كيف ينظر الداخل الإيراني إلي المفاوضات الجارية مع أمريكا؟
كشف النائب المتشدد محمود نبوي عن وجود انقسام عميق داخل هرم السلطة الإيرانية عندما قرأ على الهواء مقتطفات من مراسلات وُصفت بأنها «سرية للغاية» صادرة عن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وهو ما يعني أن الخلافات لم تعد محصورة داخل الغرف المغلقة بل انتقلت إلى المجال العام، وأظهر التسريب أن خامنئي لم يكن متحمساً للمسار التفاوضي مع واشنطن منذ البداية، وأنه اعتبر ما انتهت إليه المفاوضات مختلفاً جذرياً عن الشروط التي وضعها لمنحها الشرعية السياسية والدينية، بحسب عزت إيراهيم المحلل السياسي.
وأكد نبوي أن المرشد لم ينظر إلى المفاوضات باعتبارها وسيلة لمعالجة الملف النووي، بل باعتبارها أداة لإنهاء الحرب وانتزاع تعويضات من الولايات المتحدة عن الأضرار التي لحقت بإيران، وكشف الجدل أن الملف النووي لم يعد يحتل الموقع المركزي الذي شغله لعقود داخل التفكير الإيراني، إذ تشير الرسائل المسربة إلى رغبة خامنئي في تجنب تحويله إلى محور التفاوض الرئيسي.
أوضح نبوي أن المرشد طرح معادلة حادة تقوم على خيارين فقط: إما انتزاع اعتراف أمريكي كامل بحق إيران في التخصيب، أو إخراج القضية النووية نهائياً من جدول الأعمال السياسي والدبلوماسي، وفضحت الواقعة وقطع البث التلفزيوني عن المتحدث حجم التباعد بين الجناح ح الذي يقوده الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وبين التيار العقائدي الذي يرى أن التفاهم مع واشنطن يمثل تنازلاً استراتيجياً خطيراً.
وأبرزت الرسائل المسربة أن مضيق هرمز لا يُنظر إليه في طهران كممر ملاحي فحسب، بل كورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لفرض شروط سياسية واقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها، وأظهرت تصريحات نبوي أن خامنئي كان يتصور نظاماً جديداً لإدارة الملاحة في هرمز يقوم على فرض رسوم على بعض السفن ومنع أخرى وإعفاء سفن الحلفاء، وهو تصور يتجاوز كثيراً ما ورد في مذكرة التفاهم.
وكشفت الأزمة أن القيادة الإيرانية كانت تطالب بتعويضات مالية أمريكية وسداد ديون قبل تقديم أي تنازلات تتعلق بالمضيق أو القضايا الأمنية، وهو ما لم يتحقق في الاتفاق الحال، وأكد رد فعل التلفزيون الرسمي أن الدولة الإيرانية تنظر إلى ما حدث باعتباره خرقاً أمنياً وليس مجرد جدل سياسي، خصوصاً بعد الحديث عن ملاحقات قضائية واستقالات داخل المؤسسة الإعلامية.
وأظهر الانتقاد الذي وجهته وسائل إعلام محافظة لنبوي أن الخلاف لا يتعلق فقط بمضمون الاتفاق، بل أيضاً بطريقة عرض المعلومات وانتقائية استخدام الوثائق السرية لخدمة أجندة سياسية محددة، كما عكس الجدل المتصاعد حالة صراع على رواية الاتفاق نفسه؛ فكل طرف يحاول إقناع الرأي العام بأنه يمثل الإرادة الحقيقية للمرشد الأعلى بينما الطرف الآخر انحرف عنها.
أوضحت الرسالة المنسوبة إلى خامنئي أنه وافق على مذكرة التفاهم رغم تحفظاته المبدئية، وهو ما يشبه في نظر بعض المحللين لحظات تاريخية اضطرت فيها القيادة الإيرانية إلى قبول تسويات لا تنسجم بالكامل مع قناعاتها الأيديولوجية، وأعادت الأزمة إلى الواجهة السؤال التقليدي في السياسة الإيرانية: هل المرشد هو صاحب القرار النهائي في كل التفاصيل، أم أنه يترك مساحة للمؤسسات التنفيذية لتحمل مسؤولية القرارات الصعبة؟.
كما كشفت النقاشات داخل طهران أن التيار الرافض للتفاهم مع واشنطن أوسع بكثير من جبهة “بايداري” المتشددة، إذ يضم شبكات إعلامية ودينية وأمنية ترى أن أي انفتاح على الولايات المتحدة يهدد هوية النظام، وأظهرت تعليمات مجلس الأمن القومي الإيراني لوسائل الإعلام وجود قلق رسمي من تصوير إغلاق مضيق هرمز والمفاوضات الأمريكية الإيرانية باعتبارهما مسارين متناقضين، ما يعكس حساسية التوازن بين القوة العسكرية والدبلوماسية.
وأكد الخطاب الرسمي الجديد أن طهران تريد تقديم الإغلاق المتكرر للمضيق كأداة دعم للمفاوضات وليس بديلاً عنها، أي أن التصعيد العسكري أصبح جزءاً من استراتيجية التفاوض وليس نقيضاً لها، وكشفت النقاشات الداخلية أن القيادة الإيرانية تخشى من تحميلها منفردة مسؤولية الاتفاق إذا فشل، لذلك بدأت مبكراً معركة توزيع الفضل في حال النجاح وتوزيع اللوم في حال الإخفاق.
وأبرزت تحليلات النخبة الإيرانية أن نجاح أي تفاهم مع واشنطن بات مرتبطاً أيضاً بإعادة بناء العلاقات مع دول الخليج العربية، إذ لم يعد ممكناً الفصل بين المسارين الإقليمي والدولي، وأظهرت ردود الفعل الشعبية والمعارضة الإيرانية أن جزءاً من الإيرانيين لا ينظر إلى الاتفاق باعتباره انتصاراً دبلوماسياً، بل كترتيب يمنح النظام فرصة جديدة للبقاء بعد الحرب، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول شرعية التفاهم رغم توقف المواجهات العسكرية.





.jpg)






