النهار
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 08:00 مـ 16 جمادى أول 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
محافظ كفر الشيخ يتفقد احتفالات مولد سيدي إبراهيم الدسوقي ويتابع الخدمات المقدمة للزائرين محافظ بني سويف يتابع علاج مصابي حادث الأتوبيس ويعزي أسرتي الضحيتين اعتماد كليتي العلوم والتربية بجامعة المنوفية اعتمادًا مؤسسيًا مشروطًا نقيبا الزراعيين والمحامين يهنئان رئيس جامعة قناة السويس بتجديد الثقة مصرع رضيعة عمرها عام و8 أشهر غرقًا داخل وعاء غسيل بمنزلها في قنا وزير التعليم العالي يتابع مصابي حادث أتوبيس بني سويف ويوجه بعلاجهم وكيل تعليم البحيرة يتابع الانضباط والقراءة ويكرم أبناء شهداء أكتوبر قناة السويس و«بتروتريد» تبحثان تجديد التعاون للتخلص الآمن من المخلفات حملات البحيرة تزيل 10 حالات تعدٍ ومبانٍ مخالفة بمساحة 810 أمتار أحمد سلامة يعلن الفائزين بجائزة «The Best» في مهرجان المهن التمثيلية مكتبة الإسكندرية تختتم «طموحة» لتأهيل 14 شركة ناشئة لريادة الأعمال جامعة بني سويف توفر الرعاية الطبية والدعم الكامل لمصابي حادث الأتوبيس

منوعات

بطانة الرحم المهاجرة.. حكايات من الألم ومعارك مؤجلة مع حلم الأمومة

بطانة الرحم المهاجرة
بطانة الرحم المهاجرة

لم تكن نادية تتخيل أن سنوات انتظارها للحمل ستنتهي إلى مواجهة جديدة مع المرض، ولم تكن سارة تعلم أن الألم الذي لازمها مع كل دورة شهرية لم يكن مجرد عرض طبيعي عليها تحمله، أما آيات، فانتقلت من جراحة بالمنظار إلى علاج هرموني ومحاولات متجددة لتحقيق حلم الأمومة، بينما وجدت عفاف محمد نفسها في مواجهة ألم يومي يستنزف قدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية، قصص مختلفة، تجمعها معاناة واحدة.. بطانة الرحم المهاجرة، المرض الذي قد يحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مستمرة مع الألم، ويضع بعض النساء أمام أسئلة صعبة بشأن الخصوبة والعلاج والتكاليف المادية.

ولا تتوقف آثار المرض عند الأعراض الجسدية، إذ قد تمتد إلى العلاقة الزوجية والصحة النفسية والعمل والاستقرار الأسري، فيما تزداد المعاناة عندما يتأخر التشخيص أو تصبح كلفة العلاج عائقًا أمام استكماله، وبين شهادات المصابات وتحذيرات الأطباء، تبرز تساؤلات بشأن مدى قدرة النساء على الوصول إلى التشخيص الدقيق والرعاية المتخصصة، وحجم انتشار المرض في مصر، في ظل عدم العثور على إحصائية وطنية منشورة تحدد العدد الإجمالي للمصابات حتى أكتوبر 2026.

وتكشف منظمة الصحة العالمية أن نحو 10% من النساء والفتيات في سن الإنجاب حول العالم يعانين من بطانة الرحم المهاجرة، بما يعادل قرابة 190 مليون حالة، وتشير المنظمة إلى أن المرض المزمن قد يسبب آلامًا شديدة أثناء الحيض، وألمًا مستمرًا في الحوض، ونزيفًا غزيرًا، وألمًا أثناء العلاقة الزوجية أو التبول أو التبرز، فضلًا عن تأثيره المحتمل في الخصوبة والصحة النفسية وجودة الحياة، ومع ذلك، لا يمكن استخدام هذه الأرقام العالمية لتقدير عدد المصابات في مصر، في ظل غياب بيانات وطنية موثقة ومتاحة للجمهور.

