”مرافعة صاعقة تضرب القلوب بجنايات شبرا”.. النيابة العامة تكشف المستور بقتل فتاة علي يد والدها
ساد وجوم ثقيل على أرجاء محكمة جنايات شبرا الخيمة، وكأن القاعة تحبس أنفاسها أمام واحدة من أكثر القضايا قسوةً وإيلامًا، حين تحولت منصة العدالة إلى شاهدٍ على مأساة إنسانية تقشعر لها الأبدان.. لم يمسك بأداة للقتل لكنه أطلق حكمًا قاسيًا دفع ابنته إلى نهاية مأساوية بين أمواج النيل، بعدما شكّ في سلوكها.
وشهدت الدائرة الرابعة برئاسة المستشار الدكتور رضا أحمد عيد، وعضوية المستشارين مصطفى رشاد محمود مصطفى، ومحمد عبد المعز الغمراوي، ومحمد حسني الضبع، وأمانة السر عاصم طويل، إنطلاق مرافعة صاعقة قدّمها المستشار محمد عز العرب، وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية، في الجناية رقم 35359 لسنة 2025 جنايات ثان شبرا الخيمة والمقيدة برقم 4813 لسنة 2025 كلي جنوب بنها، لتكشف تفاصيل الجريمة كجرحٍ مفتوح، تُروى فيه حكاية مؤلمة لفتاة لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، حيث وجدت نفسها ضحية شكٍ قاتل من أسرتها، وانتهت حياتها علي يد والدها في مشهد مأساوي هزّ وجدان الحاضرين.
"العدالة تصرخ بالحق"
وبدأ المستشار "محمد عز العرب" وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية، مرافعته قائلاً السيد الرئيس هيئة المحكمة الموقرة.. نقفُ اليومَ بين أيدي عدالتكم، لا نبتغي إلا الحقَّ سبيلاً، ولا نرجو إلا أن يأخذ القانونُ مجراهُ عدلاً وإنصافًا.. إن القضاءَ ميزانُ الأمم، وعمادُ الأمن، وملاذُ المظلوم إذا ضاقت به السبل، وهو الحصنُ الحصين الذي تُصانُ عنده الحقوق، وتُردُّ به المظالم، وتُعلو فيه كلمةُ النظام على هوى النفوس.
"براءة تتحول لجلاد"
وأضاف "عز العرب" أن محكمتُكم الموقّرة، بما عُرف عنها من حكمةٍ وبصيرة، هي منارةُ عدلٍ لا تميل، وسيفُ قانونٍ لا يلين، تُقيمُ الحقَّ ولو على القريب، وتُنصفُ المظلومَ ولو بعد حين.. وإننا إذ نعرضُ على عدالتكم وقائعَ هذه الدعوى، فإنما نضعها بين أيدٍ أمينة، تُحسنُ وزنَ الأدلة، وتُجيدُ إعمالَ النصوص، وتستخلصُ من بين السطور حقيقةً لا يعتريها لبسٌ ولا غموض.
فالعدلُ أساسُ الملك، والقانونُ عنوانُ الحضارة، وبكم – بعد الله – تُصانُ الحقوق، وتستقيمُ الموازين.. لذلك نلتمسُ من عدالتكم الإصغاء إلى مرافعتنا، راجينَ حكمًا يُجسّدُ روحَ القانون، ويُحققُ غايةَ العدالة، ويُعيدُ الأمورَ إلى نصابها الحق.
وقال وكيل النائب العام إني إذ أتشرف بالمثول بين أيديكم، أستفتح مرافعتي بقول الحق سبحانه و تعالى في محكم التنزيل بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.. فقد تخيرنا تلك الآية الكريمة لتكون خير مبتدأ لمرافعتنا لارتباطها الوثيق بخبر واقعة دعوانا الآليمة؛ فالمجني عليها كانت ضحيةً على يد أبيها الذي كان يفترض أنه حصنها، وسندها، و أمنها، و آمانها، فئذ به خصمها و قاهرها و جلادها و مزهق روحها جهلاً و سفهًا وعدوانًا دون رحمةٍ أو شفقةٍ.

