من غرف الطوارئ إلى معهد الكبد.. الاعتداء على الأطقم الطبية يفتح ملف الأمان داخل المستشفيات
وقائع طالت أطباء وتمريضًا ووصلت إحداها إلى حكم بالحبس.. والقانون يجرم الاعتداء على مقدمي الخدمة الطبية
أعادت واقعة معهد الكبد القومي بجامعة المنوفية ملف أمان العاملين داخل المنشآت الصحية إلى الواجهة، بعد مشادة بين رئيس أحد الأقسام وممرضة انتهت باتهامات بالاعتداء، ومحضر في الشرطة وتحقيق داخل الجامعة، في وقت شهدت فيه مستشفيات بمحافظات مختلفة وقائع أخرى طالت أطباء وأفراد تمريض أثناء عملهم.
وتختلف واقعة المنوفية عن معظم الحالات السابقة في أن طرفي الخلاف هذه المرة من داخل الفريق الطبي نفسه، بينما ارتبطت وقائع أخرى بمرضى أو مرافقين داخل أقسام الطوارئ والعناية المركزة، ووصل بعضها إلى ساحات القضاء.
خلاف داخل معهد الكبد
بدأ الخلاف أثناء العمل داخل المعهد على خلفية التعامل مع إحدى الحالات وتنفيذ تعليمات تتعلق بحالة أخرى، قبل أن تتطور المشادة بين رئيس القسم والممرضة.
وقالت مشرفة التمريض إنها كانت موجودة أثناء المشادة وتدخلت خلالها، واتهمت رئيس القسم بالاعتداء على الممرضة ومحاولة خنقها ورفع الحذاء عليها، وأضافت أنها تدخلت لإبعاد يده عنها، كما تدخل عدد من الموجودين لفض المشادة.
وتبقى هذه التفاصيل جزءًا من شهادة مشرفة التمريض بشأن ما جرى، في وقت لم تعلن فيه الجامعة حتى الآن نتيجة نهائية للتحقيق تحدد المسؤولية عن الواقعة.
وقالت المشرفة إن وجود خطأ من جانب الممرضة، إذا ثبت، كان يمكن التعامل معه من خلال الإجراءات الإدارية، مضيفة: «حتى لو الممرضة غلطت، فيه إجراءات ممكن يتخذها»، وأوضحت أن إدارة المعهد أُبلغت بما حدث، وأن الممرضة حررت محضرًا بشأن الواقعة.
وقال أحد الشهود على ما أعقب الواقعة، وأشارت إليه «النهار» بالحرفين «ط. م»، إن الممرضة كانت في حالة انهيار وبكاء عقب المشادة، وإنها توجهت إلى المدير المناوب وقدمت شكوى، موضحًا أنه لم يشاهد الاعتداء نفسه، وأن شهادته تقتصر على ما عاينه عقب الواقعة.
وفي رواية مختلفة، قال رئيس القسم في تصريحات صحفية إن الممرضة بدأت بالإساءة إليه، وهي رواية تخالف ما ذكرته الممرضة ومشرفة التمريض بشأن بداية الخلاف وتطوره.
ومع اختلاف الروايات، انتقل حسم ما جرى إلى التحقيق والأدلة المتاحة، وقال الدكتور أسامة حجازي، عميد معهد الكبد القومي بجامعة المنوفية، إن إدارة المعهد أحالت الواقعة إلى التحقيق، وإن تسجيلات كاميرات المراقبة وشهادات الموجودين يجري فحصها للوقوف على تفاصيلها.
وأضاف أنه حضر إلى المعهد عقب علمه بالواقعة والتقى الممرضة، مؤكدًا تطبيق القانون على من تثبت مسؤوليته، وأن نتيجة التحقيق وما تكشفه الكاميرات والشهادات ستحدد المسؤولية.
وبالتزامن مع التحقيق، نُشر عن صدور قرار بإيقاف رئيس القسم عن العمل لحين انتهائه، وهو إجراء مؤقت لا يحسم مسؤوليته عن الاتهامات محل التحقيق ولا يعني صدور قرار نهائي باستبعاده من رئاسة القسم.