الألم الذي يُعامل باعتباره أمرًا طبيعيًا

تحدث بطانة الرحم المهاجرة عندما ينمو نسيج يشبه بطانة الرحم خارج التجويف الرحمي، وقد يصاحبه التهاب وتكوّن أنسجة ندبية والتصاقات في منطقة الحوض، كما قد تتكون أكياس على المبيضين تُعرف بأكياس بطانة الرحم المهاجرة أو «أكياس الشوكولاتة»، وتختلف الأعراض من امرأة إلى أخرى؛ فقد تعاني إحداهن آلامًا شديدة تعطل حياتها اليومية، بينما لا تظهر أعراض واضحة لدى أخريات.

وتكمن إحدى مشكلات المرض في تشابه أعراضه مع حالات نسائية أخرى، فضلًا عن شيوع الاعتقاد بأن الألم الشديد أثناء الدورة الشهرية جزء طبيعي من حياة المرأة، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، قد يتراوح متوسط الفترة اللازمة للوصول إلى التشخيص بين 4 و12 عامًا، وهو ما يسلط الضوء على حجم التحدي الذي تواجهه المصابات في رحلتهن نحو معرفة السبب الحقيقي للأعراض.

وتشير الإرشادات الطبية للمجلس الصحي المصري، المحدثة في 28 يوليو 2025، إلى أهمية الاشتباه في المرض عند ظهور أعراض من بينها عسر الطمث، والألم العميق أثناء العلاقة الزوجية، والألم عند التبول أو التبرز، والإرهاق، وتأخر الإنجاب. 

كما توضح أن تقييم الحالة قد يشمل الفحص السريري والتصوير بالموجات فوق الصوتية أو الرنين المغناطيسي، وفقًا لطبيعة الأعراض، وأن الجراحة ليست شرطًا لازمًا في جميع الحالات قبل بدء العلاج.

وبينما قد تعتمد بعض المصابات على المسكنات لفترات طويلة دون معرفة السبب، فإن تكرار الألم أو شدته أو تأثيره في القدرة على العمل والحركة وممارسة الأنشطة المعتادة يستدعي تقييمًا طبيًا متخصصًا، بدلًا من الاكتفاء باعتباره عرضًا عابرًا يصاحب الحيض.

نادية وسارة وآيات.. ثلاث رحلات مختلفة في مواجهة المرض

بعد ثماني سنوات من الزواج دون إنجاب، وجدت نادية نفسها أمام تشخيص بطانة الرحم المهاجرة، مع وجود كيس دموي على المبيض، لتبدأ مرحلة جديدة من الحيرة بين الخيارات العلاجية المتاحة، وتروي أن الطبيب عرض عليها خيار إجراء جراحة للتعامل مع الكيس وتقييم الحالة، أو اللجوء إلى الحقن المجهري، مع طلب مجموعة من التحاليل قبل اتخاذ قرار التدخل الجراحي.

ولم تكن الصدمة بالنسبة إليها مرتبطة بالتشخيص وحده، بل بضرورة التفكير في جراحة لم تكن قد وفرت تكاليفها، في وقت تحاول فيه تحديد المسار الذي قد يمنحها فرصة أفضل لتحقيق حلم الأمومة، وبين الخوف من الجراحة والقلق من المصروفات، تبقى حالتها مثالًا على التداخل بين القرار الطبي والقدرة المادية، خاصة أن التعامل مع أكياس بطانة الرحم المهاجرة لدى النساء الراغبات في الحمل يتطلب تقييمًا دقيقًا لمخزون المبيض والخصوبة، وموازنة الفوائد المتوقعة من الجراحة ومخاطرها وفقًا لكل حالة.

أما سارة، البالغة من العمر 29 عامًا، فقد أمضت سنوات وهي تعتقد أن الألم الشديد المصاحب للدورة الشهرية تجربة طبيعية على كل امرأة تحملها، واعتادت تناول المسكنات وإلغاء خططها والاعتذار عن الذهاب إلى العمل أحيانًا، بعدما تحول الألم من تقلصات أسفل البطن إلى وجع يمتد إلى الظهر والحوض ويجعل الحركة مهمة شاقة.

ومع مرور الوقت، لم يعد الألم مقتصرًا على أيام الدورة، بل أصبح يبدأ قبلها بأيام، ويستمر خلالها وأحيانًا بعدها، كما عانت من الألم أثناء العلاقة الزوجية، وعندما طلبت المساعدة الطبية وخضعت للفحوصات، اكتشفت إصابتها ببطانة الرحم المهاجرة، لتبدأ خطة علاجية تستهدف تخفيف الأعراض والسيطرة عليها تحت إشراف الطبيب.

