اللواء سعيد رمضان لـ «النهار»: تجار المخدرات قديمًا استعانوا بـ«الناضورجية».. واليوم يقودون شبكاتهم من السيارات الفارهة
- الكوكايين بدأ بـ 2000 جنيه للجرام.. والهيروين توغل مع "الانفتاح" ووصل إلى الأوساط الشعبية.
- أزمة الحشيش اللبناني في التسعينات خلقت "طوابير الكيف" وأنجبت "البانجو" و"الشقفة المغربية".
- عصابات الأمس اعتمدت على "المسجلين والناضورجية".. وتجار اليوم طلاب جامعيين ورجال أعمال
- ألغيت مأمورية لضبط تاجر لحماية "مرشد سري".. والمخدرات اليوم تخلط بـ "سم الفئران".
- طالب "الجامعة البريطانية" انتحر بعد "وهم التعافي".. والروشتة للآباء: "صاحبوا أولادكم"
من الحشيش والأفيون اللذين تصدّرا مشهد المخدرات في مصر لعقود، إلى الهيروين الذي خرج من دوائر الأثرياء ليصل إلى الأوساط الشعبية، وصولًا إلى المخدرات المصنعة كيميائيًا وشبكات الترويج التي انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني؛ لم تتوقف خريطة المخدرات في مصر عن التحول، سواء في طبيعة المواد المتداولة أو الفئات التي تستهدفها شبكات الاتجار وأساليب الوصول إليها.
وعلى مدار سنوات عمله في قطاع مكافحة المخدرات، عاصر اللواء سعيد رمضان، مساعد مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات الأسبق، تحولات هذا العالم من الداخل؛ بدءًا من أنماط التعاطي والتجارة في ثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بتغير مصادر الحشيش وظهور العقاقير المخدرة، وصولًا إلى انتشار المواد المصنعة وتطور أساليب الترويج.
يستعيد اللواء سعيد رمضان في هذا الحوار مع "النهار" أبرز المواجهات الأمنية التي خاضها، وكواليس ملاحقة بؤر الاتجار بالمخدرات في القليوبية، والتحديات التي تواجه جهود المكافحة، ورؤيته لسبل الوقاية من الإدمان، وإلى نص الحوار:
كيف تطورت خريطة المخدرات في مصر منذ ثمانينيات القرن الماضي؟ وما أبرز التحولات التي شهدتها أنواع المواد المخدرة والفئات التي كانت تتعاطاها؟
خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، كان الحشيش والأفيون يتربعان على عرش المخدرات الأكثر انتشارًا في مصر. أما الكوكايين، فكان يُهرب إلى البلاد من الخارج، لكنه لم يكن متاحًا للعامة، بل اقتصر انتشاره على الأوساط الاجتماعية الراقية، وكان يُعرف آنذاك بمخدر «أولاد الذوات».
وكان سعر جرام الكوكايين يتجاوز 2000 جنيه في ذلك الوقت، وهو مبلغ ضخم قياسًا بتلك الفترة، ما جعله بعيدًا عن متناول الطبقات الشعبية والمتوسطة.
كيف يمكن تصنيف المخدرات من الناحية العلمية؟ وما أبرز مصادرها الطبيعية؟
تنقسم المخدرات، وفقًا للتصنيف العلمي الذي تعتمده أجهزة المكافحة، إلى مواد ذات أصل طبيعي تُستخرج مباشرة من النباتات، ومواد نصف تخليقية تخضع لعمليات كيميائية معينة بعد استخلاصها من النبات، مثل الهيروين والمورفين اللذين يُصنعان كيميائيًا من الأفيون.
ويمكن إرجاع أبرز مصادر المخدرات الطبيعية في العالم إلى ما أسميه «الأشجار الأربع». أولها شجرة القنب الهندي، التي يُستخرج منها مخدر الحشيش، وتُنتج منها لاحقًا مواد أخرى مثل البانجو والماريجوانا.
أما الشجرة الثانية فهي زهرة الخشخاش، التي يُستخرج منها الأفيون. وتتمثل الشجرة الثالثة في أوراق الكوكا، التي تُزرع في عدد من دول أمريكا اللاتينية، أبرزها كولومبيا وبيرو وبوليفيا والإكوادور ويقوم المهربون بجمع أوراق الكوكا وتحويلها إلى ما يُعرف بـ«عجينة الكوكا»، التي تُستخدم لاحقًا في تصنيع واستخراج مخدر الكوكايين.
