على عجلتين.. 5 سيدات يروين حكاياتهن مع السكوتر بين الحرية ولقمة العيش
«أنا جوزي مات وسايبلي موتوسيكل عايزة اتعلم عليه عشان أقوّم البيت».. بهذه الكلمات، تلقت ولاء زهير اتصالًا من سيدة فقدت زوجها، وأصبحت تواجه مسؤولية إعالة أسرتها، فلم تكن تبحث عن مغامرة جديدة أو مجرد وسيلة للتنقل، بل أرادت تعلم قيادة الدراجة النارية التي تركها زوجها، أملًا في أن تساعدها على تدبير شؤون البيت ومواجهة أعباء الحياة.
وراء هذه المكالمة حكايات أخرى لنساء وجدن في قيادة الدراجات النارية، وخاصة السكوتر، أكثر من مجرد وسيلة انتقال، بعضهن اخترنه هربًا من زحام المواصلات، وأخريات بحثن عن الحرية والاستقلال أو فرصة للعمل، وبين خوف الأهل ونظرات الاستغراب ومضايقات الشارع، خاضت كل واحدة تجربتها، قبل أن تتحول القيادة لدى بعضهن إلى مهنة ومشروع لتعليم سيدات أخريات.
خمس سيدات تحدثن إلى «النهار» عن تجارب بدأت بأحلام بسيطة، ثم أخذت مسارات مختلفة، من فتاة تعمل في توصيل الطلبات وتحلم بامتلاك شركة شحن، إلى مدربات يساعدن النساء على تعلم القيادة، وصولًا إلى من وجدت في السكوتر متعة الحركة بعيدًا عن زحام الحياة اليومية.
ولاء زهير، التي تلقت اتصال السيدة الأرملة، كانت واحدة ممن بدأن التجربة بدافع الشغف، فقد أحبت الدراجات النارية منذ طفولتها، خاصة تلك التي تصدر أصواتًا مرتفعة، لكنها لم تتمكن من تحقيق رغبتها بسبب خوف أسرتها عليها، وظل الحلم مؤجلًا حتى بعد زواجها.
ومع عودة الفكرة، واجهت ولاء اعتراضًا جديدًا من زوجها، الذي خشي عليها من مخاطر القيادة، قبل أن يقتنع برغبتها، ويتولى بنفسه تدريبها على السكوتر، الذي أصبح وسيلتها للذهاب إلى العمل.
لم تكن تتوقع أن تقودها مشاوير العمل إلى مشروع خاص، لكن أسئلة زميلاتها والفتيات اللاتي يقابلنها في الشارع عن كيفية تعلم القيادة دفعتها إلى التفكير في تدريب السيدات، حتى جاءت فترة الحجر الصحي خلال جائحة كورونا عام 2020، فوجدت فرصة لتحويل الفكرة إلى واقع.
أنشأت ولاء صفحة لتعليم قيادة السكوتر، ومع مرور السنوات توسع نشاطها ليضم مدربات في مناطق خارج القاهرة، منها طنطا والمنوفية والمنصورة، وهي أماكن تقول إن رؤية فتاة تقود السكوتر فيها لم تكن مألوفة قبل سنوات.
وتستعيد الفرق بين بداية تجربتها والوقت الحالي قائلة: «فرق كبير بين 2020 ودلوقتي.. قبل كدة كان نادر جدا لما تلاقي بنت بتسوق سكوتر لكن دلوقتي معايا مدربات من محافظات تانية غير القاهرة زي طنطا والمنوفية والمنصورة وأماكن كان مستحيل نفكّر إن بنت ممكن تسوق فيها».
ومع اتساع المشروع، تعرفت ولاء على دوافع مختلفة للسيدات الراغبات في التعلم، فمنهن من تبحث عن وسيلة انتقال توفر لها الخصوصية وتجنبها مضايقات المواصلات العامة وارتفاع تكلفتها، وأخريات تدفعهن الظروف الاقتصادية إلى البحث عن فرصة للعمل، مثل السيدة التي فقدت زوجها وأرادت تعلم قيادة دراجته النارية.
لم تعد ولاء تنظر إلى التدريب باعتباره مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل وسيلة لمساعدة نساء على مواجهة ظروفهن، وفي الوقت نفسه لم تفقد متعة القيادة التي دفعتها إلى خوض التجربة من البداية، وتقول: «لما ببقى متعصبة واسوق السكوتر بحس إني بتنفّس، وإن عندي ثقة في نفسي رهيبة».

