استقالة ستارمر وصعود بيرنهام.. هل يبدأ حزب العمال مرحلة إنقاذ سياسي واقتصادي؟
دخلت بريطانيا مرحلة سياسية جديدة مع تقديم رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته رسميًا، وتكليف زعيم حزب العمال الجديد آندي بيرنهام بتشكيل الحكومة، في انتقال يعكس محاولة الحزب الحاكم احتواء أزمة سياسية وشعبية متفاقمة، وإعادة بناء الثقة قبل الانتخابات المقبلة، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتراجع التأييد الشعبي لأداء الحكومة.
وجاء انتقال السلطة بعد أشهر من تصاعد الانتقادات التي واجهها ستارمر بسبب تباطؤ الاقتصاد، وتراجع أداء الخدمات العامة، وخسارة الحزب في الانتخابات المحلية، ما دفع قيادة العمال إلى إجراء تغيير سريع في قمة السلطة أملاً في استعادة الزخم السياسي وإعادة ترتيب أولويات الحكومة.
نهاية مرحلة
وقدم ستارمر استقالته إلى الملك تشارلز الثالث، معلنًا انتهاء مهمته بعد نحو عامين في رئاسة الحكومة، مؤكداً في كلمة الوداع أن بريطانيا أصبحت "أقوى وأكثر عدلاً" مقارنة ببداية ولايته، وأنه يغادر منصبه وهو يشعر بالرضا عن حصيلة حكومته.
كما أعلن دعمه الكامل لخلفه آندي بيرنهام، معتبراً أن الحزب بحاجة إلى قيادة جديدة تستطيع خوض المرحلة المقبلة، بعد أن كان قد تخلى في وقت سابق عن رئاسة حزب العمال تمهيدًا لاختيار زعيم جديد.
ورغم دفاعه عن إنجازات حكومته، فإن رحيل ستارمر جاء بعد تزايد الضغوط السياسية داخل الحزب، على خلفية الأداء الاقتصادي الضعيف، والجدل الذي أثاره تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا لدى واشنطن، إضافة إلى النتائج المخيبة في الانتخابات المحلية والفرعية.
صعود بيرنهام
ويتولى آندي بيرنهام، الذي يوصف داخل الأوساط السياسية البريطانية بـ"ملك الشمال" بعد سنوات قضاها رئيسًا لبلدية مانشستر الكبرى، قيادة الحكومة باعتباره سابع رئيس وزراء تشهده المملكة المتحدة خلال عقد واحد، وهو رقم يعكس استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي التي ميزت الحياة البريطانية منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.
ووصل بيرنهام إلى زعامة حزب العمال بعد فوزه دون منافس، مستفيدًا من الشعبية التي حققها في شمال إنجلترا، ومن صورته كسياسي قريب من القضايا الاجتماعية والخدمية، وهو ما يسعى الحزب إلى توظيفه لاستعادة ثقة الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب خلال الأشهر الماضية.
أولويات اقتصادية
ويرى مراقبون أن الملف الاقتصادي سيكون الاختبار الأول للحكومة الجديدة، في ظل استمرار أزمة تكاليف المعيشة، وضعف معدلات النمو، وتراجع أداء المرافق العامة، وهي الملفات التي كانت في صدارة الانتقادات الموجهة لحكومة ستارمر.
وأعلن بيرنهام أن حكومته ستتبنى سياسة تقوم على "إعادة ضبط" أولويات الدولة، من خلال توجيه الموارد نحو تحسين مستوى المعيشة، وإصلاح الخدمات العامة، وتحفيز الاقتصاد، معتبراً أن البلاد تحتاج إلى تغيير سياسي يعيد الثقة بالمؤسسات ويعالج الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
كما يواجه رئيس الوزراء الجديد مهمة معقدة تتمثل في تشكيل فريق حكومي قادر على إدارة الملفات الاقتصادية الحساسة، وعلى رأسها اختيار وزير للمالية يحظى بثقة الأسواق والحزب في آن واحد، خصوصًا أن الخلافات حول هذا المنصب كانت سببًا في إضعاف حكومات بريطانية سابقة.
تحديات سياسية
ولا تقتصر التحديات أمام بيرنهام على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى ضرورة إعادة توحيد حزب العمال بعد مرحلة شهدت انقسامات داخلية وتراجعًا في الشعبية، فضلاً عن مواجهة معارضة تسعى لاستثمار أي تعثر جديد للحكومة.
ويعتقد محللون أن القيادة الجديدة ستسعى إلى إعادة صياغة الخطاب السياسي للحزب، عبر التركيز بصورة أكبر على القضايا المعيشية والخدمات العامة، والابتعاد عن الملفات التي أثارت انقسامات داخلية، بما يساعد على استعادة القاعدة الانتخابية التقليدية للحزب.
كما أن نجاح بيرنهام سيبقى مرتبطًا بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة قصيرة، في وقت يزداد فيه الضغط الشعبي لمعالجة التضخم وتحسين مستويات الدخل والخدمات، وهي قضايا باتت تمثل المعيار الرئيسي لتقييم أداء أي حكومة في بريطانيا.
مرحلة مفصلية
ويشير انتقال السلطة داخل حزب العمال إلى أن القيادة الجديدة تدرك أن استمرار النهج السابق لم يعد كافيًا لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، وأن الحزب يحاول استباق أي تراجع إضافي في شعبيته عبر ضخ قيادة جديدة تحمل خطابًا أكثر ارتباطًا بالقضايا اليومية للمواطنين.
وفي المقابل، فإن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهونًا بقدرة الحكومة الجديدة على تحويل الوعود إلى سياسات عملية، إذ إن الأزمة التي تواجهها بريطانيا لم تعد تقتصر على تغيير الأشخاص، بل تتعلق بإيجاد حلول مستدامة لاقتصاد يعاني تباطؤًا، وخدمات عامة تواجه ضغوطًا متزايدة، ومشهد سياسي يبحث منذ سنوات عن قدر أكبر من الاستقرار.
وبذلك، لا يمثل انتقال السلطة من كير ستارمر إلى آندي بيرنهام مجرد تغيير في قيادة الحكومة، بل يعكس محاولة لإعادة رسم مسار حزب العمال واستعادة ثقة الناخبين، في مرحلة قد تحدد مستقبل الحزب الحاكم وموقعه في الحياة السياسية البريطانية خلال السنوات المقبلة.




.png)












.jpg)


.jpg)






