وزارة الداخلية تُوجّه ضربات حاسمة للإرهاب.. و”حسم” توضح يقظة أمنية تُرسّخ الاستقرار رغم اضطرابات الإقليم

في وقتٍ تتصاعد فيه التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتتزايد فيه التحديات الأمنية على المستويين الإقليمي والدولي، تواصل الدولة المصرية جهودها المكثفة في مواجهة التنظيمات الإرهابية، عبر استراتيجية تعتمد على الضربات الاستباقية والرصد الدقيق والتحرك السريع.

وفي هذا الإطار، أجرت “النهار” تحقيقًا موسعًا مع اللواء دكتور "نبيل محمود"، أستاذ القانون الجنائي بكلية الشرطة، للوقوف على طبيعة هذه التنظيمات، وتحولاتها، وآليات تمويلها، فضلًا عن الإطار القانوني الحاكم لمواجهتها.
نشأة التنظيمات المتطرفة وتفرعاتها
في بداية حديثه، أكد اللواء نبيل محمود أن الجماعات الإرهابية، على اختلاف مسمياتها، تعتمد في وجودها واستمرارها على تنفيذ الأعمال العدائية، مشيرًا إلى أن العديد من هذه التنظيمات نشأت نتيجة انشقاقات داخل كيانات أكبر، حيث تتبنى العناصر المنشقة أفكارًا أكثر تطرفًا، وتلجأ إلى العنف كوسيلة أساسية لفرض رؤيتها.
وأوضح أن بعض هذه الكيانات سعت في فترات سابقة إلى الظهور في صورة جماعات دعوية، إلا أن الواقع كشف عن وجود أجنحة داخلية تتولى تنفيذ العمليات العدائية، فيما يعرف بالتنظيمات الخاصة أو المجموعات النوعية.
وأضاف أن هذه الانقسامات أدت إلى ظهور مجموعات تتبنى العمل المسلح بشكل مباشر، رافضة أي مسارات سلمية، وهو ما انعكس في استهدافها لمؤسسات الدولة ورموزها.
"حسم".. نموذج للتنظيمات المسلحة المنبثقة
وتطرق اللواء نبيل محمود إلى ما يُعرف بحركة "حسم"، موضحًا أنها تمثل نموذجًا لمجموعة تبنت العمل المسلح بشكل صريح، بعد أن اختارت الانفصال عن الأطر التنظيمية التقليدية، واتجهت إلى تنفيذ عمليات تستهدف قيادات أمنية وشخصيات عامة.
وأشار إلى أن هذه المجموعة اعتمدت على تتبع الشخصيات المستهدفة ورصد تحركاتها، في محاولة لتنفيذ عمليات اغتيال أو هجمات نوعية، لافتًا إلى أن بعضها نجح في تنفيذ عمليات، بينما فشلت محاولات أخرى بفضل يقظة الأجهزة الأمنية.
كما أكد أن الضربات التي تلقتها هذه العناصر مؤخرًا تعكس قدرة الدولة على التعامل الحاسم مع مثل هذه التهديدات، وأن سقوط عناصر منها في مواجهات أمنية يمثل رسالة واضحة بأن الدولة قادرة على الردع.
التمويل الخارجي.. شريان البقاء
وفيما يتعلق بمصادر التمويل، أوضح أن العناصر الهاربة خارج البلاد تمثل أحد أهم مصادر الدعم المالي لهذه التنظيمات، سواء من خلال أفراد لديهم قدرات مالية كبيرة، أو من خلال شبكات دعم قائمة على التعاطف الفكري.
وأضاف أن بعض هذه العناصر تورطت في نزاعات مالية فيما بينها، وصلت إلى اتهامات متبادلة بالاستيلاء على أموال بمبالغ ضخمة، ما يعكس حجم التدفقات المالية التي كانت تُدار داخل هذه الشبكات.
وأكد أن مواجهة هذا النوع من التمويل يتطلب تعاونًا دوليًا واسع النطاق، نظرًا لتشعب مساراته وتداخله مع أنشطة اقتصادية مختلفة.
تفكيك الخلايا.. من الرصد إلى الاعتراف
وأشار اللواء نبيل محمود إلى أن الأجهزة الأمنية المصرية تعتمد على منظومة متكاملة من جمع المعلومات وتحليلها، ما يمكّنها من كشف المخططات الإرهابية قبل تنفيذها.
وأوضح أن ضبط العناصر المتورطة لا يقتصر على إحباط العمليات، بل يمتد إلى الحصول على اعترافات تفصيلية تكشف عن الهيكل التنظيمي، وخطط التحرك، ووسائل التجنيد.
ولفت إلى أن عددًا من العناصر التي تم ضبطها أقرت بانخداعها بأفكار سطحية، وأنها تعرضت لتوجيهات ممنهجة دون إدراك حقيقي لطبيعة ما تنخرط فيه، مؤكدًا أن غياب الوعي والفهم الصحيح يسهم في استقطاب الشباب لهذه التنظيمات.
الوعي المجتمعي.. خط الدفاع الأول
وشدد على أن المواجهة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى البعد الفكري، حيث تلعب التوعية دورًا محوريًا في منع انتشار الأفكار المتطرفة.
وأوضح أن بعض المنضمين لهذه الجماعات يعتمدون على تفسيرات سطحية للنصوص، دون فهم عميق للسياقات الدينية أو السياسية، ما يجعلهم فريسة سهلة للاستقطاب.
الإطار القانوني.. ملاحقة بلا حدود
وعن الجانب القانوني، أكد اللواء نبيل محمود أن قانون العقوبات المصري يطبق على أي جريمة تقع داخل الإقليم المصري، حتى وإن تم التخطيط أو التمويل من خارج البلاد.
وأشار إلى أن الدولة تمتلك آليات قانونية فعالة لملاحقة العناصر الهاربة، من خلال التعاون مع المنظمات الدولية، وعلى رأسها الإنتربول، إلى جانب اتفاقيات تسليم المجرمين.
وأضاف أنه يمكن إصدار مذكرات ضبط وإحضار دولية، ومخاطبة الجهات القضائية في الدول الأخرى، بما يتيح استعادة المتهمين أو استكمال التحقيقات معهم وفق الأطر القانونية.
رسالة طمأنة.. مصر آمنة رغم التحديات
واختتم اللواء نبيل محمود حديثه بالتأكيد على أن الضربات الأمنية الأخيرة تعكس بوضوح كفاءة الدولة المصرية في حماية أمنها القومي، مشددًا على أن ما تحقق هو نتيجة عمل مؤسسي متكامل يجمع بين الرصد الأمني، والتحليل الدقيق، والتطبيق الحازم للقانون.
وأكد أن مصر ستظل واحة للأمن والاستقرار، رغم ما تشهده المنطقة من اضطرابات، بفضل تماسك مؤسساتها ويقظة أجهزتها، داعيًا المواطنين إلى التمسك بالوعي وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الدعوات الهدامة.

