النهار
الأحد 22 مارس 2026 12:58 صـ 2 شوال 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

تقارير ومتابعات

أبوتليح لـ”النهار”: خطبة العيد شرعية و المتمسلفة هم من يخالفون نهج النبي

في تصريح خاص لـ "النهار"، أكد فضيلة الشيخ محمد رجب أبوتليح، عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف، أن بعد تلك الخطبة الماتعة النافعة لعيد الفطر المبارك والتي تجلت فيها أساليب البلاغة والبيان من خطيب مفوه كما عهدناه منذ عرفناه فضيلة الأستاذ الدكتور السيد عبد الباري رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف حفظه الله أثير لغط وجدال من التيار المتمسلف في تصريح لأحدهم يخرج علينا أحدهم بكلمات من الاعتراض الذي لا يخضع لمقابيس العلم الشرعي مشتملا على الاتهامات التي يكيلونها للمخالف لهم في الرأي والمنهج.
وكان الشيخ حفظه الله قد قال في دعائه: "اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر الكامن فيها ...الخ.
وهنا ظهرت أقوال المتمسلفة تعترض عليه وتتهمه بالتشيع وأنه يريد أن يغير هوية مصر وأن هذا القول وارد في كتب الشيعة...الخ
وهنا دعنا ندقق في تلك الكلمات ووزنها بميزان الشرع:
قوله: "اللهم بحق فاطمة" .
كلمة الحق ليس معناها أنه يجب للمخلوق حق على الخالق فعقيدتنا التي نهلناها من معين علوم الأزهر الأنور أنه لا يجب للعباد على الله شيء فإن عاملهم بالرحمة فذاك من كرمه وفضله، وإن عاملهم بغير ذلك فبعدله، وأنه فعال لما يريد ويشاء.
إنما "الحق" هنا بمعنى ما قدره الله للعبد من خصوصية فضل ينبئ عن قدره لديه .
والمعنى: اللهم بالقدر والمنزلة والفضل الذي خصصت به سيدتنا فاطمة الزهراء عندك وجاهها وجاه والدها خيرة خلقك .
والسؤال بالحق وارد في دعاء النبي ﷺ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا ، وَلَا بَطَرًا ، وَلَا رِيَاءً، وَلَا سُمْعَةً، وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ". أخرجه ابن ماجة في سننه وأحمد في مسنده. وقال الحافظ العراقي في: (المغني): " حديث حسن' .
كما وردت هذه الجملة في حديث آخر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لمَّا ماتت فاطمةُ بنتُ أسَدِ بنِ هاشمٍ أمُّ عليٍّ رضِيَ اللهُ عنهما دخَل عليها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلَس عندَ رأسِها فقال رحِمَكِ اللهُ يا أمِّي كنْتِ أمِّي بعدَ أمِّي تجوعين وتُشْبِعيني وتَعْرَينَ وتُكْسيني وتَمْنعينَ نفسَكِ طيِّبًا وتُطْعِميني تُريدين بذلك وجهَ اللهِ والدَّارَ الآخرةَ ثمَّ أمَر أن تُغَسَّلَ ثلاثًا فلمَّا بلَغ الماءَ الَّذي فيه الكافورُ سكَبه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيدِه ثمَّ خلَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قميصَه فألبَسَها إيَّاه وكفَّنَها ببُردٍ فوقَه ثمَّ دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسامةَ بنَ زيدٍ وأبا أيُّوبَ الأنصاريَّ وعمرَ بنَ الخطَّابِ وغُلامًا أسودَ يحفِرون فحفَروا قبرَها فلمَّا بلغوا اللَّحدَ حفَره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيدِه وأخرَج ترابَه بيدِه فلمَّا فرغ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاضْطَجع فيه فقال اللهُ الَّذي يُحيي ويُميتُ وهو حيٌّ لا يموتُ اغفِرْ لأمِّي فاطمةَ بنتِ أسَدٍ ولَقِّنْها حُجَّتَها ووسِّعْ عليها مُدْخلَها بحقِّ نبيِّك والأنبياءِ الَّذين مِن قَبلي فإنَّك أرحمُ الرَّاحمين". أخرجه الطبراني (24/351) (871)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (3/121).
وهنا تتجلى الحقائق أن ما ذهبوا إليه من تحريم هذه العبارة لكونها توسلا بالنبي ﷺ والزهراء عليهما الصلاة والسلام قول مخالف للقواعد العلمية والشرعية والسؤال هنا: أأننم أعلم أم رسول الله ﷺ ؟ أم أن رسول الله ﷺ أخطأ وأنتم المصيبون؟ سبحان ربنا.
