من الوحدة العربية إلى ساحات الانقسام: استراتيجية الإمارات الجديدة في المنطقة
ظل مفهوم الوحدة العربية رمزًا لتعزيز التضامن بين الأقطار العربية، وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من أبرز داعميه. لكن اليوم في اليمن الجنوبي، تحوّلت الاستراتيجية الإماراتية من دعم الوحدة إلى استثمار نفوذها عبر دعم قوى محلية وتغذية الانفصال.
واتخذت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي وسيلة لتوسيع نفوذها، خصوصًا في حضرموت والمهرة، وأعلن المجلس المدعوم إماراتياً نيته إجراء استفتاء مستقل للجنوب خلال عامين، ما يعكس رغبة في تقسيم اليمن إلى دولتين. ويعتبر محللون أن دعم الإمارات جزء من استراتيجية إقليمية أوسع للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية، خاصة مضيق باب المندب ومناطق الثروة النفطية، وضمان موطئ قدم قوي مع وضع مصالحها الأمنية والاقتصادية فوق أي اعتبار آخر.
أثارت هذه الاستراتيجية توتّرًا مع السعودية، الحليف التقليدي الذي يدعم وحدة اليمن، وبلغ ذروته حين شنت الرياض غارات على مواقع المجلس الانتقالي في حضرموت، وأمرت بانسحاب القوات الإماراتية، ما دفع أبوظبي لإعلان سحب قواتها.
ولكن إعلان السحب يكشف عمق الخلاف داخل التحالف العربي، وحوّل دور الإمارات من التدخل العسكري المباشر إلى النفوذ عبر وكلاء محليين، مع استمرار نفوذها فالمجلس الانتقالي والتشكيلات المسلحة المدعومة إماراتيًا ما زالت فاعلة.
وفي هذا السياق، أكد الخبير السياسي اليمني أحمد الزرقه أن :"الإمارات تستخدم الملف اليمني كأداة ضغط إقليمي ضد الرياض إذ أن أي مواجهة سعودية مع المجلس الانتقالي في حضرموت أو المهرة قد تفتح جبهة جديدة قرب حدودها، وهو سيناريو خطير".كما أضاف أن ما تشهده حضرموت زلزال سياسي واجتماعي يكشف هشاشة الحكومة الشرعية، وأن توسع المجلس في الوادي والصحراء أحرج السعودية بعد تجاوزه خطوطًا أمنية وسياسية حساسة.
وأوضح الزرقا أن :"العلاقة بين الرياض وأبوظبي تقوم على تفاهم لإدارة اليمن كساحة نفوذ، إلا أن الخلاف يتركز على آليات التنفيذ وتوزيع النفوذ". ولفت إلى أن الإمارات فرضت أجندتها الميدانية تحت شعار "مكافحة الإخوان المسلمين"، الذي أصبح غطاء لتشكيلات مسلحة موازية للدولة.
وبذلك فإن الحرب في اليمن ليست فقط صراعًا محليًا بل ساحة لصراع نفوذ إقليمي، وساحة اختبار للتوازنات بين القوى الخليجية نفسها.
وتنتهج الإمارات نفس الاستراتيجية في إثيوبيا والقرن الأفريقي، حيث تبني تحالفات مع قوى محلية في مناطق مثل تيغراي وعفر، ما يمنحها القدرة على السيطرة على ممرات بحرية وتجارية استراتيجية دون مواجهة مباشرة مع الحكومة المركزية. كما تدعم الإمارات حركات محلية في الصومال الساحلي مثل مقديشو وبربرة لتعزيز نفوذها البحري، وتدعم أيضاً فصائل في ليبيا لتعزيز موطئ قدم سياسي وعسكري بما يتيح لها التحكم في خطوط التصدير دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة المركزية أو الانخراط في حرب شاملة.
توفر هذه السياسة لأبوظبي أدوات ضغط إقليمية قوية، ويظهر بوضوح أن دعم الإمارات للحركات الانفصالية جزء من خطة استراتيجية طويلة المدى تعتمد علي النفوذ الخفي والدعم المحلي لتعزيز نفوذها الإقليمي والحفاظ على مصالحها الحيوية بعيدًا عن التكلفة المباشرة للصراعات.


.jpg)

.png)













.jpeg)


.jpg)