أما الشجرة الرابعة والأخيرة فهي نبتة القات، التي تنتشر بكثافة في اليمن، وتمثل تحديًا ثقافيًا كبيرًا، إذ يرفض قطاع من اليمنيين تصنيفها باعتبارها مخدرًا، وينظرون إليها باعتبارها جزءًا من تراثهم الشعبي وموروثهم الاجتماعي، وتحضر في المناسبات والأفراح من خلال ما يُعرف بـ«تخزين القات».
متى بدأ الهيروين في الانتشار داخل الشارع المصري؟ وما العوامل التي ساعدت على عودته وانتشاره خلال فترة الثمانينيات؟
الهيروين كان موجودًا بالفعل في مصر خلال عشرينيات القرن الماضي، لكنه كان مقتصرًا على الطبقات الراقية، ثم اختفى تمامًا من المشهد المصري لعقود طويلة، قبل أن يعود بقوة خلال فترة الثمانينيات، بالتزامن مع ما عُرف بفترة الانفتاح الاقتصادي.
وشهدت تلك الفترة سفر أعداد كبيرة من المصريين للعمل في دول الخليج، وحقق بعضهم أموالًا طائلة، وهو ما جعل كثيرين منهم فريسة سهلة لتجار المخدرات، فسقطوا في فخ الإدمان.
بدأت عملي في قطاع مكافحة المخدرات أواخر عام 1987، ومن خلال متابعتي لهذا الملف، فإن انخفاض سعر الهيروين ارتبط بلجوء تجار المخدرات إلى خلطه بمواد أخرى لزيادة كميته، وهو ما أدى تدريجيًا إلى تراجع سعره، حتى أصبح في متناول الجميع، وانتشر بصورة واسعة داخل الأوساط الشعبية، ووصلنا إلى واقع أصبح فيه الهيروين متاحًا لشرائح واسعة من المجتمع.
ما أبرز المناطق والدول التي يأتي منها الهيروين الخام إلى مصر؟
الهيروين الخام يدخل إلى مصر من مناطق زراعته حول العالم، وتحديدًا من أفغانستان، ودول المثلث الذهبي، وهي بورما ولاوس وتايلاند، بالإضافة إلى إيران وباكستان، وهي من الدول التي تُزرع فيها نبتة الأفيون التي يُستخلص منها الهيروين.
كيف تغيرت خريطة الحشيش في مصر خلال فترة التسعينات؟ وما أسباب تراجع الحشيش اللبناني وظهور أنواع جديدة في السوق؟
ظل لبنان لعقود طويلة المصدر الرئيسي للحشيش الذي يدخل مصر، وكان المتعاطي المصري معتادًا على نمط معين من الحشيش اللبناني، يتميز بلونه المائل إلى الاصفرار وقوامه الطري الذي يسهل تقطيعه.
لكن مع بداية التسعينات، شهدت هذه الخريطة تغيرًا كبيرًا، بعدما عُقدت اتفاقيات دولية بين الأمم المتحدة والدولة اللبنانية، حصلت بموجبها لبنان على معونات وتسهيلات مقابل القضاء على تجارة الحشيش، وهو ما أدى إلى انقطاع خط التهريب من لبنان إلى مصر.
وتزامن ذلك مع الضربات الأمنية المكثفة التي وجهتها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات إلى شبكات الاتجار، ما تسبب في أزمة حادة داخل سوق المخدرات المصري، وصلت إلى حد اصطفاف المتعاطين في طوابير، تشبه طوابير الخبز والسجائر، بمجرد انتشار خبر امتلاك أحد التجار كمية من الحشيش.
هل أسهمت أزمة الحشيش اللبناني في ظهور أنواع جديدة من المخدرات في الشارع المصري؟
بالتأكيد، فهذه الأزمة كانت سببًا مباشرًا في ظهور مخدر البانجو في الشارع المصري مع بداية التسعينات، وهو أحد أشكال القنب الهندي، ولم يكن معروفًا بهذا الانتشار من قبل.
وفي منتصف التسعينات ونهايتها، ظهر الحشيش المغربي ليملأ جانبًا من الفراغ الذي تركه الحشيش اللبناني، لكنه واجه في البداية صعوبة في تقبله من جانب المتعاطين المصريين؛ لاختلاف خصائصه عن النمط المعتاد، إذ كان أسود اللون وذا قوام صلب وجاف، على عكس الحشيش اللبناني الطري.
