أسرار محمد فوزي فى ذكرى رحيله.. من الجنيه السري إلى خسارة «مصر فون» والمرض النادر
تحل اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 الذكرى الستون لرحيل الفنان والموسيقار محمد فوزي، الذي ترك إرثًا فنيًا كبيرًا من الأغاني والألحان التي أسعدت الأطفال والكبار، بينما شهدت حياته الشخصية والمهنية حكايات وأسرارًا لا يعرفها كثير من محبيه، بداية من رفض والده موهبته، مرورًا بالتحديات التي واجهها في مشواره الفني، وصولًا إلى أزمات غيرت مسار حياته ومرض نادر عانى منه خلال سنواته الأخيرة.
ولم يكن محمد فوزي مجرد مطرب وملحن قدم مجموعة من الأغاني الناجحة، بل كان أيضًا صاحب تجربة مميزة في الإنتاج الموسيقي، وارتبط اسمه بابتكار موسيقى «الفرانكو أراب»، إلى جانب حكايات الحب والغيرة والخلافات التي شهدتها حياته، فضلًا عن محطات قاسية تركت آثارًا واضحة عليه.
وفي ذكرى رحيله، نستعرض أبرز المحطات والمواقف التي شهدتها حياة الموسيقار محمد فوزي، منذ طفولته وبداياته الصعبة وحتى أيامه الأخيرة.
النشأة الصعبة.. الابن الحادي والعشرون وحكاية الجنيه السري
وُلد محمد فوزي في إحدى قرى محافظة الغربية، وسط أسرة كبيرة، وكان الابن الحادي والعشرين من بين 25 شقيقًا وشقيقة، من بينهم الفنانة هدى سلطان، ولم تكن نشأته سهلة، خاصة أن والده لم يكن يشجع أبناءه على دخول المجال الفني، وهو ما وضع فوزي أمام تحدٍّ كبير لإثبات موهبته وتحقيق حلمه.
ومع إصراره على احتراف الغناء، قرر السفر إلى القاهرة بحثًا عن فرصة حقيقية، لكنه لم يكن يمتلك ثمن تذكرة القطار، وتروي إحدى الحكايات المتداولة عن بداياته أنه حاول السفر دون تذكرة، إلا أن محصل التذاكر «الكمسري» اكتشف وجوده داخل القطار.
وبدلًا من تسليمه إلى الشرطة، طلب منه فوزي أن يمنحه فرصة للاستماع إلى صوته، وبحسب الرواية، غنى أمامه فأُعجب بصوته، واشترى له وجبة طعام عند وصوله إلى محطة مصر بالقاهرة، وشجعه على مواصلة طريقه الفني.
لكن وصوله إلى القاهرة لم يكن نهاية الصعوبات، إذ واجه ظروفًا مادية قاسية بعدما قاطعه والده وامتنع عن تقديم الدعم المالي له، فاضطر إلى الإقامة في غرفة متواضعة بشارع التوفيقية، وعانى من الجوع في بعض الأيام، بينما كان يحاول استكمال مشواره الفني ودراسته بمعهد الموسيقى العربية.
وخلال تلك الفترة، كانت والدته تحاول مساعدته بعيدًا عن علم والده، إذ كانت ترسل إليه حوالة بريدية سرية بقيمة جنيه واحد شهريًا، ورغم بساطة المبلغ، فإنه كان يمثل مساعدة مهمة له في ظل الظروف الصعبة التي عاشها.
الفرانكو أراب ومغامرة محمد فوزي في عالم الموسيقى
لم تقتصر تجربة محمد فوزي على الغناء والتلحين، بل امتلك رؤية مختلفة لطبيعة العمل الموسيقي، واهتم بتقديم ألحان جديدة تستطيع الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور.
ومن أبرز المحطات المرتبطة باسمه أغنية «يا مصطفى يا مصطفى»، التي حققت انتشارًا واسعًا خارج مصر، وأصبحت من أشهر نماذج الأغاني التي تجمع بين الطابع العربي والإيقاعات والأساليب الغربية، وهو اللون الموسيقي الذي عُرف لاحقًا باسم «الفرانكو أراب».