وتختصر تجربة سارة جانبًا من المشكلة التي يثيرها المرض: سنوات من الألم قد تمر قبل أن تدرك المرأة أن ما تعانيه يستدعي البحث عن تشخيص محدد، خاصة عندما يحيط بها اعتقاد اجتماعي بأن آلام الحيض الشديدة أمر لا مفر منه.

وعلى مسار آخر، خضعت آيات لجراحة بالمنظار بعد اكتشاف أكياس شوكولاتة صغيرة والتصاقات حول قناتي فالوب، وفقًا لما روته عن رحلتها العلاجية، واستهدفت الجراحة التعامل مع الأكياس وفك الالتصاقات، قبل أن تبدأ علاجًا هرمونيًا لمدة شهرين على أمل حدوث الحمل.

لكن المحاولات لم تنجح حتى الآن، لتجد نفسها أمام مرحلة جديدة من المتابعة الطبية وانتظار النتائج، وبين الجراحة والعلاج وتكرار المحاولات، لا تزال آيات تتمسك بالأمل في الأمومة، رغم الضغوط النفسية والجسدية التي تصاحب رحلة العلاج.

ولا تعني هذه التجارب أن بطانة الرحم المهاجرة تؤدي بالضرورة إلى العقم، أو أن الجراحة تضمن حدوث الحمل؛ فالتأثير في الخصوبة يختلف بحسب موضع الإصابة وشدتها، وحالة المبيضين وقناتي فالوب، وعوامل الخصوبة الأخرى لدى الزوجين، ويظل تحديد الخيار الأنسب مرهونًا بالتقييم الطبي الفردي.

عفاف محمد: "بطانة الرحم المهاجرة دمرت جزءًا كبيرًا من حياتي"

"بطانة الرحم المهاجرة مش بس غيرت حياتي للأسوأ، دي دمرت جزءًا كبيرًا منها"؛ بهذه الكلمات تلخص عفاف محمد جانبًا من معاناتها مع المرض، الذي تقول إن تأثيره تجاوز الألم الجسدي إلى تفاصيل حياتها اليومية، وجعل ممارسة الأنشطة المعتادة تحديًا مستمرًا.

وتروي عفاف أن الألم المبرح والمستمر أصبح جزءًا من يومها، حتى إن المسكنات لم تعد تمنحها الراحة التي تحتاج إليها، كما تشكو من متاعب في الجهاز الهضمي، تقول إنها تزداد بعد تناول الطعام، حتى مع الأطعمة الصحية التي تحاول الالتزام بها.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تعاني صداعًا مستمرًا يزداد في أوقات معينة من الشهر إلى درجة تصفها بأنها لا تحتمل، ومع تداخل هذه الأعراض، تجد نفسها في مواجهة معاناة تستنزف طاقتها وتؤثر في قدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية، مع ضرورة تقييم الأعراض المصاحبة طبيًا وعدم افتراض أن جميعها ناتج مباشرة عن بطانة الرحم المهاجرة.

وتؤكد عفاف أن ما يجعل تجربتها أكثر قسوة هو أن الألم لا يلتزم بموعد محدد؛ فقد يقتحم لحظات سعادتها ويحولها إلى معاناة، وهو ما يجعل الاستمرار في ممارسة حياتها رغم الأعراض تحديًا يوميًا قد لا يدرك المحيطون بها حجمه.

ورغم ذلك، تتمسك بقدرتها على المقاومة، وتصف نفسها بأنها «محاربة رغم الألم»، في شهادة تعكس أهمية الاستماع إلى المصابات والتعامل الجاد مع شكواهن، بدلًا من التقليل من شأن الألم أو اعتباره أمرًا عاديًا مرتبطًا بالدورة الشهرية.

من غرفة العمليات إلى فاتورة العلاج.. حين تصبح القدرة المادية جزءًا من المعركة

لا تنتهي معاناة بعض المصابات عند معرفة التشخيص، إذ قد تصبح تكلفة الجراحة أو الأدوية والفحوصات عائقًا أمام استكمال العلاج. وتروي سيدة رفضت ذكر اسمها أنها تعاني إصابة تمتد إلى المستقيم والشرج والمبيضين، إلى جانب وجود كيس على المبيض والتصاقات بقناتي فالوب، وهي حالة تستلزم تقييمًا متخصصًا لتحديد مدى انتشار المرض وخيارات التعامل معه.