ونتيجة لصعوبة تقطيعه، كان التجار يكسرونه إلى قطع غير منتظمة، ومن هنا أطلق عليه المتعاطون اسم «الشقفة»، وكان يدخل إلى مصر عبر الحدود الغربية، من خلال مطروح ثم الإسكندرية.
كيف تطورت خريطة المخدرات في مصر من الحشيش والمواد النباتية إلى الحبوب والمخدرات المصنعة؟
شهدت فترة التسعينات بداية انتشار الحبوب والمخدرات المصنعة كيميائيًا في مصر، ومن أبرزها عقار «الروهيبنول» (Rohypnol)، الذي اشتهر في الشارع المصري باسم «أبو صليبة»، نسبة إلى علامة الصليب المحفورة عليه.
وزاد انتشار هذا العقار بصورة ملحوظة، خاصة بعد تطهير منطقة الباطنية من تجار الحشيش، إذ ظهرت فئة جديدة من المتاجرين في المخدرات المصنعة كيميائيًا، وبدأوا الانتقال إلى مناطق شعبية ذات كثافة سكانية مرتفعة، مثل إمبابة.
ونظرًا لخطورة العقار، تدخلت الدولة وأُدرج ضمن جدول أول المخدرات، بما يجعل حيازته جريمة جنائية جسيمة وفقًا للتصنيف القانوني، ومع تشديد العقوبات وتكثيف الرقابة الأمنية، بدأ انتشاره في الانحسار تدريجيًا حتى اختفى من الشارع.
هل ظهرت أنواع أخرى من العقاقير المخدرة خلال تلك الفترة؟
نعم، ظهر عقار قوي يُعرف باسم «السيكونال» (Seconal)، وأُطلق عليه شعبيًا اسم «الفراولة» بسبب لونه الأحمر. وكان مرتفع الثمن، ولم يستمر انتشاره فترة طويلة، وبالتزامن مع ذلك ظهرت طوابع الهلوسة (LSD)، التي كانت تُستخدم عن طريق وضعها على الجلد وامتصاص المادة الفعالة من خلالها.
ما أبرز التحولات التي شهدها سوق المخدرات في مصر خلال السنوات الأخيرة؟
التحول الأخطر يتمثل في الانتقال إلى عصر المخدرات المصنعة بالكامل، مثل الكريستال ميث المعروف باسم «الشابو»، والآيس (الميثامفيتامين)، فضلًا عن ظهور مواد جديدة تُباع في الشارع تحت مسمى «البودر».
وهنا تكمن الخطورة في طبيعة المواد الداخلة في تركيب هذه المخدرات؛ إذ تشير المعلومات المتداولة إلى استخدام مواد كيميائية مستوردة، ثم خلطها بمواد مختلفة، من بينها مساحيق ومنتجات أخرى، مع إضافة مركبات شديدة الخطورة، مثل المبيدات الحشرية وسم الفئران، لتكوين مادة نهائية تُباع في صورة قطع صغيرة.
ويمكن أن يصل حجم القطعة الواحدة إلى حجم حبة العدس، ويُتداول أن سعرها يبلغ نحو 50 جنيهًا، وتُستخدم بإضافتها إلى السجائر، بما قد يؤدي إلى تأثيرات شديدة الخطورة، تشمل الهلوسة واضطرابات الجهاز العصبي وتلف خلايا المخ.
كيف تطورت أساليب ترويج المخدرات في مصر؟ وما أبرز الاختلافات بين شبكات الاتجار قديمًا وحديثًا؟
الاختلاف بين الماضي والحاضر جذري وشامل. قديمًا، كان نظام الاتجار بالمخدرات يعتمد على التاجر التقليدي، أو ما يُعرف بـ«المعلم»، الذي يتمركز في بؤر إجرامية محددة، مثل منطقة الباطنية، ويستعين بالمسجلين خطر و«الناضورجية» الذين يتولون مراقبة الشوارع وإطلاق الصفارات لتحذير التاجر من اقتراب قوات الشرطة.
