اتفاق 4+4 في ليبيا.. هل يقود إلى الانتخابات أم يعيد إنتاج الانقسام؟
يثير اتفاق 4+4 في ليبيا تساؤلات بشأن مدى قدرته على نقل البلاد من مرحلة الانقسام السياسي والمؤسسي إلى مسار انتخابي يفضي إلى توحيد السلطة وإنهاء الأزمات المتراكمة، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بتوزيع النفوذ ومراكز القوة العسكرية والأمنية.
ويرى عبد الباسط عتيقي، المحلل الاستراتيجي، أن الاتفاق يمثل بداية لمسار سياسي جديد، لكنه لا يشكل ضمانة للوصول إلى الانتخابات أو إنهاء الانقسام، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الأطراف الليبية على تنفيذ ما جرى التوافق عليه وقبول نتائج العملية السياسية.
قال عتيقي في تصريحات خاصة ل " النهار" إن تنفيذ اتفاق 4+4 والوصول إلى الانتخابات خلال المدة المحددة ممكنان من الناحيتين الفنية والقانونية، لا سيما أن الاتفاق عالج جانبًا مهمًا من الإطار الانتخابي، فيما اعتبرت الأمم المتحدة المسار خطوة باتجاه إجراء الانتخابات خلال فترة لا تتجاوز عامين.
لكنه شدد على أن وجود جدول زمني، أو تعديل القوانين الانتخابية، أو إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، لا يمثل ضمانًا كافيًا لإتمام الاستحقاق الانتخابي، موضحًا أن التجربة الليبية السابقة تؤكد أن العقبات لم تكن مرتبطة دائمًا بالقدرة الفنية على تنظيم الانتخابات.
وأشار المحلل الاستراتيجي إلى أن ليبيا كانت تمتلك مفوضية انتخابية قائمة وسلطة تنفيذية موحدة، كما قطعت العملية الانتخابية شوطًا كبيرًا، إلا أنها لم تصل إلى نهايتها في انتخابات ديسمبر 2021.
وأضاف أن هذه التجربة تكشف أهمية البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات، محذرًا من اعتبار مدة العامين نتيجة مضمونة، ومعتبرًا إياها اختبارًا حقيقيًا لإرادة مراكز القوة في قبول انتقال السلطة واحترام نتائج صناديق الاقتراع.
توحيد المؤسسات لا يعني انتهاء الانقسام
وفيما يتعلق بفرص إنهاء الانقسام بين شرق ليبيا وغربها، دعا عتيقي إلى التمييز بين توحيد المؤسسات رسميًا وإنهاء الانقسام الفعلي في مراكز النفوذ، موضحا أن التوصل إلى حكومة واحدة وبرلمان واحد ومؤسسات موحدة لا يعني بالضرورة أن مراكز القوة التي تتحكم في الأرض والموارد والأمن أصبحت جزءًا من منظومة دولة واحدة، مؤكدًا أن توحيد المؤسسات يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء الانقسام.
وطرح المحلل الاستراتيجي تساؤلًا محوريًا بشأن قدرة السلطة التي ستنتج عن المسار السياسي على ممارسة صلاحياتها على كامل الأراضي الليبية، والحصول على قبول مراكز القوة المختلفة، لافتا إلى أن نجاح السلطة في تحقيق ذلك سيمثل تحولًا حقيقيًا، بينما قد يؤدي بقاء المؤسسات موحدة على الورق مع استمرار استقلال مراكز النفوذ على أرض الواقع إلى تغيير شكل الانقسام دون إنهائه.
