منتدى دافوس.. هل تجد القوى العظمى حلولاً لمشكلات الأقاليم؟
انطلقت فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، وسط توقعات بأن تشهد النسخة الحالية مواجهات سياسية واقتصادية حادة بين القوى العالمية الكبرى، إذ تجتمع الصين وأمريكا وأوروبا تحت شعار «روح الحوار» في محاولة لرسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وتقود بكين وفدًا رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس الوزراء هي ليفنج الذي سيشارك في الفعاليات حتى 22 يناير، حسبما كشفت شبكة «سي إن بي سي».
وتراهن الصين على تقديم نفسها كقوة مستقرة قادرة على دفع عجلة الاقتصاد العالمي، في ظل حالة عدم اليقين والنمو الضعيف الذي يعاني منه العالم، وتتمحور الإستراتيجية الصينية حول عدة ركائز أساسية، أبرزها الدعوة لاقتصاد عالمي منفتح وشامل ومَرِن، مع التحذير من مخاطر الأحادية القطبية والتفتُّت الاقتصادي، وتطرح بكين رؤيتها لمجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية كبديل مباشر للنماذج القائمة على الهيمنة الأحادية، وفق ما نقلته وسائل إعلام صينية رسمية، كم تعزز الصين هذه الرؤية من خلال لقاءات مع مسؤولين سويسريين للاحتفال بالذكرى العاشرة لشراكتهما الإستراتيجية.
وتضع بكين دول الجنوب العالمي في قلب إستراتيجيتها، إذ تُقدِّم نفسها كشريك إستراتيجي للدول النامية عبر مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الحزام والطريق، مساعدةً إياها على مقاومة الضغوط الاقتصادية الغربية وتحقيق الاستقلال التكنولوجي والتنموي، وفقًا لما أكده مسؤولون صينيون في تصريحات نقلتها عدة منابر إعلامية، أما في المجال المالي والرقمي، من المتوقع أن تشهد 2026 توسعًا كبيرًا في تدويل اليوان الرقمي، خاصةً عبر منصة mBridge. وتهدف بكين، من خلال هذه الخطوة، إلى توفير قنوات تسوية بديلة تقلل الاعتماد العالمي على الأنظمة المالية المُهيمِن عليها الدولار الأمريكي، وهو ما قد يشكِّل ثقلًا موازنًا للعقوبات والضغوط الاقتصادية، بحسب محللين استشهدت بهم «سي إن بي سي».
وتشير التقديرات، التي ستُعرض في دافوس، إلى أن الصين وحدها تساهم بنسبة مذهلة تبلغ 22.6% من النمو الاقتصادي العالمي في 2026، وتضع هذه الهيمنة الاقتصادية الضخمة، إلى جانب التعاون مع قوى صاعدة مثل الهند وإندونيسيا، الصين في موقع قوي للمساعدة في صياغة قواعد اقتصادية دولية جديدة، كما ستُبرِز بكين قيادتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم، مع تأكيد ضرورة التعاون الدولي لمنع الاحتكارات الغربية في هذه القطاعات التي تحدد ملامح المستقبل، لكن الصين ليست اللاعب الوحيد الذي سيثير الجدل في دافوس، إذ سيتحول المنتدى إلى ساحة غير متوقعة لصراع سياسي أمريكي داخلي بين الرئيس دونالد ترامب وحاكم كاليفورنيا جافن نيوسوم.
نيوسوم، الذي طالما انتقده خصومه بوصفه ديمقراطي دافوس المنفصل عن الواقع؛ نظرًا لحضوره المتكرر للمنتدى أثناء توليه منصب عمدة سان فرانسيسكو، أعلن عودته إلى المنتجع الألبي بمهمة واضحة: توجيه انتقادات لاذعة لأجندة ترامب الاقتصادية وتقديم نفسه كبديل ديمقراطي موثوق على الساحة العالمية، وبحسب موقع «بيزنس إنسايدر» فإن إستراتيجية "نيوسوم" تتعلق بالمظهر بقدر ما تتعلق بالجوهر.
وأشارت سالي سوسمان، جامعة التبرعات الديمقراطية المخضرمة، إلى أن "وصول نيوسوم إلى دافوس يؤكد رغبته في أن يُنظر إليه كزعيم للحزب الديمقراطي والشخص المفضل لقادة العالم الباحثين عن بديل للرئيس ترامب، ةلم يتردد نيوسوم في التصريح بنواياه قائلًا: «الأجندة الاقتصادية لترامب خيانة لأمتنا.. إنها ليست أمريكا أولًا بل ترامب أولًا، تكافئ المفضلين، وتُعاقب المعارضين، وتُثقِل كاهل البقيّة».
وتعهَّد بالمواجهة الحازمة لهذه التجاوزات والدفاع الصارم عن المبادئ التي تدين لها كاليفورنيا بقوتها الاقتصادية، وهي الحوكمة المنضبطة، والجامعات الرائدة عالميًا، والابتكار اللامحدود، والانفتاح على الثقافات العالمية، ويلقي حضور ترامب المقرر، يوم الأربعاء 21 يناير، بظلاله الثقيلة على الفعاليات، فقد دخل الرئيس الأمريكي إلى دافوس بعد أن صدم المجتمع الدولي في أوائل 2026 بسلسلة من الإجراءات التي تحدَّت التحالفات والأعراف الراسخة، حسبما ذكرت «سي إن بي سي».
وأثار تهديده بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول الأوروبية، التي لم تدعم مساعيه تجاه جرينلاند، إدانات حادة من بروكسل وباريس وكوبنهاجن ونوك، وكثَّفت هذه الخطوة من حدة التوتر فيما كان يتشكَّل بالفعل كأسبوع متوتر في جبال الألب، إذ يستعد القادة الأوروبيون للدفاع عن أهمية حلف الناتو الذي يواجه الآن أخطر تحدياته منذ تأسيسه، ومن المتوقع أن تتصدر رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني المسرح في اليوم الأول الكامل للمنتدى، إذ سيحثون على الحفاظ على الناتو ويحذِّرون من مخاطر تصعيد المواجهات الاقتصادية الجيوسياسية بحسب ما تشير «بوليتيكو».
كما يضيف احتمال انعقاد قمة مجموعة السبع على الهامش لمناقشة اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا طبقة أخرى من التعقيد الدبلوماسي، وعلى الصعيد الاقتصادي، يجد قادة الأعمال الذين لديهم مصالح كبيرة في الصين، مثل جنسن هوانج الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، أنفسهم في مواجهة مشهد تجاري متزايد التسييس، إذ يتعيَّن عليهم التنقل بحذر بين التوترات التجارية والتحالفات المتغيّرة.
وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أنه بالنسبة لمن حضروا دافوس على مر السنين، تبدو قمة هذا العام مختلفة من حيث الحدة وعدم القدرة على التنبؤ، وكما لاحظت إحدى الصحفيات المخضرمات في شبكة «سي إن بي سي» "الجميع لديه رأي حول هذا الاجتماع، لكن شيئًا واحدًا صحيح، إنه لا يخلو أبدًا من الإثارة، وتُنبّيء نسخة 2026 بهذه النقطة بامتياز، إذ تتصارع نخب العالم مع تحديات تتراوح من مستقبل الرأسمالية والحوكمة العالمية إلى استقرار التحالفات واستقلالية المؤسسات الرئيسية.


.jpg)

.png)





.jpg)
.jpeg)