والتوسل عندهم ممنوع بالذوات ويرونه شركا وهم بهذا يخالفون منهج النبي ﷺ كما سبق في الحديثين السابقين، فإننا لا نتوسل إلى الله بالذوات لطولها أو عرضها ...الخ بل بأحوالها السنية مع الله ولا نتوسل إلا بما ثبت أن الله يحبه من عباده وثبتت محبة الله لهم كحبه للنبي ﷺ ومن شك في هذا فليراجع إسلامه . خاصة بعد قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:35).
بل وإن صنعة الله غالية فمثلا في صلاة الاستسقاء من السنة إخراج البهائم إلى المصلى وفي هذا توسل حتى باليهائم العجماء التي تحتاج إلى نعمة الله من سقيا عباده، لكنهم لا يفقهون سر ذلك.
وورد اعتراض آخر: كيف يقدم ذكر أمنا فاطمة على النبي ﷺ ؟!
ولو أنهم يفقهون علوم البلاغة ما تفوهوا بما لا يدركون ولا ما يفهمون ولعلموا أن من أسرار البلاغة التقديم والتأخير بين الألفاظ للوصول إلى جمال التعبير وانسجام السجع البديع في ترتيب الكلمات للوصول إلى بلاغة الجملة وبديع معناها. وليس تقديم أفضلية حاشا لله فرسول الله ﷺ - في عقيدة الشيخ السيد عبد الباري وعقيدتنا جميعا - هو المقدم في كل فصل وهو خير الخلق على الإطلاق. فيا ليتهم يفهمون!.
وأما اعتراضهم على قوله: "والسر الكامن فيها" .
فوالله ما قال إلا حقا وصدقا، فهي مجمع الأسرار النبوية والتفضلات الإلهية، وهذا يظهر في السر الأول :
أنها بضعة النبي ﷺ وحبيبته عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
"فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي، فمَن أغضَبَها أغضَبَني". أخرجه البخاري (3714)، ومسلم (2449).
والسر الثاني: أنها بزواجها من مولانا أسد الله الغالب سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه جعلها الله أصل النسل النبوي والعترة الطاهرة آل بيت النبي ﷺ.
السر الثالث: كونها المطهرة البتول، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب:33).
فهي اصل أهل الكساء الذين انزل الله فيهم هذه الآية. عن ام سلمة رضي الله عنها قالت: " أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال لفاطمةَ: ائتيني بزَوجِكِ وابنَيكِ. فجاءَتْ بهِم، فألْقى عليهم كِساءً فَدَكيًّا، قال: ثمَّ وضَعَ يدَهُ عليهِم، ثمَّ قال: اللَّهمَّ إنَّ هؤلاءِ آلُ محمَّدٍ، فاجعَلْ صَلَواتِكَ وبرَكاتِكَ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ. قالتْ أمُّ سلَمةَ: فرفعْتُ الكِساءَ لأدخُلَ معهم، فجذَبَه من يدي، وقال: إنَّكِ على خَيرٍ". أخرجه الترمذي (3871) بنحوه، وأحمد (26746) واللفظ له.
السر الرابع: انها من شدة محبتها في قلب النبي ﷺ كنيت بأم أبيها قال الطبراني في "المعجم الكبير" (22 / 397)؛ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ فَهْمٍ، حدثنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: "كُنْيَةُ فَاطِمَةَ: أُمُّ أَبِيهَا".
وقال أيضا (22 / 397)؛ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَدِينِيُّ فُسْتُقَةُ قَالَ: "وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُكَنَّى: أُمَّ أَبِيهَا ".
وقال الذهبي رحمه الله تعالى:"فاطمة رضي الله عنها. وهي سيدة نساء هذه الأمة.
كنيتها، فيما بلغنا: أم أبيها." انتهى من "تاريخ الإسلام" (2 / 29).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:"فاطمة الزّهراء بنت إمام المتقين رسول اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشميّة، صلّى اللَّه على أبيها وآله وسلّم ورضي عنها كانت تكنى أمَّ أبيها." انتهى من "الإصابة" (14 / 87).
....الخ هذه الفضائل التي اهتم بها العلماء وصنفوا فيها الكتب مثال ذلك: (الثغور الباسمة في مناقب السيدة فاطمة) للسيوطي، وغيرها من المؤلفات.
وختاما نقول: إن الشيخ حفظه الله لم يخالف شريعة ولا عقيدة، وما تكلم إلا بحق يعلمه القاصي والداني ولا يشك فيه إلا منافق صاحب قلب مريض هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.