وتابعت النقابة العامة للتمريض تطورات الملف، والتقت الدكتورة كوثر محمود، نقيب عام التمريض، الدكتور أحمد القاصد، رئيس جامعة المنوفية، بحضور الدكتورة وفاء الشاذلي، نقيب تمريض المنوفية، لبحث ملابسات الواقعة والإجراءات التي اتخذتها الجامعة.
وقالت كوثر محمود إنها تواصلت مع سامح بيومي، نقيب المحامين بالمنوفية، لمتابعة الملف القانوني للممرضة، كما تقدمت الممرضة بشكوى إلى نقابة الأطباء للمطالبة بالتحقيق في الواقعة.
ووصف الدكتور أحمد القاصد، رئيس جامعة المنوفية، ما حدث بأنه واقعة فردية ومحدودة لا تعبر عن طبيعة العلاقة بين فئات العمل المختلفة داخل المعهد، مؤكدًا أن الجامعة ستتعامل مع نتائج التحقيق وفق القوانين واللوائح، وحتى وقت إعداد التقرير، لم تعلن الجامعة نتيجة نهائية للتحقيق أو ما انتهى إليه فحص تسجيلات كاميرات المراقبة.
من العناية المركزة إلى الطوارئ
تختلف واقعة معهد الكبد في أطرافها عن حوادث أخرى شهدتها المستشفيات، لكنها أعادت إلى الواجهة وقائع خرج فيها الخلاف داخل مكان تقديم الخدمة الطبية من حدود الاعتراض إلى الاعتداء، ففي 28 يوليو 2025، أعلنت مديرية الشؤون الصحية بالشرقية تعرض طبيب الجراحة العامة بمستشفى أبو حماد المركزي لاعتداء بدني ولفظي أثناء عمله بقسم الاستقبال والطوارئ
وقالت المديرية إن حالة مرضية كانت تحتاج إلى تخصص أوعية دموية غير متوفر بالمستشفى، وبعد الكشف عليها وإجراء الفحوصات واتخاذ إجراءات تحويلها إلى مستشفى الزقازيق العام، اعتدى مرافقون للحالة على الطبيب.
وأسفر الاعتداء، وفق بيان المديرية، عن إصابة الطبيب بكدمات متفرقة في الوجه والعين وجرح قطعي بطول 10 سنتيمترات في الرأس، وأُخطرت الأجهزة الأمنية وحُرر محضر رسمي، وأعلنت المديرية التحفظ على المعتدين بقسم شرطة أبو حماد لاتخاذ الإجراءات القانونية
وفي أغسطس 2025، دخل خمسة من ذوي أحد المرضى قسم العناية المركزة بمستشفى دكرنس العام في الدقهلية دون تصريح وفي غير مواعيد الزيارة، وأعلنت النيابة العامة أن المتهمين اعتدوا على عدد من الأطباء بالسب والضرب وأحدثوا تلفيات داخل القسم، قبل ضبطهم وحبسهم احتياطيًا على ذمة التحقيقات، وبعدها بشهرين، شهد مستشفى سوهاج العام اعتداء على طبيب مقيم بعناية القلب، وقالت نقابة الأطباء إن عددًا من مرافقي مريضة اقتحموا القسم واعتدوا على الطبيب بالضرب والسب، كما لحقت تلفيات ببعض الأجهزة وتعطل العمل داخل القسم مؤقتًا، وفي سبتمبر 2026، تعرض طبيب بقسم الطوارئ في مستشفى الزهور ببورسعيد لاعتداء خلال مشاجرة مع ذوي مريضة، وأصيب بكسر في القدم إلى جانب كدمات وسحجات، وحُرر محضر بالواقعة واتُخذت الإجراءات القانونية.
