د. محمد عز العرب لـ«النهار»: مصر هزمت فيروس سي.. وأورام الكبد وهجرة الأطباء أخطر التحديات (حوار)
محمد عز العرب لـ«النهار»: العلاج المناعي أحدث طفرة في مواجهة أورام الكبد
لسنوات طويلة، ظل ملف الفيروسات الكبدية يمثل أحد أخطر التحديات الصحية في مصر، بعدما تحولت الإصابة بفيروس “سي” إلى أزمة مزمنة هددت حياة ملايين المواطنين، ووضعت البلاد ضمن أعلى دول العالم في معدلات الإصابة، بما تبعه من ارتفاع مخيف في نسب تليف وأورام الكبد، لكن ما بدا يومًا معركة مستحيلة، نجحت الدولة المصرية في تحويله إلى واحدة من أكبر قصص النجاح الطبي عالميًا، عبر حملة قومية غير مسبوقة للقضاء على الفيروس، حصدت إشادات دولية واسعة وأعادت رسم خريطة الصحة العامة في مصر.
ورغم هذا الإنجاز التاريخي، لا تزال التحديات الصحية مستمرة، فمع تراجع الفيروسات الكبدية، برزت مخاطر جديدة أكثر تعقيدًا، على رأسها أورام الكبد المرتبطة بالتليف والكبد الدهني والسمنة، إلى جانب الزيادة الملحوظة في الأمراض المزمنة الناتجة عن أنماط الحياة غير الصحية، وفي المقابل، تواجه المنظومة الصحية تحديًا آخر لا يقل خطورة، يتمثل في هجرة الأطباء، التي تحولت إلى نزيف مستمر يهدد استقرار القطاع الطبي ويضع مستقبل الخدمات الصحية أمام علامات استفهام كبيرة.
وفي هذا الحوار، يتحدث الدكتور محمد عز العرب، استشاري الكبد والجهاز الهضمي والمناظير، ورئيس وحدة أورام الكبد بالمعهد القومي للكبد، عن خريطة أمراض الكبد والجهاز الهضمي في مصر، وأسباب تزايد أورام الكبد، وأحدث وسائل العلاج، كما يفتح ملفات شائكة تتعلق بالمكملات الغذائية وصناعة الدواء وأزمة هجرة الأطباء، مؤكدًا أن الوقاية والكشف المبكر يظلان السلاح الأهم لحماية صحة المصريين.
في البداية.. كيف ترى تجربة مصر في القضاء على فيروس سي؟
مصر قدمت واحدة من أنجح التجارب الصحية على مستوى العالم، بل يمكن وصفها بأنها “الأكبر في التاريخ” من حيث حجم الفحص والعلاج، حيث نجحت الدولة خلال فترة قصيرة في فحص ملايين المواطنين، وتوفير العلاج المجاني لأعداد ضخمة من المرضى، وهو ما أدى إلى خفض نسب الإصابة إلى أقل من 1%، وهي نسبة غير مسبوقة، وهذه التجربة لم تكن مجرد حملة علاجية، لكنها نموذج متكامل جمع بين الإرادة السياسية، والتنظيم الجيد، والتوعية المجتمعية، لذلك حظيت بإشادات واسعة من المؤسسات الصحية الدولية، وأصبحت تجربة ملهمة للعديد من الدول.
كيف ترى الوضع الحالي لأمراض الكبد والجهاز الهضمي في مصر؟ وما أكثر الأمراض انتشارًا حاليًا؟
أمراض الكبد والجهاز الهضمي لا تزال تمثل عبئًا صحيًا كبيرًا، لكن طبيعة الأمراض تغيرت خلال السنوات الأخيرة، فبعد التراجع الكبير في فيروس “سي”، أصبحت الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة أكثر انتشارًا، مثل الكبد الدهني، والسمنة، وارتجاع المريء، والقولون العصبي، إلى جانب أمراض الجهاز الهضمي المرتبطة بالتغذية غير الصحية، كما أن أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم باتت تؤثر بشكل مباشر على صحة الكبد، وهو ما يجعل الوقاية وتغيير نمط الحياة أمرًا بالغ الأهمية خلال المرحلة الحالية.
