”النحاس هو اللي بيختار الناس”.. حكاية ياسمين التي بدأت مشروعها بـ1575 جنيه
لم تكن تملك رأس مال يكفي لبداية مشروع، ولا اسمًا تجاريًا جاهزًا، ولا حتى رفاهية أن تفكر طويلًا في احتمالات الفشل. كان في يدها 1575 جنيهًا فقط، وفي رأسها فكرة تبدو لكثيرين أقرب إلى الجنون منها إلى مشروع يمكن أن يعيش. دفعت 1500 جنيه تأمينًا للمحل، وبقي معها 75 جنيهًا.. ثم فتحت الباب وقالت لنفسها: «هتوكل على الله».
من هذا الرقم الصغير بدأت حكاية كبيرة حكاية امرأة قررت أن تترك اسمًا اعتاد الناس أن يعرفوها به، لتبحث عن اسمها هي، فاخترعت «دندراوي المفشش»؛ اسمًا غريبًا، مجنونًا، يثير الفضول قبل أن يكشف أي شيء ،لكن وراء الاسم كانت هناك رغبة أكثر وضوحًا: أن تصنع ياسمين محمود عالمها الخاص، وأن تجد لنفسها مكانًا لا يشبه المكان الذي جاءت منه.
قالت "ياسمين محمود" انها لم تكن تعرف وقتها أن الطريق سيقودها إلى النحاس، وأن هذا المعدن سيصبح أكثر من مجرد خامة تعمل بها. «النحاس هو اللي بيختار الناس اللي تشتغل فيه»، تقول ياسمين، وكأنها تلخص علاقتها به في جملة واحدة. أحبته من أول نظرة، حتى قبل أن تلمسه، ثم قررت أن تتعلم كيف تحوله من معدن جامد إلى قطعة تحمل شخصية مختلفة.
لكن البداية لم تكن براقة المحل كان «على المحارة»، فاشترت «رولا وباستيلا» وبدأت في دهانه وتجهيزه بنفسها. لم تنتظر شركة ديكور، ولا ميزانية كبيرة، ولا اللحظة المثالية؛ كانت تعرف أن المكان لن يصبح جاهزًا إلا إذا جعلته هي جاهزًا.
وبمجرد أن بدأت تعرض منتجاتها، جاءت أولى الإشارات بأن الفكرة يمكن أن تكبر. زبون يرى قطعة فيقول: «الله.. دي حلوة، طب ما تعمليلي». ثم محل إكسسوارات في المنصورة يسأل عن منتجاتها، وآخر يقرر أن يجربها بدلًا من الذهاب إلى القاهرة. شيئًا فشيئًا، تحولت الغرفة الصغيرة إلى نقطة يتجه إليها أصحاب المحلات بحثًا عن شيء مختلف.
وهنا بدأت ياسمين تنظر إلى السوق بطريقة أخرى. اكتشفت أن هناك منتجات تُصنع خارج مصر، لكن يمكن تنفيذها بأيدٍ مصرية، وأن المسألة ليست في تقليد الموجود، وإنما في تركيب أفكار لا يجمعها أحد عادة.
جاءها ذات يوم طلب لتنفيذ قطعة من الأبنوس
كان يمكن أن تعتبره مجرد طلب جديد وتنتهي الحكاية، لكنها رأت فيه فرصة للذهاب إلى «شارع الأحلام» كما تسميه؛ شارع المعز، حيث الحرفي الذي يعرف كيف يتعامل مع الخامة قبل أن تتحول إلى منتج.
هناك، دلتها المصادفة على «عم محمود»، الذي أرشدها إلى أحمد بلبل ، ذهبت إليه وشرحت ما تريد، فجاءها الرد الأول باردًا: «أنا مش فاضي»
لكن ياسمين لم تكن تعرف معنى كلمة «لا» في هذه المرحلة وبعد محاولات، وافق على تنفيذ الشغل ، ذهبت في اليوم التالي، فوجدت العمل جاهزًا بالكامل، رجل يجلس أمام فرشته، وقد صنع القطعة التي طلبتها بعناية نظرت إلى ما أمامها، ثم إلى صاحب الحرفة، واتخذت قرارًا سيغير شكل المشروع كله.
قالت له ببساطة: "ما تيجي نتجوز؟"ربما بدت الجملة صادمة، لكنها بالنسبة إلى ياسمين لم تكن لحظة رومانسية بقدر ما كانت لحظة اكتشاف ، كانت ترى أمامها شريكًا يمكن أن يكمل الجزء الناقص في فكرتها، "نتجوز ويبقى عندنا ورشة في المنصورة وورشة في القاهرة ويبقى عندنا حد بيشتغل النحاس وحد بيشتغل النحت ، ونحط الاثنين على بعض ونطلع منتج تاني"٠
الفكرة كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها صنعت اختلافًا حقيقيًا كل واحد منهما جاء من منطقة مختلفة، وله طريقته الخاصة في التعامل مع الحرفة، وحين اجتمعت الطريقتان خرجت منتجات لا تشبه ما هو موجود حولهما.
ياسمين لم تكن تبحث عن مشروع «آمن» كانت تبحث عن مشروع يشبهها ولذلك لم يكن غريبًا أن تقول عن نفسها: «أنا مجنونة في الحتة بتاعتي، وهو أكتر جنانًا في الحتة بتاعته».
المعادلة كلها بدأت من 1575 جنيهًا، لكنها لم تكن في الحقيقة قصة أموال. كانت قصة قرار. قرار امرأة وضعت ما تملك على الطاولة، وتركت وراءها اسمًا اعتادت عليه، واختارت أن تخوض تجربة لا تعرف نهايتها.
واليوم، عندما تسألها: لو عاد بك الزمن إلى البداية، هل كنت ستتعلمين الحرفة نفسها؟ هل كنت ستأخذين الخطوات نفسها؟ هل كنت ستلقين بنفسك في الريسك من جديد؟
قالت "آه.. ولو تكرر مئة مرة هعمله"
ربما لأن بعض المغامرات لا تحتاج إلى ضمانات كي تبدأ.. يكفي أن تجد الشخص الذي يجرؤ على فتح الباب، حتى لو لم يكن في جيبه بعد دفع الإيجار سوى 75 جنيهًا.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