وارتبطت الأغنية باسم شقيقه برونو، وانتشرت بلغات متعددة وحققت نجاحًا خارج الحدود المصرية. وتذكر روايات متداولة أن فوزي لم يحصل على نصيبه من أرباحها العالمية، نتيجة ترتيبات التوزيع وحقوق الاستغلال التي كانت تتحكم فيها شركات أجنبية، وهي حكاية تعكس جانبًا من الصعوبات التي واجهها الفنانون في التعامل مع حقوق أعمالهم خلال تلك الفترة.
تأسيس شركة مصر فون.. حلم منافسة الشركات الأجنبية
كانت تجربة محمد فوزي الأبرز في مجال الإنتاج الموسيقي هي تأسيس شركة «مصر فون» لإنتاج الأسطوانات، بعدما قرر استثمار أمواله في مشروع مصري ينافس الشركات الأجنبية التي كانت تسيطر على السوق آنذاك.
ولم تكن الشركة مجرد مشروع تجاري بالنسبة إليه، بل كانت محاولة لتأسيس نموذج مختلف في صناعة الموسيقى، يقوم على منح المطربين حقوقًا ونسبًا من عائدات المبيعات، بدلًا من اقتصار الأرباح على جهات الإنتاج والتوزيع.
وبفضل هذه التجربة، ارتبط اسم «مصر فون» بتسجيل أعمال عدد من كبار المطربين، من بينهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وأصبحت الشركة إحدى المحطات المهمة في تاريخ صناعة الأسطوانات المصرية.
وكان فوزي يطمح إلى أن تتمكن صناعة الموسيقى المصرية من المنافسة وتحقيق عوائد اقتصادية يستفيد منها الفنانون والاقتصاد المصري، بدلًا من الاعتماد الكامل على الشركات الأجنبية.
محمد فوزي ومديحة يسري.. حب وغيرة وخلافات انتهت بالطلاق
لم تكن الحياة الشخصية لمحمد فوزي بعيدة عن الأضواء، إذ ارتبط اسمه بقصة حب وزواج من الفنانة مديحة يسري، وهي العلاقة التي شهدت مواقف عديدة جمعت بين الحب والغيرة والتعاون، قبل أن تنتهي بالانفصال.
وبدأت قصة الحب بينهما خلال عملهما في فيلم «قبلة في لبنان» عام 1945، واستمر زواجهما نحو تسع سنوات، شهدت العديد من المواقف والحكايات التي ظلت مرتبطة باسميهما.
ومن أشهر الروايات المتعلقة بغيرة فوزي على زوجته، ما تردد بشأن فيلم «إني راحلة»، إذ تحكي الرواية أنه قرأ السيناريو وفوجئ بوجود مشهد قبلة بين الشخصيتين، فاعترض بشدة، واتصل بالمخرج عز الدين ذو الفقار، مهددًا بإنهاء صداقتهما إذا جرى تصوير المشهد بالشكل المكتوب.
ولحل الأزمة، قيل إن المخرج لجأ إلى تصوير المشهد بطريقة لا تظهر فيها القبلة بصورة مباشرة، إذ وقف عماد حمدي ومديحة يسري خلف شجرة، ليظهر ظلهما على الشاشة وكأنهما يتبادلان القبلة، دون إظهارها بشكل صريح، في محاولة لتجنب غضب فوزي.
ومن المواقف الأخرى التي رُويت عن علاقتهما، سفر مديحة يسري إلى روسيا لتمثيل مصر في مهرجان سينمائي دون علمه.
وعندما علم فوزي بالأمر، غضب وقاطعها لمدة أسبوع، وانتشرت خلال تلك الفترة شائعة عن انفصالهما، حتى نشرت إحدى الصحف عنوانًا يعلن طلاق محمد فوزي ومديحة يسري.
ورغم ما جمعهما من حب وتعاون، انتهى الزواج بالطلاق، وظل فوزي قليل الحديث عن أسباب الانفصال، وكان حريصًا على الإشادة بمديحة يسري.
وفي المقابل، نُسب إلى مديحة يسري في لقاءات تلفزيونية لاحقة أنها سامحته على أمور كثيرة، من بينها غيرته، لكنها لم تستطع تجاوز الخيانة، التي وصفتها بأنها السبب الحاسم في إنهاء العلاقة بالطلاق.
تأميم مصر فون.. من مالك الشركة إلى موظف براتب 100 جنيه
كانت شركة «مصر فون» واحدة من أهم المشروعات التي ارتبطت باسم محمد فوزي، ولذلك شكّل تأميمها عام 1961 محطة بالغة الصعوبة في حياته.