إلى أي مدى ساهمت السمنة والكبد الدهني والعادات الغذائية الخاطئة في زيادة أمراض الكبد؟ وما تأثير ذلك على صحة الأطفال؟
السمنة أصبحت من أخطر التحديات الصحية حاليًا، لأنها ترتبط بشكل مباشر بزيادة معدلات الإصابة بالكبد الدهني، الذي قد يتطور مع الوقت إلى تليف أو أورام في الكبد إذا لم يتم التعامل معه مبكرًا، وللأسف، العادات الغذائية الخاطئة، مثل الإفراط في الوجبات السريعة والمشروبات الغازية وقلة النشاط البدني، ساهمت بشكل كبير في زيادة معدلات الإصابة حتى بين الأطفال، وأصبحنا نرى حالات كبد دهني وسمنة في أعمار صغيرة، وهو أمر مقلق جدًا لأنه يهدد بظهور أمراض مزمنة مبكرًا.
هل أصبحت أورام الكبد تمثل خطرًا متزايدًا في السنوات الأخيرة؟ وما أبرز أسباب الإصابة بها؟
بالفعل، أورام الكبد ما زالت تمثل تحديًا صحيًا كبيرًا، خاصة أن كثيرًا من الحالات ترتبط بمضاعفات أمراض الكبد المزمنة، مثل التليف الناتج عن الفيروسات الكبدية أو الكبد الدهني، ورغم تراجع تأثير فيروس “سي” بعد نجاح الدولة في العلاج، فإن هناك عوامل أخرى أصبحت تلعب دورًا مهمًا، مثل السمنة، والكبد الدهني، والتدخين، وبعض العادات الغذائية غير الصحية، لذلك لا بد من التركيز على الوقاية والكشف المبكر.
ما العلامات المبكرة التي قد تنذر بالإصابة بسرطان الكبد؟ ولماذا يتم اكتشاف كثير من الحالات في مراحل متأخرة؟
المشكلة أن سرطان الكبد في مراحله الأولى قد لا يسبب أعراضًا واضحة، لذلك يطلق عليه أحيانًا “المرض الصامت”، لكن هناك بعض العلامات التي يجب الانتباه لها، مثل فقدان الوزن غير المبرر، وآلام الجزء العلوي من البطن، وفقدان الشهية، والإرهاق المستمر، واصفرار الجلد أو العينين، ووكثير من الحالات يتم اكتشافها متأخرًا بسبب غياب الفحوصات الدورية، خاصة لدى مرضى التليف والكبد المزمن، لذلك نؤكد دائمًا أهمية المتابعة المستمرة وعمل الأشعة والتحاليل بشكل دوري للفئات الأكثر عرضة للخطر.
هل ترى أن منظومة الكشف المبكر كافية حتى الآن؟
لا تزال بحاجة إلى دعم أكبر، خاصة فيما يتعلق بالأورام، لأن الكشف المبكر هو العامل الأهم في تقليل نسب الوفاة، حيث يتيح اكتشاف المرض في مراحله الأولى، ما يزيد من فرص الشفاء بشكل كبير، كما نحتاج إلى توسيع برامج الفحص الدوري، وربطها بقاعدة بيانات دقيقة، إلى جانب رفع وعي المواطنين بأهمية المتابعة الصحية المستمرة وعدم الانتظار حتى ظهور الأعراض.
ما أحدث طرق علاج أورام الكبد والجهاز الهضمي داخل مصر؟ وهل أحدث العلاج المناعي طفرة حقيقية؟
شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في علاج أورام الكبد والجهاز الهضمي، سواء من خلال التكنولوجيا الحديثة أو العلاجات المتطورة، ومع دخول الذكاء الاصطناعي والمناظير الذكية أصبح اكتشاف الأورام يتم بصورة أكثر دقة وفي مراحل مبكرة، أما العلاج المناعي، فقد أحدث بالفعل طفرة حقيقية في علاج بعض أنواع الأورام، لأنه يعتمد على تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية، وحقق نتائج جيدة لدى عدد من المرضى، خاصة عند استخدامه في التوقيت المناسب ووفقًا للحالة الطبية، كما تطورت وسائل التدخل المحدود والعلاج التداخلي بشكل كبير، وهو ما ساعد على تحسين نسب الشفاء وتقليل المضاعفات.