أما اليوم، فقد ظهرت فئة مختلفة تمامًا من المتاجرين، تضم أشخاصًا متعلمين ومثقفين وطلابًا بالجامعات، بعضهم من كليات القمة. وتكمن الصعوبة الأمنية في أن هؤلاء لا يملكون سجلات جنائية سابقة، ولم يسبق ضبطهم، ما يجعل اكتشاف نشاطهم أكثر تعقيدًا.
والأخطر أن بعضهم انتقل إلى العيش في أرقى الأحياء، وأصبح الموزع يستخدم سيارة فارهة للقاء المتعاطين بالقرب من الأندية والمناطق الراقية. كما ظهرت فئة أخرى تتخذ من الأنشطة التجارية وواجهة رجال الأعمال، مثل معارض السيارات والمشروعات التجارية، ستارًا لإخفاء أنشطتها غير المشروعة وغسل أموال تجارة المخدرات.
هل انتقل ترويج المخدرات أيضًا إلى الفضاء الإلكتروني؟ وما الأدوات التي تستخدمها الشبكات الحديثة للوصول إلى المتعاطين؟
نعم، شهدت أساليب الترويج تطورًا كبيرًا، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى استخدام مجموعات «واتساب» وتطبيق «تليجرام» وصفحات «فيسبوك» لاستقطاب الزبائن والتواصل معهم، ثم نقلهم إلى محادثات خاصة للاتفاق على تفاصيل التعامل.
ولم يتوقف الأمر عند وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى استغلال بعض شركات الشحن المحلية والدولية، ومنها شركة «DHL»، في توصيل المخدرات وإخفاء عمليات نقلها. وقد تمكنت الأجهزة الأمنية من كشف عدد من هذه الأساليب وضبط المتورطين فيها، من خلال عمليات التتبع والتحري.
ما أبرز المواجهات الميدانية التي خضتها خلال فترة توليك رئاسة مكافحة المخدرات بمحافظة القليوبية؟ ولماذا كانت المحافظة تمثل وضعًا استثنائيًا في خريطة تجارة المخدرات؟
توليت رئاسة مكافحة المخدرات بمحافظة القليوبية خلال الفترة من 2007 إلى 2009، وكانت المحافظة تمثل وضعًا استثنائيًا في خريطة تجارة المخدرات، إذ تركزت المواجهات الأمنية خلالها على جبهتين رئيسيتين.
الجبهة الأولى كانت في مركز القناطر الخيرية، الذي اشتهر بتجارة الحشيش على مستوى الجملة والقطاعي، خاصة في قرى أبو الغيط والخرقانية. وكانت طبيعة قرية أبو الغيط، المتاخمة لنهر النيل، تمنح المروجين فرصة للهروب من الحملات الأمنية، إذ كانوا يقفزون إلى مياه النيل بمجرد وصول القوات لضبطهم.
أما الجبهة الثانية، والأكثر دموية، فكانت المنطقة التي أطلق عليها الإعلام اسم «المثلث الذهبي»، وتضم مجموعة من القرى المتلاصقة التي تحولت إلى بؤر لتجارة المخدرات وتخزين الهيروين، من بينها كوم السمن والحزانية والقشيش والجعافرة، إلى جانب قريتي نوى وعزبة الجزار.
وكانت هذه المنطقة تستقبل متعاطين من مختلف محافظات الجمهورية، يتوافدون عبر مدخل يُعرف باسم «فتحة يمن» لشراء المخدرات.
كيف تعاملت وزارة الداخلية مع بؤر تجارة المخدرات في منطقة المثلث الذهبي؟ وهل كانت المواجهات الأمنية مكلفة؟
وضعت وزارة الداخلية حدًا لنشاط هذه العصابات من خلال حملات أمنية مكبرة استهدفت ضبط الخارجين عن القانون وتفكيك شبكات تجارة المخدرات في تلك المناطق، لكن المواجهات كانت باهظة الثمن، إذ أسفرت عن استشهاد عدد من رجال الشرطة، من بينهم الملازم أول محمد ناجي الشماشرجي، والنقيب أحمد عبد اللطيف سليمان، من قطاع الأمن المركزي، فضلًا عن إصابة عدد من ضباط البحث الجنائي.
وخلال هذه المواجهات، نجحت الأجهزة الأمنية في إسقاط عدد من كبار تجار المخدرات، من بينهم أمين موسى وكوريا ومحمود أبو حسن.