وبحسب روايتها، أوصى الطبيب بإجراء منظار جراحي، إلا أن التكلفة التي سمعت عنها تجاوزت 100 ألف جنيه، وهو مبلغ قالت إنها لا تستطيع تحمله، وهكذا وجدت نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين الحاجة إلى استكمال الرعاية الطبية والإمكانات المادية المتاحة، خاصة أن التعامل مع الحالات الممتدة إلى أعضاء متعددة قد يتطلب فريقًا طبيًا ذا خبرة متخصصة وتجهيزات مناسبة.

وتعكس هذه الشهادة، شأنها شأن تجارب أخرى، جانبًا من العبء الاقتصادي الذي قد يرافق المرض، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد متوسط تكلفة الجراحات في مصر؛ إذ تختلف المصروفات بحسب درجة الإصابة، والمستشفى، والفريق الجراحي، والفحوصات المطلوبة، ومدة الإقامة والرعاية اللاحقة.

وفي تجربة أخرى، تقول خلود، البالغة من العمر 35 عامًا، إن آلام الدورة الشهرية الحادة التي سبقت زواجها لم تدفعها في البداية إلى الاشتباه في وجود مشكلة صحية تتجاوز الألم المعتاد، لكن رحلة الحمل شهدت إجهاضًا متكررًا، ما دفعها إلى الخضوع لسلسلة من الفحوصات شملت تحاليل المناعة والأمراض الفيروسية ووظائف الغدة الدرقية ومستويات السكر وغيرها، دون الوصول في البداية إلى تفسير واضح لما حدث.

ومع تكرار الإجهاض وظهور حالات من الحمل الكيميائي، لجأت خلود إلى مستشفى الجلاء التعليمي، حيث خضعت لفحوصات وأشعة انتهت، بحسب روايتها، إلى تشخيص إصابتها ببطانة الرحم المهاجرة من الدرجة الأولى، وبدأت بعد ذلك خطة علاجية تضمنت عقاقير وحقن سيولة.

غير أن الربط بين بطانة الرحم المهاجرة والإجهاض المتكرر يحتاج إلى تقييم متخصص؛ فوجود المرض لا يثبت وحده أنه السبب المباشر لفقدان الحمل، كما أن اختيار الأدوية، وخصوصًا مميعات الدم، يجب أن يستند إلى تشخيص واضح ومؤشرات طبية محددة، وليس إلى الإصابة ببطانة الرحم المهاجرة وحدها.

وتكشف حالة خلود حجم الاستنزاف النفسي الذي قد يرافق البحث عن تفسير لفقدان الحمل، لكنها تؤكد أيضًا ضرورة الفصل بين التشخيص المثبت والعوامل الأخرى المحتملة، حتى لا تتحول رحلة البحث عن الأمومة إلى سلسلة من العلاجات التي لا تستند إلى سبب محدد.

أما هاني، البالغ من العمر 37 عامًا، فيروي جانبًا آخر من الأزمة، يتعلق بمحاولة توفير تكاليف علاج زوجته، ويقول إنه اضطر إلى تحمل نفقات فحوصات متخصصة لا تغطيها، بحسب ما أفاد، قرارات العلاج على نفقة الدولة، إلى جانب تكلفة الأدوية والحقن اليومية.

ويقدّر هاني المصروفات اليومية بنحو 500 جنيه، تشمل الحقن والأدوية المصاحبة، ويقول إن التغطية المتاحة لا تكفي سوى عشرة أيام من الشهر، ما يترك الأسرة أمام عبء تدبير تكاليف العشرين يومًا المتبقية، ولتوفير دخل إضافي، اضطر إلى العمل سائقًا عبر تطبيقات النقل الذكي إلى جانب عمله الأساسي في المحاسبة والمشاركة في إدارة ورشة خاصة.

وتظل هذه الأرقام تقديرات واردة على لسان صاحب التجربة، ولا تمثل تسعيرة رسمية موحدة للعلاج أو قاعدة عامة لما تتحمله جميع الحالات، لكنها تكشف كيف يمكن أن تمتد آثار المرض إلى الأسرة بأكملها، فتتداخل متطلبات العلاج مع الدخل والعمل والالتزامات اليومية.