التمريض أيضًا في دائرة الاعتداء
ولم تقتصر الوقائع على الأطباء، إذ تعرض أفراد من أطقم التمريض أيضًا لاعتداءات داخل أماكن عملهم، ففي فبراير 2026، أعلنت النقابة العامة للتمريض تعرض ممرضة بقسم الأطفال في مستشفى نجع حمادي العام بمحافظة قنا لاعتداء من أقارب طفل مريض، وقالت إن الممرضة أصيبت بكسر في الذراع وكدمات متفرقة، وحُرر محضر رسمي واستُخرج تقرير طبي بالإصابات.
وسبقت ذلك قضية مستشفى قويسنا المركزي بالمنوفية، التي بدأت باعتداء على أفراد من هيئة التمريض وعاملين بالمستشفى في ديسمبر 2022، قبل أن تنتقل إلى القضاء، وفي 7 ديسمبر 2023، قضت محكمة جنح قويسنا، في الجنحة رقم 26190 لسنة 2022، بحبس أربعة متهمين ستة أشهر في واقعة الاعتداء على ثلاثة من أفراد هيئة التمريض، مع قبول الدعوى المدنية.
ورغم تعدد الوقائع المنشورة، لا يتوافر إحصاء وطني حديث يجمع الاعتداءات على الأطباء وأفراد التمريض في مصر أو يبين عدد القضايا التي وصلت إلى المحاكم ونتائجها.
لذلك لا تكفي الحالات المرصودة للقول إن معدل الاعتداءات ارتفع أو انخفض، لكنها توثق وقائع حدثت في محافظات مختلفة وطالت أطباء وأفراد تمريض داخل أماكن عملهم.
العنف داخل المستشفيات ليس قاصرًا على مصر
الاعتداء على العاملين في القطاع الصحي لا يقتصر على مصر، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ما بين 8% و38% من العاملين في الرعاية الصحية يتعرضون للعنف الجسدي في مرحلة ما من حياتهم المهنية، إلى جانب تعرض أعداد أكبر للتهديد والإساءة اللفظية.
وفي دراسة دولية شملت 5405 من العاملين الصحيين في 79 دولة، قال نحو 55% من المشاركين إنهم تعرضوا شخصيًا للعنف، وذكر 16% أنهم شاهدوا اعتداءات على زملائهم، وكان المرضى أو أفراد أسرهم مسؤولين عن أكثر من نصف الوقائع التي أبلغ عنها المشاركون.
وامتد أثر الاعتداء إلى العمل نفسه، إذ قال 55% ممن تعرضوا للعنف إن التجربة قللت دافعيتهم للعمل أو زادت عدم رضاهم الوظيفي، بينما أبدى ربعهم استعدادًا لترك العمل.
وفي مصر، أظهرت دراسة أجريت على 108 من العاملين بأقسام الطوارئ في مستشفيات جامعة عين شمس أن العنف اللفظي جاء في مقدمة صور العنف التي رصدتها الدراسة بنسبة 86.1%، بينما بلغت نسبة العنف الجسدي 34.3%.
وأشار العاملون المشاركون في الدراسة إلى الزحام ونقص الإمكانات ضمن المشكلات المرتبطة بوقوع العنف، فيما ذكر مرضى ومرافقون مشكلات التواصل ونقص الموارد وطول فترات الانتظار ضمن عوامل التوتر.
وقد تساعد هذه العوامل في فهم الظروف التي يتصاعد فيها التوتر داخل بعض المستشفيات، لكنها لا تبرر الاعتداء، فالاعتراض على مستوى الخدمة أو طول الانتظار أو قرار طبي له مسارات للشكوى والمساءلة بعيدًا عن الإهانة والعنف.
أثر لا ينتهي بانتهاء الواقعة
وقال الدكتور إبراهيم طارق، استشاري طب الأطفال، إن وجود إجراءات واضحة لحماية الأطقم الطبية يساعد الأطباء والتمريض على أداء عملهم بأمان، ولا يحول دون محاسبة أي شخص يثبت ارتكابه خطأ مهنيًا.