"قلوب مزقتها الجريمة"
وأشار أننا نقف أمام حضراتكم؛ بقلوب مزقها الألم و عقول أذهلها الجرم و نفوس أفجعها القتل و انتابها الرعب و سكنها الخوف من هول الأمر.. جريمة قتلٍ عمدٍ بفكرٍ خبيثٍ و مكرٍ و دهاءٍ شديدٍ و عزمٍ و إصرارٍعنيد و تنفيذ فريد و خلاص أكيد دون دماء تسيل بطعن سكين أو بخنق لجيد.
جريمة قتل عمد لم يجد فاعلها عناء ولم يكابد شقاء، فارتكبها اعتماداً على سلطانه كونه أباً لضحيته و ساعده في ذلك استغلاله لبراءة نجلته فلذة كبده.. جريمة قتل عمد يندى لها الجبين و يحزن من أجلها الإنسان ذو القلب الرحيم و العقل الرشيد.. جريمة قتل عمد تجسدت فيها الخيانة لأمانة الله و الجحود لنعمة الله و التفريط في روح من أوراح الله.
"موت بطئ وسط موج"
وأستكمل المستشار "محمد عز" جريمة قتل عمد تمت في صمت رهيب.. فالمجني عليها طفلة غريق في يم غزير.. وسط موج جارف عتيد.. صارعت معه الموت البطئ الي أن غمر جسدها الماء الكثيف.. و انقطعت أنفاسها و توقفت نبضاتها و فاضت روحها و فارقت حياتها.. موؤدة معها برائتها و طفولتها.. مطهرة بإذن ربها من كل فعل سوء.. و مبرئة من كل قول زور.. و مشمولة بصفح و غفران من الرب المنان.

"أب بلا رحمة"
وتابع وكيل النيابة: و إما عن المتهم مرتكب تلك الجريمة النكراء فهو يزعم أنه "والد الضحية" – و حقاً إنه مزعوم ذلك فلا ينسحب عليه وصف الأبوة – قد بلغ العقد الخامس من العمر (42 سنة ) – تزوج منذ تسعة عشرعاماً ورزق بذرية نحسبها طيبة – فكان له حظاً من البنات فولدت له المجني عليها / شهد و صار عنده من البنين نجله / زياد – لكنه باء بفشل في القيام بدور الأب المسئول و ترك زمام الأمور و تجرد من كل معاني و مشاعر الأبوة الممزوجة بالرأفة و الإنسانية.. حتى بلغ به الفكر أن يدبر لقتل البنت عقاباً لها على ما أخطأت و أذنبت من دون تحقق و تثبت فيما اعتقد و ظن.. فأيُّ قلبٍ هذا الذي تجرد من الرحمة حتى قسى على فلذة كبده؟ وأيُّ عقلٍ هذا الذي أظلم حتى أباح قتل ابنته، تلك التي كان يجب أن تكون موضع الرعاية والحماية؟
"قلب الأب خائن"
وأوضح عز العرب: لقد حرم الله القتل تحريمًا قاطعًا، فقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ صدق الله العظيم.. إننا اليوم لسنا أمام جريمة عادية، بل أمام مأساة إنسانية تهتز لها القلوب قبل أن تنتفض لها نصوص القانون.. أبٌ كان الأولى به أن يكون حضناً دافئاً لابنته، و ملجأ آمناً لها، فإذا به يتحول إلى قاتل غادر.. لقد جعل المتهم من نفسه التي خُلقت للرفق دافعاً مسبباً للهلاك، ومن أبوته التي جعلها الله رحمةً ومودة طريقًا للجريمة والعدوان.. قائلا فأيُّ جريمةٍ أبشع من أن يتحول الأب من مصدر أمان إلى مصدر فزع، ومن ملجأٍ للطفلة إلى نهايةٍ لحياتها؟.









.jpg)