اتفاق 4+4.. بداية لمسار سياسي وليس نهاية للأزمة
وأكد عتيقي، أن اتفاق 4+4 ينبغي النظر إليه باعتباره بداية لمسار سياسي، وليس حلًا نهائيًا للانقسام الليبي، مشيرًا إلى أن الاتفاقات السياسية تضع قواعد اللعبة، لكنها لا تضمن التزام جميع الأطراف بنتائجها عندما تتعارض مع مصالحها، مضيفا أن التجارب السابقة أظهرت خطورة التعامل مع توقيع الاتفاقات بوصفه مرادفًا لحل الأزمة، مشددًا على أن التقييم الحقيقي لأي اتفاق يجب أن يستند إلى ما يحدث بعد التوقيع، ومدى قدرة الأطراف على تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
وأشار إلى أن الاتفاق يمثل خطوة جديدة لا ينبغي التقليل من أهميتها، لكنه لا يلغي الخلافات السياسية التي أسهمت في إنتاج الأزمة الليبية، موضحًا أن قيمة الاتفاق ستتحدد بقدرته على الانتقال من النصوص إلى إجراءات تنفيذية ملموسة.
وحذر المحلل الاستراتيجي عبد الباسط عتيقي، من اختزال التحدي الليبي في مجرد تنظيم الانتخابات، لافتًا إلى احتمال ظهور أزمة جديدة بعد إجراء الاستحقاق الانتخابي، ترتبط بقبول النتائج وانتقال السلطة، موضحا أن المخاوف لا تتعلق فقط بإمكانية تعثر الانتخابات، بل تمتد إلى سيناريو إجرائها بالفعل ثم اندلاع خلافات بشأن شرعية النتائج أو آليات تسليم السلطة، معتبرًا أن هذه المسألة تمثل جوهر الأزمة السياسية في ليبيا.
وتابع أن نجاح العملية الانتخابية لا يقاس فقط بفتح مراكز الاقتراع وإعلان النتائج، وإنما بقدرة جميع مراكز القوة على احترام مخرجات الصندوق، وتمكين المؤسسات المنتخبة من ممارسة صلاحياتها.
توحيد المؤسسة العسكرية.. المسار السياسي والأمني بالتوازي
وفي ما يتعلق بأولوية توحيد المؤسسة العسكرية أم إنهاء الانقسام السياسي، رأى عتيقي أن المسارين لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما منفصلين تمامًا، مؤكدًا أن التوافق السياسي يجب أن يوفر الإطار الذي تتم داخله عملية توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.
وأوضح أن التجزؤ الأمني في ليبيا يرتبط بالانقسام السياسي، وأن إنشاء سلطة مدنية موحدة يمثل عنصرًا أساسيًا في معالجة الانقسام الأمني، مع التأكيد على ضرورة عدم استمرار المرحلة الانتقالية إلى أجل غير محدد في ظل بقاء المؤسسات العسكرية والأمنية مجزأة.
وأشار إلى أن المسارين السياسي والأمني يجب أن يتحركا بالتوازي، ضمن تسلسل سياسي واضح يبدأ بتوافق ينتج سلطة شرعية وموحدة، ثم إطلاق عملية حقيقية لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت سلطة الدولة.
واختتم عتيقي رؤيته بالتأكيد على أن السؤال المركزي في الأزمة الليبية لا يتمثل فقط في كيفية إجراء الانتخابات، بل في طبيعة الأوضاع التي ستنشأ في اليوم التالي لها، لافتا إلى إن قبول جميع مراكز القوة بنتائج الانتخابات وانتقال السلطة فعليًا إلى المؤسسات المنتخبة سيكون مؤشرًا على دخول ليبيا مرحلة سياسية جديدة، بينما سيؤدي تنظيم الانتخابات دون ضمان انتقال السلطة إلى نقل الأزمة من مرحلة ما قبل الانتخابات إلى مرحلة ما بعدها.
وبذلك، يضع اتفاق 4+4 أمام اختبار يتجاوز توقيع الوثيقة وإقرار الترتيبات الانتخابية، ليصل إلى مدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل التوافق السياسي إلى مؤسسات فاعلة، وانتقال سلمي للسلطة، وتوحيد حقيقي لمراكز القرار في البلاد.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