من بين هؤلاء التجار، ما قصة محمود أبو حسن؟ وكيف تحول من لص صغير إلى أحد أخطر تجار المخدرات في القليوبية؟
تعكس قصة محمود أبو حسن حجم التحول الذي يمكن أن تشهده حياة بعض العناصر الإجرامية بفعل أموال تجارة المخدرات، إذ بدأ نشاطه الإجرامي لصًا صغيرًا، وكان يُطلق عليه شعبيًا لقب «حرامي فراخ»، قبل أن يتجه إلى تجارة المخدرات طمعًا في تحقيق مكاسب مالية أكبر.
بدأ بجلب كميات من مخدر البودرة وخلطها وبيعها للمتعاطين، ومع تضخم ثروته أدرك أهمية امتلاك السلاح لفرض سيطرته وحماية نشاطه الإجرامي. وفي البداية، لم يكن يمتلك ثمن بندقية آلية، فكان يلجأ إلى استئجارها مقابل دفع أجرة استخدامها، قبل أن تتوسع إمكاناته المالية ويصبح قادرًا على شراء أسلحة متنوعة.
ومع مرور الوقت، تحول إلى ممارسة البلطجة وفرض النفوذ باستخدام السلاح، ووصل به الأمر إلى إطلاق النار من بندقيته الآلية على قطار ركاب محلي كان يمر داخل منطقته، في محاولة لإرهاب المواطنين.
وانتهت مسيرته الإجرامية بعد خروج مأمورية أمنية مكبرة بالتعاون مع قوات الأمن المركزي، استهدفت مطاردته وتضييق الخناق عليه. وتتبعت القوات تحركاته حتى تمكنت من تحديد مكان اختبائه هو وأفراد عصابته داخل إحدى قرى وادي النطرون.
وجرت محاصرتهم هناك، لكن محمود أبو حسن رفض الاستسلام وبادر بإطلاق النار على القوات، فتم التعامل معه، وأسفرت المواجهة عن مقتله ومقتل أربعة من معاونيه، لتنتهي بذلك واحدة من أخطر المواجهات مع تجار المخدرات في محافظة القليوبية.
هل هناك مواقف تضطر فيها الأجهزة الأمنية إلى تأجيل مأمورية ضبط متهم حفاظًا على سلامة المصدر السري؟
بالتأكيد، فحماية المصدر السري التزام لا يمكن التفريط فيه، حتى لو تطلب الأمر تأجيل مأمورية أمنية مكتملة الأركان. وأتذكر موقفًا حدث أثناء التخطيط لضبط أحد تجار المخدرات في شبرا، حين أبلغني المصدر السري في اللحظات الأخيرة بأن التاجر لم يُطلع أحدًا على مكان وجود المخدرات سواه، وأن القبض عليه سيجعله عرضة لانتقام التاجر وعائلته، بعدما ينكشف دوره في إرشاد الشرطة إلى مكان المخدرات.
وقتها قررت إلغاء المأمورية، وطلبت من القوات التراجع، وقلت لهم: «بناقص المأمورية دي النهارده.. الحجر الداير لابد عن لطه». فالأولوية كانت الحفاظ على حياة المصدر، وليس تحقيق إنجاز أمني على حسابه.
وبالفعل، أُجلت عملية الضبط إلى وقت لاحق، حتى تمكنت الشرطة من ضبط التاجر في مأمورية أخرى، اعتمادًا على خيوط ومعلومات مختلفة، دون تعريض حياة المصدر السري للخطر.
هل يقتصر دور الإدارة العامة لمكافحة المخدرات على ضبط التجار وملاحقة شبكات الاتجار، أم يمتد إلى مواجهة الإدمان وعلاج المتعاطين؟
دور الإدارة لا يتوقف عند ضبط تجار المخدرات وملاحقة شبكات الاتجار، وإنما يعتمد على استراتيجية متكاملة تقوم على محورين؛ الأول هو «مكافحة العرض»، من خلال ضبط المتاجرين بالمخدرات وتجفيف منابع الترويج، والثاني هو «مكافحة الطلب»، عبر التوعية بمخاطر التعاطي ومساعدة المدمنين على تلقي العلاج.
قديمًا، كان التعامل مع المدمنين الراغبين في العلاج يتم من خلال إرسال خطاب رسمي مختوم من الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، يُسهّل دخولهم إلى المصحات الحكومية لتلقي العلاج بسرية، دون تعرضهم للملاحقة الجنائية بسبب طلبهم العلاج.