فبعد أن استثمر أمواله وجهده في تأسيس الشركة وتطويرها، صدر قرار بتأميمها وضمها إلى قطاع الدولة، وتحولت إلى «صوت القاهرة»، وفقًا لما ارتبط بتلك المرحلة من تاريخ صناعة الموسيقى المصرية.
وعقب التأميم، عُيّن فوزي مديرًا فنيًا للشركة التي كان يمتلكها، مقابل راتب قيل إنه بلغ 100 جنيه شهريًا، وكان هذا التحول قاسيًا على فنان اعتاد أن يكون صاحب القرار في مشروعه، وأن يتحمل بنفسه مسؤولية نجاحه وخسارته.
وتروي حكاية متداولة عن تلك الفترة أنه توجه ذات يوم إلى مكتبه، ليفاجأ بأفراد الأمن يمنعونه من الدخول، ويبلغونه بصدور قرار بالاستغناء عن خدماته.
وبحسب الرواية، عاد فوزي إلى منزله في حالة نفسية سيئة، وجلس فترة طويلة صامتًا، بعدما وجد نفسه بعيدًا عن المشروع الذي بناه بجهده وأمواله.
مرض محمد فوزي النادر.. 37 كيلوجرامًا في أيامه الأخيرة
لم تكن أزمة تأميم الشركة آخر ما واجهه محمد فوزي من محن، إذ دخل بعدها في رحلة علاج صعبة، عقب إصابته بمرض نادر لم يتمكن الأطباء في البداية من تشخيصه بسهولة.
وتدهورت حالته الصحية تدريجيًا، وفقد الكثير من وزنه، حتى وصل، وفقًا للروايات المتداولة عن أيامه الأخيرة، إلى نحو 37 كيلوجرامًا، فيما حاول الأطباء داخل مصر وخارجها تحديد طبيعة المرض الذي أصابه، وسط صعوبة التوصل إلى تشخيص واضح في البداية.
وبعد إجراء الفحوص الطبية، ارتبطت حالته بتشخيص «تليف خلف الصفاق»، المعروف أيضًا باسم «داء أورموند»، وهو مرض نادر يصيب الأنسجة الموجودة خلف الغشاء البريتوني، وقد يؤدي إلى تليفها والضغط على الأعضاء والأوعية الموجودة في تلك المنطقة.
وأحاطت بمرض فوزي العديد من الحكايات، من بينها أنه كان من الحالات النادرة للغاية على مستوى العالم في ذلك الوقت، وأن عدد الحالات المسجلة طبيًا كان محدودًا للغاية.
وتداولت بعض الروايات أن فوزي كان الحالة الخامسة المسجلة عالميًا، وأن المرض عُرف لدى البعض باسم «مرض فوزي»، بسبب صعوبة تشخيص حالته وندرة الإصابة به.
ومع تدهور حالته الصحية، حاول عدد من كبار الفنانين التدخل لمساعدته في العلاج، ومن بينهم أم كلثوم وفريد الأطرش، في مساعٍ لتوفير فرصة للعلاج خارج مصر على نفقة الدولة، لكن حالته الصحية كانت قد وصلت إلى مرحلة شديدة الصعوبة.
وصية محمد فوزي الأخيرة.. كلمات مؤثرة قبل الرحيل
رحل محمد فوزي صباح يوم 20 أكتوبر 1966، عن عمر ناهز 48 عامًا، بعد رحلة طويلة مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا كبيرًا وحكايات إنسانية ارتبطت بمشواره وحياته.
ومن أكثر الحكايات تأثيرًا التي ارتبطت بأيامه الأخيرة، ما تردد عن كتابته رسالة قبل وفاته بساعات، تحدث فيها عن الموت والألم، ووجه خلالها التحية إلى الأشخاص الذين أحبوه ودعوا له بالشفاء.
وجاء في نص الرسالة المنسوبة إليه:
«إن الموت علينا حق، إذا لم نمت اليوم سنموت غدًا، وأحمد الله أنني مؤمن بربي فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من هذه الآلام التي أعانيها... تحياتي إلى كل إنسان أحبني ورفع يده إلى السماء من أجلي، تحياتي لكل طفل أسعدته ألحاني».


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)