وتظهر أعباء العلاج كذلك في رواية إلهام، البالغة من العمر 30 عامًا، التي تقول إنها عانت آلامًا شديدة واضطرابًا في الدورة الشهرية لسنوات، بينما تركزت التشخيصات التي تلقتها في البداية على تكيس المبايض ومشكلة الوزن، وبعد ثلاث سنوات من الزواج دون إنجاب، خضعت لعملية تكميم المعدة تحت ضغط رغبتها في الحمل، بحسب روايتها.

وتقول إلهام إنها تعرضت بعد الجراحة لمضاعفات خطيرة تمثلت في ارتفاع حاد ومفاجئ في ضغط الدم وحدوث نزيف بسبب مشكلة في أحد الشرايين، ما استدعى احتجازها في العناية المركزة أربعة أيام، وبعد خروجها، واصلت البحث عن سبب معاناتها، حتى توجهت إلى مستشفى الجلاء وخضعت لفحوصات وأشعات انتهت إلى تشخيص بطانة الرحم المهاجرة.

وتبرز هذه التجربة أهمية التقييم الشامل قبل التدخلات الجراحية، وعدم افتراض أن الوزن أو تكيس المبايض يفسران وحدهما جميع أعراض تأخر الإنجاب أو آلام الدورة الشهرية، وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن بطانة الرحم المهاجرة كانت سبب المضاعفات التي تعرضت لها إلهام بعد عملية التكميم؛ فذلك يتطلب تقييمًا طبيًا مستقلًا للوقائع والمضاعفات.

أما كريم، البالغ من العمر 35 عامًا، فيروي أنه وزوجته خاضا رحلة طويلة من البحث عن أسباب تأخر الإنجاب، بعدما تكررت آلام الدورة الشهرية الشديدة لدى الزوجة وتفاقمت حتى صاحَبها نزيف لم تعد المسكنات تجدي معه، ومع تكرار محاولات الحمل التي انتهت، بحسب روايته، بالإجهاض، اتجه الزوجان إلى الحقن المجهري أملًا في تحقيق حلمهما.

ويقول كريم إنه اضطر إلى بيع سيارته الخاصة لتدبير تكاليف العلاج، لكن المحاولة لم تنجح، وبعد جولات من التردد على المراكز الطبية، شُخصت زوجته ببطانة الرحم المهاجرة، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاج والسيطرة على الأعراض.

وتجسد التجربة كيف يمكن لتأخر التشخيص وتعدد محاولات العلاج أن يحملا الأسرة أعباء مالية ونفسية متراكمة، خاصة عندما لا تحقق المحاولات النتائج المرجوة، وفي الوقت نفسه، تظل فرص نجاح تقنيات الإخصاب المساعد مرتبطة بعوامل متعددة، ولا يمكن ضمان نتيجتها اعتمادًا على التشخيص وحده.

وتأتي تجربة شيرين عكاشة ضمن الحكايات التي تسلط الضوء على التحديات التي قد تواجه المصابات في رحلة البحث عن التشخيص والعلاج المناسبين، وما يرافقها من تساؤلات بشأن الألم والخصوبة والخطوات الطبية المقبلة، وتؤكد هذه التجارب مجتمعة أن احتياجات المصابات لا تقتصر على التشخيص، بل تشمل المتابعة المستمرة، وشرح البدائل العلاجية، ومراعاة الصحة النفسية والظروف المادية، وتوفير معلومات واضحة تساعدهن على اتخاذ قراراتهن بالتشاور مع المختصين.

الأطباء يحذرون من تجاهل الأعراض.. والتشخيص المبكر يحدد خيارات العلاج

من جانبها، أكدت الدكتورة ثناء محمد، استشاري أمراض النساء والتوليد بقسم النساء والولادة بمستشفى المنيرة العام، أن بطانة الرحم المهاجرة من الحالات التي قد تؤثر بصورة كبيرة في صحة المرأة وجودة حياتها، موضحة أن نمو أنسجة شبيهة ببطانة الرحم خارج التجويف الرحمي قد يؤدي إلى آلام شديدة ومزمنة بالحوض، إلى جانب التصاقات داخل الحوض وتكوّن أكياس مبيضية مرتبطة بالمرض.