كيف ترى وضع صناعة الدواء في مصر؟
تصنيع الأدوية محليًا، خاصة أدوية الأورام، يمثل قضية أمن قومي صحي، لأن الاعتماد الكامل على الاستيراد يضع الدولة أمام تحديات كبيرة، سواء فيما يتعلق بالتكلفة أو توافر العلاج، لذلك، دعم الصناعة الوطنية للأدوية خطوة ضرورية لضمان استدامة توفير العلاج للمواطنين بأسعار مناسبة، إلى جانب تقليل الضغط الناتج عن الأزمات العالمية أو نقص سلاسل الإمداد.
هناك جدل واسع حول المكملات الغذائية.. كيف تراه؟
المشكلة أن كثيرًا من المواطنين يتعاملون مع المكملات الغذائية باعتبارها “منتجات آمنة” أو مجرد غذاء، بينما الحقيقة أنها قد تكون أقرب إلى الأدوية، وقد تسبب آثارًا جانبية خطيرة إذا استُخدمت بشكل خاطئ، لذلك نحن بحاجة إلى رقابة أكثر صرامة على هذا السوق، مع ضرورة توعية المواطنين بعدم تناول أي مكملات أو منتجات مجهولة المصدر دون استشارة طبية.
هناك من يصف هجرة الأطباء بأنها “نزيف صامت” للقطاع الصحي.. إلى أي مدى تتفق مع هذا الوصف؟
أتفق مع هذا الوصف بدرجة كبيرة، لأن ما يحدث حاليًا يمثل نزيفًا حقيقيًا للكفاءات الطبية، فمصر تمتلك أطباء على مستوى علمي ومهني متميز، لكن آلاف الأطباء غادروا خلال السنوات الأخيرة للعمل بالخارج، وهناك أسباب واضحة وراء ذلك، منها ضعف الرواتب، وضغط العمل، وعدم توفر بيئة مهنية مناسبة، وهو ما قد ينعكس مستقبلًا على جودة الخدمات الصحية إذا لم يتم التعامل مع الأزمة بشكل جاد وسريع.
وما الحل من وجهة نظرك؟
الحل يبدأ بتحسين أوضاع الأطباء ماديًا ومهنيًا، وتوفير بيئة عمل آمنة ومحفزة، إلى جانب وجود قوانين تحمي الطبيب أثناء أداء عمله، كما يجب الاستثمار في الأطباء الشباب، لأنهم يمثلون العمود الفقري للمنظومة الصحية في المستقبل، والحفاظ عليهم ضرورة لضمان استمرار تطوير القطاع الطبي.
أخيرًا.. ما الرسالة التي توجهها للمواطنين للحفاظ على صحة الكبد والوقاية من الأمراض الخطيرة؟
أنصح المواطنين بالاهتمام بنمط الحياة الصحي، والابتعاد عن السمنة والتدخين والعادات الغذائية الخاطئة، مع ضرورة ممارسة الرياضة بشكل منتظم، وعدم تناول أي أدوية أو مكملات دون استشارة طبية، كما أن الكشف المبكر والفحوصات الدورية يمثلان عنصرًا أساسيًا في الوقاية، خاصة للأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو لديهم تاريخ مرضي بالكبد.
واختتم الدكتور محمد عز العرب حديثه بالتأكيد على أن الوقاية والكشف المبكر هما خط الدفاع الأول ضد الأمراض، قائلًا: “أي مجتمع لا يستثمر في صحة مواطنيه يدفع الثمن مضاعفًا في المستقبل”.

















.jpg)






