النهار
الأحد 1 مارس 2026 09:52 صـ 12 رمضان 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

عربي ودولي

من هو علي خامنئي الذي اغتالته إسرائيل في ضربة قاسية؟

المرشد الإيراني
المرشد الإيراني

في نبأ عاجل أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني مقتل المرشد علي خامنئي، جراء غارات أمريكية - إسرائيلية، في أعقاب الهجمات الجوية المكثفة، التي استهدفت مواقع إستراتيجية وحيوية في العاصمة طهران، وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، وأكدت وكالة الأنباء الإيرانية «فارس»، أن عملية القتل تمت داخل مكتبه بطهران، في ظل سلسلة الهجمات الجوية والعسكرية العنيفة، التي استهدفت المربعات الأمنية الحيوية في البلاد، كما أعلنت الحكومة الإيرانية الحداد لمدة 40 يومًا.

وبرحيل خامئني، تنطوي صفحة طويلة في السياسة الإيرانية ملطخة بدماء قادتها، وتفتح صفحة أخرى لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد تتغير فيها الحسابات والمصائر، فولد خامنئي، الثاني من بين ثمانية أطفال لعائلة من الطبقة المتوسطة، عام 1939 في مدينة مشهد الواقعة شمال شرق إيران، وتعتبر على نطاق واسع العاصمة الروحية للبلاد، بسبب وجود ضريح الإمام الرضا موقع حج للمسلمين الشيعة.

في سن الرابعة، بدأ القائد المستقبلي للبلاد في تعلم القرآن الكريم، ثم التحق بالدراسات الدينية في الحوزة قبل أن يستقر في قم في سن التاسعة عشرة لمواصلة دراساته الدينية. وهناك، حضر لأول مرة دروسًا كان يديرها رجل الدين المحافظ روح الله الخميني، الذي اكتسب فيما بعد شعبية وطنية من خلال معارضته الشديدة للإصلاحات المجتمعية، التي نفذها الشاه محمد رضا بهلوي.

هكذا، عارض خامنئي الشاه، وأصبح أحد قادة حركة الاحتجاج المناهضة للملكية التي اجتاحت البلاد في الستينيات والسبعينيات، واستخدم المحاضرات والخطب للدعوة إلى شكل من أشكال الحكم القائم على الشريعة الإسلامية. وبحلول عام 1978، وبعد ستة اعتقالات وفترة وجيزة في المنفى، أصبح مُقربًا من معلمه السابق، الخميني الذي كان يعيش أيضًا في المنفى، وعندما تبلورت المشاعر المعادية للملكية بالبلاد في جهد موحد للإطاحة بالشاه بقيادة الخميني، أصبح خامنئي شخصية بارزة فيما أصبح يُعرف بـ"الثورة الإسلامية الإيرانية".

وبعد فرار الشاه إلى مصر وانهيار الحكومة المؤقتة المتبقية، عام 1979، أعلن الخميني نفسه "المرشد الأعلى" لإيران، وشغل خامنئي عددًا من المناصب الحكومية في السنوات اللاحقة، بما في ذلك منصب رئيس "الحرس الثوري" الذي تم إنشاؤه حديثًا "القوات المكلفة بحماية الجمهورية المشكلة حديثًا"، وفي عام 1980، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية. وفي العام التالي، كان خامنئي يعمل كممثل شخصي للخميني في "المجلس الأعلى للدفاع"، الهيئة المكلفة بتنسيق المجهود الحربي، وقام بعدة رحلات إلى الخطوط الأمامية، بحسب قناة القاهرة الإخبارية.

في يونيو من ذلك العام، وبينما كان يلقي كلمة في مسجد بطهران بعد إحدى هذه الرحلات، انفجرت قنبلة مخبأة في جهاز تسجيل صوتي موضوع أمامه. نجا خامنئي، لكن ذراعه اليمنى أصيبت بشلل دائم، وتضررت رئتاه وأحباله الصوتية، وقضى ستة أسابيع في المستشفى، وبعد شهرين، قُتل الرئيس الإيراني في هجوم مماثل، وتم التواصل مع خامنئي للترشح للمنصب الشاغر، الذي تم إنشاؤه في العام السابق ليكون بمثابة الرئيس الاسمي للحكومة الإيرانية، بينما يظل المرشد هو رئيس الدولة الفعلي. ورفض في البداية معتقدًا أن إصاباته كانت شديدة للغاية بحيث لا يستطيع بذل الكثير من الطاقة في هذا المنصب، لكن ما قيل له: "لهذا السبب نعرض عليك المنصب".