وأضاف: «إحنا محتاجين حماية كاملة للطبيب والتمريض وكل أفراد الفريق الطبي، مش بهدف منع أي حد من المحاسبة لو أخطأ، لكن علشان يكون فيه فصل واضح بين المحاسبة على الخطأ وبين الاعتداء أو الإهانة داخل مكان العمل».
وأكد طارق أن الاعتداء إذا وقع من أحد أفراد الفريق الطبي على زميل له يجب ألا تكون صفة المعتدي سببًا للتهاون في التعامل معه، وأن الخلافات داخل المنشأة لها إجراءات للتحقيق والمحاسبة.
أما الدكتور السيد الذهب، استشاري النساء والتوليد، فقال إن أثر الاعتداء قد يستمر بعد انتهاء الواقعة بما يتركه من خوف أو شعور بعدم الأمان لدى الطبيب أو الممرض، خاصة أن العمل الطبي يحتاج إلى التركيز والهدوء وسرعة اتخاذ القرار.
وأضاف: «الموضوع مش بيخلص بانتهاء الواقعة، لأن ممكن يفضل عنده إحساس بالخوف أو عدم الأمان، وده بالتأكيد بيأثر على بيئة العمل كلها».
ماذا يقول القانون؟
ينظم قانون تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض رقم 13 لسنة 2025 حماية مقدمي الخدمة الطبية، وفي الوقت نفسه يحدد مسارًا للشكاوى المتعلقة بالأخطاء الطبية
وتقول نسمة عبد الوهاب، المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، إن القانون أبقى تطبيق العقوبة الأشد إذا كان قانون آخر يقررها عن الفعل نفسه، وتشمل الحماية المهن الطبية التي حددها القانون، ومن بينها التمريض العالي وهيئات التمريض الفنية.
وأوضحت أن المادة 23 تقرر عدم إخلال العقوبات الواردة في المواد التالية بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر، بينما تجرم المادة 24 إهانة مقدم الخدمة بالإشارة أو القول أو التهديد أثناء تأدية مهنته أو بسببها، وتقرر الحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر أو غرامة لا تجاوز 10 آلاف جنيه.
وتتناول المادة 25 الاعتداء على مقدم الخدمة أو مقاومته بالقوة أو العنف أثناء تأدية مهنته أو بسببها، إلى جانب الإتلاف العمدي للمنشآت التي تقدم الخدمة الطبية أو محتوياتها، وتقرر الحبس مدة لا تزيد على سنة أو غرامة لا تجاوز 50 ألف جنيه، مع تشديد العقوبة في الحالات التي حددها القانون.
وفي ما يتعلق بالشكاوى بشأن الأخطاء الطبية، قالت عبد الوهاب إن المادة 10 تمنح اللجنة العليا للمسؤولية الطبية اختصاصات تتعلق بالشكاوى المقدمة ضد مقدمي الخدمة أو المنشآت، وتقارير اللجان الفرعية والتظلمات المقدمة بشأنها.
وقد تنطبق على العاملين في المستشفيات والجهات الحكومية نصوص أخرى في قانون العقوبات تتعلق بالموظف العام أو المكلف بأداء خدمة عامة، بحسب صفة الشخص وطبيعة الواقعة وما تثبته التحقيقات، ويبقى تحديد النص القانوني المنطبق والعقوبة من اختصاص جهات التحقيق والمحاكمة وفق ظروف كل واقعة.
وفي معهد الكبد بالمنوفية، تبقى الكلمة الأخيرة للتحقيقات التي بدأت عقب الواقعة، مع فحص تسجيلات كاميرات المراقبة وسماع الشهود وروايتي طرفي الخلاف.
وحتى وقت إعداد التقرير، لم تعلن جامعة المنوفية نتيجة التحقيق أو قرارًا نهائيًا بشأن رئيس القسم، بينما تتمسك الممرضة بشكواها وتواصل نقابة التمريض متابعة الإجراءات القانونية، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات عما جرى داخل المعهد ومن يتحمل المسؤولية عنه.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