وشددت على أهمية عدم تجاهل آلام الحوض المتكررة أو الشديدة، وضرورة التوجه إلى الطبيب المختص لتقييم الحالة وتحديد التدخل العلاجي المناسب، كما تبرز أهمية دور المستشفيات الحكومية في استقبال المريضات وإجراء الفحوصات اللازمة ووضع خطط علاج تتناسب مع طبيعة كل حالة، بما يساعد على تقليل تأخر التشخيص وتحسين الوصول إلى الرعاية المناسبة.

وفي السياق ذاته، حذّر الدكتور السيد ذهب، استشاري أمراض النساء والتوليد وأستاذ جراحات المناظير النسائية المتقدمة وبطانة الرحم المهاجرة بمستشفى أحمد ماهر، من التهاون في التعامل مع الأعراض المتكررة، موضحًا أن المرض يصيب نحو امرأة واحدة من كل عشر نساء عالميًا، وقد يؤدي إلى تراجع القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية، فضلًا عن ارتباطه بمشكلات الخصوبة لدى بعض المصابات.

وأشار ذهب إلى أن بعض النساء قد ينتظرن سنوات قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح، نتيجة تشابه الأعراض مع اضطرابات نسائية أخرى أو الاعتماد المتكرر على المسكنات دون البحث عن السبب. 

وأكد أن المرض مزمن وحميد، وليس سرطانًا، رغم قدرته على التغلغل في الأنسجة المحيطة والتأثير في أعضاء مختلفة بمنطقة الحوض.

وأوضح أن اختيار العلاج لا يعتمد على وجود المرض وحده، وإنما يرتبط بشدة الأعراض ومدى انتشار الأنسجة المصابة وتأثيرها في الأعضاء المحيطة، إلى جانب احتياجات المريضة، خاصة إذا كانت تخطط للحمل، وقد يكون العلاج الدوائي مناسبًا لبعض الحالات، فيما يستدعي بعضها الآخر دراسة التدخل الجراحي، لا سيما عند عدم الاستجابة للعلاج التحفظي أو وجود مضاعفات تستدعي ذلك.

وأضاف أن جراحات المناظير المتقدمة تمثل أحد الخيارات المهمة في الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي، لكنها تتطلب خبرة متخصصة في التعامل مع بؤر المرض والأنسجة المحيطة، مع مراعاة الحفاظ على وظائف الأعضاء والخصوبة قدر الإمكان. 

وشدد على أن تقليل الفترة الفاصلة بين ظهور الأعراض والوصول إلى التشخيص يمثل خطوة أساسية لتحسين فرص الحصول على الرعاية المناسبة.

من جانبه، أكد الدكتور وائل إبراهيم، استشاري النساء والتوليد وعلاج تأخر الإنجاب، أن بطانة الرحم المهاجرة قد تؤثر في فرص الحمل لدى بعض السيدات، خاصة عندما تصاحبها التصاقات شديدة بالحوض أو تأثر قناتي فالوب، مشيرًا إلى أن تأثير المرض في الخصوبة يختلف من حالة إلى أخرى.

وأوضح أن التعامل مع الحالات المصحوبة بتأخر الإنجاب يتطلب دراسة التاريخ المرضي وإجراء الفحوصات اللازمة لتقييم فرص الحمل الطبيعي، وتحديد مدى الحاجة إلى وسائل الإخصاب المساعد، ومنها الحقن المجهري، وشدد على أن اختيار الوسيلة العلاجية يجب أن يستند إلى تقييم فردي، دون تعميم مسار واحد على جميع المريضات.

ولفت إلى أهمية المتابعة الطبية بعد جراحات المناظير، خاصة عند ظهور ألم أو نزيف بعد التدخل، لتحديد ما إذا كانت الأعراض مرتبطة بالتعافي أم تستدعي تقييمًا إضافيًا. 

وأكد أن التشخيص الدقيق والتخطيط للعلاج وفقًا لدرجة الإصابة والأهداف الإنجابية يمثلان عنصرين أساسيين في التعامل مع المرض.

