20 % تعويض كربوني.. الرقابة المالية تفرض التزامات بيئية على الشركات
أثار قرار رئيس هيئة الرقابة المالية رقم (36) لسنة 2026، الخاص بإلزام شركات الأنشطة المالية غير المصرفية بإعداد تقارير البصمة الكربونية وتعويض 20% من الانبعاثات، حالة من الجدل في الأوساط البيئية والاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بآليات التطبيق وجاهزية السوق والإطار التنظيمي.
وفي هذا السياق، قال هشام عيسى، خبير الشؤون البيئية ونقطة الاتصال الوطنية المصرية الأسبق للاتفاقية الإطارية لتغير المناخ بالأمم المتحدة في تصريح للنهار، أنه بالرغم ما يعلنه قرار رئيس هيئة الرقابة المالية رقم (36) لسنة 2026 من أهداف بيئية طموحة، إلا أن القرار في صورته الحالية يعكس خللًا جوهريًا في الفهم العملي والتنظيمي لمنظومة الإفصاح الكربوني، ويثير تساؤلات حقيقية حول مدى جاهزية الإطار المؤسسي والقانوني لتطبيقه دون إحداث أعباء غير مبررة على الشركات الخاضعة للرقابة.
أول أوجه القصور يتمثل في الفجوة الزمنية غير الواقعية بين تاريخ صدور القرار فبراير 2026 والموعد المحدد لتقديم تقارير الانبعاثات يونيو 2026 ودون اخطار مسبق للشركات او الاجتماع معهم لاستطلاع الرأى وامكانية التنفيذ، فإعداد تقرير كربوني معتمد ليس إجراءً إداريًا بسيطًا، بل عملية فنية معقدة تتطلب حصرًا دقيقًا لمصادر الانبعاثات، وتطبيق منهجيات حساب معترف بها دوليًا، ثم مراجعة وتحققًا مستقلًا من جهة خارجية، تجاهل هذه المتطلبات الزمنية لا يؤدي إلا إلى إفصاحات شكلية تفتقر إلى المصداقية، وتفرغ القرار من مضمونه البيئي الحقيقي.
ثانيًا، ينطوي القرار على إشكالية قانونية وتنظيمية خطيرة تتمثل في إلزام الشركات بتعويض الانبعاثات من خلال شراء شهادات كربونية، دون الاعتراف الصريح بحق الشركات في اختيار مسار التخفيض المباشر للانبعاثات كبديل أساسي، هذا التوجه يتعارض مع أبسط مبادئ السياسات المناخية الرشيدة، التي تضع التخفيض أولًا والتعويض كخيار أخير، لا كالتزام إجباري، كما أن فرض الشراء القسري يقوض الحوافز الاستثمارية في الاستثمار فى كفاءة الطاقة والتحول منخفض الكربون والطاقة المتجددة وغيرها من المشروعات التى لها انعكاس ايجابى على الاقتصاد وتحقق خفض حقيقيى للإنبعاثات والامر فى هذا الشكل يعتبر بمثابة ضريبة سيقع عبئها فى النهاية على المستهلك النهائى او المستفيد النهائى من التعامل مع هذه النوعية من الشركات.
ثالثًا، يفترض القرار – دون سند واقعي – أن سوق الكربون المصري بات جاهزًا لاستيعاب طلب إلزامي واسع النطاق، في حين أن السوق لا يزال في مرحلة التأسيس، ويفتقر حتى الآن إلى العمق والسيولة وتنوع المشروعات المؤهلة لإصدار شهادات عالية النزاهة البيئية، إن فرض الطلب قبل اكتمال العرض المؤسسي يعرض الشركات لمخاطر تسعير غير عادل، ويقوض الثقة في السوق الوليد بدلًا من دعمها.
الأكثر خطورة هو ما يفهم من القرار من تقييد غير مبرر لحرية الشركات في اختيار أسواق الكربون، بما قد يرقى إلى إجبار غير مباشر على الشراء من منصة محلية محددة، وما يترتب على ذلك من عمولات ورسوم إضافية، هذا التوجه يتجاهل وجود أسواق دولية طوعية معترف بها عالميًا، تتيح للشركات شراء شهادات معتمدة دون أعباء مالية أو تنظيمية إضافية، ودون تحميلها تكلفة بناء سوق لم يكتمل نضجه بعد.
إن بناء سوق كربون وطني قوي لا يتم عبر الإلزام القسري، بل عبر الثقة، والجاهزية المؤسسية، والتدرج التنظيمي ، ومن ثم، فإن الإبقاء على القرار بصيغته الحالية لا يخدم الهدف البيئي المعلن، بل يهدد بتحويل الالتزام المناخي إلى عبء تنظيمي واقتصادي، ويستوجب مراجعة عاجلة وشاملة.


.jpg)













.jpeg)





.jpg)