وما تسمعه ولاء من سيدات يبحثن عن وسيلة تعينهن على كسب الرزق، تعيشه ضحى محمد كل يوم، فقد بدأت العمل في توصيل الطلبات «دليفري» عام 2019، وبعد عام قررت شراء سكوتر خاص بها، يوفر عليها الوقت ويساعدها على تجاوز الزحام وإنجاز مشاوير العمل.
لكن قرار ضحى لم يحظ بموافقة أسرتها وأصدقائها، الذين رفضوا فكرة شرائها السكوتر والعمل عليه، وامتدت الاعتراضات إلى الشارع، حيث واجهت تعليقات وانتقادات من بعض المارة وصلت أحيانًا إلى السباب، بينما أبدى آخرون تقبلهم لوجود فتاة تعمل في توصيل الطلبات.
ومن بين المواقف التي مرت بها، لا تزال تتذكر يومًا شتويًا كانت تقود فيه السكوتر بإحدى المناطق الشعبية، حين فوجئت برجل يستقل «توك توك» يسكب المياه على رأسها، وتروي: «مرة كنت في منطقة شعبية في الشتاء لقيت رجل في توك توك دلق على راسي مياه وساعتها انهرت وزعلت جدا».
تأثرت ضحى بما حدث إلى درجة أنها فكرت في ترك القيادة، لكنها عادت وتمسكت بعملها وبالسكوتر الذي أطلقت عليه اسم «شاندو»، وأصبح رفيقها في مشاويرها اليومية، ومع كل الصعوبات التي واجهتها، ظل حلمها أكبر من مجرد توصيل الطلبات.
تقول: «هفضل طول عمري دليفري لحد ما يبقى عندي مكتب أو شركة شحن»، فالسكوتر الذي واجهت بسببه اعتراضات ومضايقات، أصبح مصدر رزقها وخطوتها الأولى نحو مشروع تأمل أن تمتلكه يومًا.

وللسكوتر حكاية مختلفة مع حبيبة، التي لم تدخل عالم القيادة بحثًا عن عمل أو مشروع، وإنما بدافع حب التجربة والشعور بالحرية، فقد جذبها شكله وصوته، وأرادت أن تخوض تجربة جديدة بعيدًا عن وسائل المواصلات المعتادة.
تقول: «بحب اسوق السكوتر وبحب صوته وشكله أوي وكنت متحمسة إني أجرب حاجة جديدة»، لكن حماسها اصطدم برفض أسرتها، خاصة والدتها التي عارضت بشدة فكرة شرائه، قبل أن تنجح حبيبة في إقناعها وتبدأ استخدامه في مشاويرها اليومية.
ومع مرور الوقت، أصبح السكوتر وسيلتها المفضلة للتنقل وسط الزحام، ورغم أنها تمتلكه منذ ثلاث سنوات، فإن نظرات المارة لا تزال من الأمور التي تتعامل معها، خاصة أنها بدأت القيادة قبل أن يصبح وجود الفتيات على السكوتر أكثر انتشارًا.
وتوضح أن ارتداء الخوذة يجعل التعرف عليها كفتاة أقل سهولة، قائلة: «بلبس خوذة فمش بيبقى باين أوي مين اللي راكب إلا لو حد ركّز أوي»، لكنها لم تسمح لهذه النظرات بأن تدفعها إلى التخلي عن تجربة ما زالت تستمتع بها.
الرفض الذي واجهته حبيبة داخل منزلها لم يكن حاضرًا في بداية تجربة إسراء أشرف، ابنة شبين الكوم بمحافظة المنوفية، فقد وجدت دعمًا من أسرتها شجعها على قيادة السكوتر قبل نحو ثلاث سنوات، لكن التشجيع الذي أحاط بها في البيت لم يمنع نظرات الاستغراب في الشارع.