مصر أمام فجوة إحصائية.. أين تقف أعداد المصابات؟

رغم تعدد الشهادات والتحديات الطبية والاقتصادية التي تكشفها تجارب المصابات، فإن تحديد حجم المشكلة في مصر يظل أمرًا صعبًا في ظل غياب إحصائية وطنية منشورة تحدد إجمالي عدد النساء المصابات ببطانة الرحم المهاجرة، وحتى أكتوبر 2026، لم يُعثر في المصادر الرسمية المتاحة للجمهور على رقم صادر عن وزارة الصحة والسكان يحدد العدد الإجمالي للحالات المسجلة أو نسبة انتشار المرض على مستوى الجمهورية.

وتشير دراسة علمية منشورة عن انتشار بطانة الرحم المهاجرة بين المراهقات اللاتي يعانين من عسر الطمث الشديد إلى تسجيل نسبة 12.3% ضمن الفئة التي تناولتها الدراسة. 

لكن هذه النسبة تخص مجموعة محددة من المراهقات اللاتي يعانين آلامًا شديدة أثناء الحيض، ولا تمثل معدل انتشار المرض بين جميع النساء المصريات، كما لا يجوز تحويلها إلى تقدير للعدد الإجمالي للمصابات في البلاد.

ويقدم المجلس الصحي المصري، في دليله الطبي المحدث في 28 يوليو 2025، إطارًا إرشاديًا لتشخيص المرض وإدارته، مستندًا إلى الأدلة الطبية والتوصيات المتعلقة بالتقييم والعلاج، وعلى الرغم من أهمية هذه الإرشادات، فإنها لا تمثل في حد ذاتها سجلًا وطنيًا للحالات، ولا توفر رقمًا إجماليًا للمصابات في مصر.

كما وردت معلومات عن استحداث وحدات طبية متخصصة في بطانة الرحم المهاجرة ضمن خدمات الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية خلال عام 2025، وهي خطوة تبرز أهمية تطوير خدمات الرعاية المتخصصة. 

ما بين الألم والأمل.. احتياج إلى رعاية لا تنتهي عند التشخيص

تكشف الحكايات التي رصدتها جريدة النهار أن بطانة الرحم المهاجرة ليست مجرد آلام مصاحبة للدورة الشهرية، بل حالة قد تمتد آثارها إلى العمل والعلاقات الأسرية والصحة النفسية والقدرة على الإنجاب، فضلًا عن التكاليف التي تتحملها بعض الأسر خلال رحلة التشخيص والعلاج.

وفي الوقت الذي لا يتوافر فيه علاج يضمن الشفاء النهائي من المرض، يمكن السيطرة على الأعراض لدى كثير من المصابات من خلال الأدوية والعلاجات الهرمونية، أو التدخل الجراحي في حالات محددة، إلى جانب وسائل علاج تأخر الإنجاب عندما تستدعي الحالة ذلك، ويعتمد اختيار العلاج على شدة الأعراض، وطبيعة الإصابة، والحالة الصحية، ورغبة المرأة في الحمل، مع مراعاة أن الأعراض قد تستمر أو تعود لدى بعض المريضات.

ولا يعني تشخيص بطانة الرحم المهاجرة استحالة الإنجاب، كما لا يعني أن كل مصابة تحتاج إلى الجراحة أو الحقن المجهري؛ فلكل حالة ظروفها التي تتطلب تقييمًا طبيًا متخصصًا ومناقشة الخيارات المتاحة ومنافعها ومخاطرها.

وبين نادية التي تنتظر قرارها العلاجي، وسارة التي عاشت سنوات مع الألم قبل اكتشاف سببه، وآيات التي تواصل محاولاتها لتحقيق حلم الأمومة، وعفاف التي تصف يومياتها بأنها معركة مستمرة، تتضح الحاجة إلى التعامل مع المرض باعتباره قضية صحية تستحق مزيدًا من الاهتمام، لا مجرد تجربة فردية تتحملها المرأة في صمت.

ويبقى التحدي أمام منظومة الرعاية الصحية في مصر هو تعزيز الوعي بالأعراض، وتسهيل الوصول إلى التشخيص المتخصص، وتوفير معلومات واضحة عن الخدمات والتكاليف، إلى جانب نشر بيانات موثقة عن حجم الإصابات، فخلف كل رقم غائب توجد نساء يحتجن إلى تشخيص دقيق ورعاية مناسبة، وخلف كل رحلة علاج أسرة تحاول الموازنة بين الألم والتكلفة والأمل في حياة أكثر استقرارًا.