في أكتوبر 1980، فاز خامنئي بالرئاسة بنسبة 95% من الأصوات، بعد أن صار تفجير مسجد طهران لحظة تحولية في مسيرة خامنئي، إذ اعتقد البعض أن نجاته جعلته "شهيدًا حيًا" بين النخبة الثورية الإيرانية، وبصفته رئيسًا، أشرف خامنئي على تحول في زخم الحرب مع العراق، إذ دفع قوات صدام من إيران ثم أعادها إلى بغداد في غزو مضاد يهدف إلى إيقاظ الأغلبية الشيعية بالعراق، لكن عندما استعاد العراق زمام المبادرة، عام 1988، خلال الولاية الثانية لخامنئي، ضغط على المرشد لقبول وقف إطلاق النار، ما وافق عليه الخميني على مضض.

في عام 1989، وبعد وفاة روح الله الخميني، تم تعيين خامنئي مرشدًا لإيران من قبل مجلس الخبراء، مجموعة منتخبة من كبار رجال الدين المكلفين باختيار زعيم البلاد مدى الحياة.

وعلى الرغم من أن خامنئي لم يكن مرجعًا دينيًا "آية الله العظمى" في ذلك الوقت، كما هو مطلوب بموجب الدستور، إلا أن الجمعية اختارت مع ذلك احترام رغبات الخميني الراحل وتعيين خامنئي في المنصب، بتصويت 60 مقابل 14. ولاحقًا، تم تعديل الدستور لإزالة شرط أن يكون المرشد الأعلى مرجعًا دينيًا، ولعب خامنئي دورًا أكثر نشاطًا في الشؤون الحكومية اليومية مقارنة بسلفه، وقياسًا إلى فترة رئاسته، تدخل بانتظام في صنع القرار السياسي على جميع المستويات، معتمدًا على شبكة من العلاقات التي تم بناؤها بعناية، بدلًا من شخصية الخميني القوية ومكانته الدينية.

لكن ما يمكن القول إنه تفوق فيه المرشد الراحل على سلفه الأسطوري هو قدرته على استغلال خصومه ضد بعضهم البعض، وإيجاد توازن بين المصالح المتنافسة يضمن عدم حصول أي فصيل من المجتمع الإيراني على ما يكفي من القوة لتحدي الوضع الراهن بشكل جدي، وعندما حقق الإصلاحي محمد خاتمي، فوزًا ساحقًا في الانتخابات الرئاسية عام 1997، عمل خامنئي من وراء الكواليس على عرقلة الإصلاحات الجادة، مستخدمًا أساليب مثل الضغط على السلطة القضائية، مع الحفاظ على صورته العامة بأنه فوق الصراع. مع ذلك، عندما بدأ البرلمان بالضغط من أجل توسيع الحريات الصحفية، حرض خامنئي علنًا على معارضة هذه الخطوة، وكتب رسالة إلى المشرعين وأمرهم بوقف النقاش حول مشروع القانون، ما أدى إلى مناوشات في قاعة البرلمان.

بالمثل، عندما سعى الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد إلى مزيد من السيطرة على أجهزة الأمن بالبلاد في أعقاب إعادة انتخابه عام 2009، تحول خامنئي من كونه الداعم الأبرز لأحمدي نجاد إلى عدائه علنًا، وطرد نائبه من مجلس الوزراء، وتراجع عن إقالة أحد الوزراء، وكانت هذه القدرة على قراءة مد وجزر السياسة الإيرانية، ومعرفة متى يجب الاستسلام للضغوط ومتى يجب ممارسة السلطة الكاملة لمنصبه، ربما كانت أكثر وضوحًا في تعاملات خامنئي مع السياسيين الآخرين.