أما اليوم، فقد تطور هذا الدور من خلال إنشاء إدارة متخصصة للتوعية، تتولى النزول إلى المدارس والجامعات، وتقديم برامج توعوية للنشء والشباب بشأن أضرار المخدرات ومخاطر الوقوع في الإدمان.
وماذا عن مصحات علاج الإدمان غير المرخصة؟ وكيف تتعامل الأجهزة المعنية مع ما يُعرف بمراكز «بير السلم»؟
تمثل هذه المراكز مشكلة خطيرة، خاصة أن بعضها تحول إلى أوكار للنصب والابتزاز المالي، دون توفير الحد الأدنى من الاشتراطات الطبية اللازمة لعلاج الإدمان، وفي مقدمتها وجود أطباء نفسيين متخصصين.
ولهذا، تُشن حملات تفتيش على مراكز علاج الإدمان غير المرخصة، من خلال إدارة مكافحة السلائف والكيماويات، بالتعاون مع وزارة الصحة، للتأكد من التزامها بالاشتراطات القانونية والطبية، وضبط المراكز المخالفة التي تستغل معاناة الأسر وأوضاع المدمنين لتحقيق مكاسب مالية.
فعلاج الإدمان لا يمكن أن يتم بصورة عشوائية، بل يحتاج إلى إشراف طبي متخصص وبرنامج علاجي متكامل، بما يساعد المريض على التعافي ويحد من احتمالات الانتكاسة.
بعد سنوات طويلة من العمل في مكافحة المخدرات، كيف ترى طبيعة تجار المخدرات، خاصة فيما يتعلق بالمواد التي يخلطونها بالمخدرات لزيادة أرباحهم؟
تاجر المخدرات إنسان بلا ضمير، وإلهه الأكبر هو الربح. فهو لا يهتم بحياة المتعاطي أو ما يمكن أن يتعرض له من أضرار، وكل ما يشغله هو زيادة مكاسبه المالية، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح الشباب.
ورصدنا ممارسات شديدة الخطورة، من بينها خلط المخدرات بمواد سامة، مثل سم الفئران والمبيدات الحشرية، لزيادة وزنها ومضاعفة الأرباح، دون أي اعتبار للعواقب الصحية القاتلة التي قد تترتب على ذلك.
وشاهدت بنفسي نتائج هذه الممارسات، من خلال العثور على جثث شباب ملقاة في الترع والمصارف، بعدما تعرضوا لجرعات سامة من تلك المواد.
هل هناك حالات إنسانية لا تزال عالقة في ذاكرتك، وتكشف حجم المأساة التي يمكن أن يصل إليها الإدمان؟
أتذكر بأسى شديد واقعة طالب بالجامعة البريطانية، جرى ضبطه بعدما غرق في الإدمان، وبعد خروجه، اعتقدت أسرته أنه تعافى تمامًا، لكن الانتكاسة عادت إليه بعد فترة قصيرة، ولم يستطع تحمل العبء النفسي الذي مر به، وانتهى به الأمر إلى الانتحار.
هذه الواقعة تؤكد أن الإدمان لا ينتهي بمجرد خروج الشخص من المصحة أو توقفه عن التعاطي لفترة، وإنما يحتاج إلى متابعة ودعم نفسي مستمرين، إلى جانب العلاج المتخصص، حتى لا يتعرض المريض للانتكاسة مجددًا.
ما النصيحة التي توجهها للآباء والأمهات لحماية أبنائهم من الوقوع في دائرة الإدمان؟
الوعي والتواصل المستمر هما جدار الحماية الأول للأبناء. ونصيحتي للآباء والأمهات في كلمتين: «صاحِبوا أولادكم».
اقتربوا منهم، وتحدثوا معهم بصراحة عن مخاطر المخدرات وتأثيرها المدمر على الدماغ والحياة، واعرفوا أصدقاءهم، وتابعوا الأماكن التي يذهبون إليها والأشخاص الذين يقضون أوقاتهم معهم.
لا تتنازلوا عن حقكم في متابعة أبنائكم والاطمئنان عليهم، ولا تحزنوا من غضبهم أو تذمرهم بسبب اهتمامكم الزائد. فغضب الأبناء اليوم من رقابة آبائهم أهون ألف مرة من ضياعهم غدًا في ظلمات السجون أو مقابر الموت المبكر.






.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)






