من وهن فكري و أخلاقي؛ فهي ضحية من قبل تاريخ نشأة دعوانا حينما وجدت نفسها في بيئة سامة مضطربة؛ فقد أهمل الأب تنشأتها و إصلاحها و تقويمها و أغفل دوره الأبوي في احتضانه لها و إكرامها و إعزازها وحمايتها و صون عرضها و حفظ حيائها و عفافها فغدت في قضيتنا ضحية لمرة أخرى لكن إذ بها فارقت الحياة على يد من استأمنه المولى عزوجل على روحها و كفله رعايتها وكأنه لم يبلغه يوماً ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " طكلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته.. و الرجل راع في اهله و هو مسئول عن رعيته".
مضيفاً قال رسول الله ﷺ"من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين" وأشار بأصبعيه.. فأن شخصية المتهم وانحراف دوره الأبوي فمتهم تلكم القضية هو المدعو/ عماد الدين سمير أحمد الماثل في قفص الإتهام؛ كان يفترض فيه أن يكون أباً حنوناً عطوفاً كريماً حليماً رحيماً بإبنته التي رزقه الله بها لتكون قرة عين له و سبيله لدخول الجنة بحسن رعايته و تربيته لها؛ إلا أن شيطانه أغواه و أعماه و أنساه ذلك الواجب و التكليف؛ و حينما أدرك ما حل بنجلته من سوء لم يبادر لإنقاذها و الأخذ بيدها واحتضانها و إفهامها و تقويهما ضبط سلوكها و معالجة خطئها و مداركة فعله سترها و حفظ كرامتها.. من التقصير إلى قرار الإنتقام بل سارع بالحكم عليها و نهرها و زجرها و ضربها و إهانتها و بدلاً من أن يبحث و يتحقق من الأمر ويصحح الوضع.. اكتفى بما أشاعه و أذاعه البعض من غير سند و لا حدث بيان و لا شاهد عيان واختار بحر إرادته الإنتقام إرضاء لنفسه و إخفاء لما ظن أنه عاره.. معتقداً ان بقتله للمجني عليها قد أزال و أذهب الشكوك و الظنون التي طاردته و راودته متناسياً أن الضحية هي شهد التي من صلبه و رحمه و أجمل نعم ربه.. فقاده فكره الضال العقيم و عقله المتجمد و قلبه المتحجر ومشاعره المتبلدة و نفسه الخاوية من الإيمان إلي ارتكاب أبشع و أفظع الجرائم ما نهى الله عنها وهي قتل النفس البشرية حيث قال رب العزة جل في علاه: بسم الله الرحمن الرحيم وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.

"الوقائع و الأحداث"
وأفاد المستشار "محمد" أن الواقعة بإيجاز في رحابكم المقدس لنكشف للحاضر و الغائب و القاصي و الداني مدى عظم الجرم و فظاعته ؛فإننا اليوم أمام جريمة ترتجف لها القلوب و تتألم لها الضمائر؛ جريمة ارتكبها أب قاس القلب كان المفترض أن يكون مأمناً و ملاذاً؛ فإذا به يتحول الي قاتل بدم بارد؛ بلا رحمة و لا شفقة و لا ذرة إنسانية.. فالمتهم في واقعتنا لم يرفع سلاحاً بيده و لم يدس سماً؛ لكن كانت كلماته و أفعاله أشد فتكاً؛ وجعل من سلطته الأبوية أداة ضغط قاسية؛ فأمر ابنته بإلقاء نفسها في عمق المياه موهماً إياها بغسل العار؛ فهذه الدعوى لا تتعلق بخطأ عابر و لا بثورة غضب و لحظة انفعال بل تتعلق بإهمال طويل في الرعاية كانت تعانيه الفتاة الشابة المجني عليها.. جريمة بلا سلاح ولكن بكلمة قاتلة.. تلاه قرار أخطر.. قرار التخلص.. فالمتهم أهمل ابنته و تركها دون توجيه أو احتواء؛ فلما اكتشف ما ظنه سوء سلوك منها.. لم يلجأ إلي الإصلاح و لم يسع الي التقويم بل ساقها الي الماء و أجبرها على النزول فيه و تركها تصارع الغرق و تنازع الموت وحدها حتى ابتلعها اليم.. نقف اليوم أمام جريمة لم يشهر فيها سلاح و لم تسفك فيها دماء بيد مباشرة و لكنها سفكت بكلمة و ازهقت بروح دفعت دفعاً إلي الهلاك.









.jpg)