إسراء، لاعبة الجودو وخريجة كلية التربية الرياضية، لم تكن بعيدة عن أجواء الرياضة والتحدي، كما ساندتها أسرتها في خطواتها المهنية، ومنها افتتاح صالة ألعاب رياضية «جيم»، غير أن قيادة فتاة للسكوتر أثارت تساؤلات البعض في محيطها، وتتذكر نظرات أهل المنطقة التي وصفتها بأنها كانت «رهيبة».
لم تتراجع إسراء أمام تلك النظرات، بل واصلت القيادة حتى أصبحت مدربة لتعليم السيدات، ومع إقبال نساء على التعلم، بدأت تلاحظ تغيرًا في مواقف بعض الأسر، خاصة في المناطق التي تواجه فيها السيدات صعوبات في التنقل بين القرى والمدن، بينما تتطلب مسؤوليات المنزل والأبناء مشاوير يومية للدروس والتدريبات وغيرها من الاحتياجات.
وتقول: «حاليا بقى فيه انفتاح واسع جدا في الريف.. الأزواج وأولياء الأمور بقوا بيشجعوا السيدات على قيادة السكوتر لقضاء المشاوير الضرورية للأسرة».
ولم يقتصر التغير الذي لاحظته إسراء على تشجيع بعض الأسر، بل امتد إلى تعامل المارة معها، إذ أصبحت تتلقى تعليقات داعمة، إلى جانب مساعدة البعض لها عند تعطل السكوتر أو تعرضها لحادث، وتتذكر كلمات أحد ضباط المرور لها: «أنا مبسوط إنكم بتسوقوا سكوتر وإن البنت مبقتش مستنية حد يساعدها».
ورحلة إسراء من تعلم القيادة إلى تدريب أخريات تعيد الحكاية إلى سنوات أقدم، حين بدأت «كابتن أحلام» علاقتها بالدراجات النارية قبل نحو 15 عامًا، مدفوعة بشغف صاحبها منذ الطفولة، وتستعيد تلك الأيام قائلة: «وأنا طفلة كنت بنام وبحلم بالموتوسيكلات».
كان والد أحلام المشجع الأول لها، بعدما عاش في إيطاليا واعتاد رؤية النساء يقدن الدراجات النارية هناك، فشجعها على شراء سكوتر والذهاب به إلى الجامعة، حيث درست الإعلام، قبل أن يصبح وسيلتها في الانتقال إلى العمل.
لكن حماس أحلام اصطدم وقتها بصعوبة العثور على فرصة لتعلم القيادة، فقررت الاعتماد على نفسها، وتقول: «مكنش فيه وقتها فكرة تعليم سواقة السكوتر أساسا وأنا اللي رحت المرور وامتحنت ورخصت السكوتر».

ولم تكتف أحلام بالقيادة، بل تعلمت الميكانيكا حتى تتمكن من التعامل مع الأعطال والمواقف الصعبة على الطريق، ومع تراكم خبرتها، قررت عام 2015 إنشاء صفحة على فيسبوك لتعريف الفتيات بالسكوتر وتشجيعهن على تعلمه، قبل أن يتوسع نشاطها ليشمل تدريب السيدات والرجال على قيادة الدراجات النارية بمختلف أنواعها.
ورغم السنوات التي قضتها في القيادة والتدريب، لا تزال أحلام تتحدث عن تجربتها بالشغف نفسه الذي بدأ معها في الطفولة، وتقول: «عندي شغف إن كل الناس تتعلم سواقة السكوتر أو الموتوسيكل لأنه وسيلة مُنجزة وممتعة».
خمس حكايات اختلفت بداياتها بين شغف قديم وحلم بالاستقلال وحاجة إلى العمل، ولم تكن طرق صاحباتها خالية من الاعتراضات أو المضايقات، لكن بعضهن انتقلن من محاولة إقناع أسرهن بقيادة السكوتر إلى تعليم نساء أخريات، وبين المتدربات من لا تبحث عن متعة القيادة بقدر ما تحتاج إلى وسيلة تساعدها على تدبير حياتها.
ومن بين كل هذه الحكايات، تبقى مكالمة السيدة التي فقدت زوجها صورة لما يمكن أن تعنيه القيادة في حياة امرأة تواجه ظروفًا صعبة، فبينما ينشغل البعض بالجدل حول وجود النساء على الدراجات النارية، كانت هي تفكر في الدراجة التي تركها زوجها، وكيف يمكن أن تتعلم قيادتها لتعين نفسها على أعباء البيت، لم تكن كلماتها تحمل حديثًا عن الحرية أو كسر العادات، بل طلبًا بسيطًا اختصر ما يشغلها: «عايزة اتعلم عليه عشان أقوّم البيت.


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)






