باحث تركي لـ”النهار”: تقارب القاهرة وأنقرة يعكس تحولات أعمق في بنية التوازنات الإقليمية
قال الباحث التركي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان، إن التقارب المتسارع بين مصر وتركيا يمثل أحد أبرز التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، معتبراً أن هذا المسار يتجاوز إطار استعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين البلدين ليعكس تحولات أعمق في بنية التوازنات الإقليمية وطبيعة العلاقات بين القوى الفاعلة في المنطقة.
وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن المنطقة تشهد انتقالاً تدريجياً من مرحلة الاصطفافات الحادة والمحاور المتصارعة إلى مرحلة جديدة تقوم على إدارة المصالح والتوازنات المرنة، في ظل تغيرات متسارعة في البيئة الدولية والإقليمية.
إعادة تموضع إقليمي
وأشار الخبير التركي إلى أن عودة العلاقات بين القاهرة وأنقرة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إنهاء لفترة من التوتر السياسي، بل تمثل إعادة تموضع استراتيجي تعكس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن استمرار الصراع المفتوح يحمل كلفة سياسية وأمنية واقتصادية أكبر من المكاسب المحتملة.
وأضاف أن العلاقات بين البلدين باتت مرتبطة بحسابات إقليمية أوسع تتجاوز الخلافات السابقة، في وقت تتراجع فيه الاعتبارات الأيديولوجية لصالح المقاربات البراجماتية القائمة على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.
وأكد أن التحولات الجارية تشير إلى وجود توجه متنامٍ لدى القوى الإقليمية الكبرى لإعادة صياغة علاقاتها وفق متطلبات الاستقرار والتنمية، بعيداً عن أنماط الاستقطاب التي طبعت العقد الماضي.
تراجع الدور الأمريكي
ورأى أتاجان أن التقارب المصري التركي يأتي في ظل بيئة دولية مختلفة عن تلك التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، حيث تشهد المنطقة تراجعاً نسبياً في مستوى الانخراط الأمريكي المباشر في إدارة ملفات الشرق الأوسط.
وأوضح أن هذا التحول دفع القوى الإقليمية الرئيسية إلى البحث عن صيغ جديدة لإدارة الأزمات وصناعة التوازنات بنفسها، بدلاً من انتظار الحلول أو الترتيبات القادمة من القوى الدولية الكبرى.
وأضاف أن أهمية التقارب بين القاهرة وأنقرة تنبع أيضاً من الثقل الجغرافي والديمغرافي والعسكري للبلدين، وقدرتهما على التأثير في عدد كبير من الملفات الإقليمية الحساسة.
من الصراع إلى التوازن
وأشار الباحث التركي إلى أن العلاقات بين مصر وتركيا شهدت خلال السنوات الماضية مستويات مرتفعة من التوتر، خصوصاً في ملفات ليبيا وشرق المتوسط والتطورات السياسية التي أعقبت أحداث عام 2011.
لكنه أوضح أن التجربة العملية أظهرت محدودية جدوى التنافس المفتوح بين الطرفين، حيث أدى استمرار الخلافات إلى استنزاف سياسي واقتصادي وأمني دون تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة لأي منهما.
واعتبر أن المرحلة الحالية تعكس انتقالاً تدريجياً من التنافس على النفوذ إلى إدارة النفوذ، عبر خفض مستويات الاحتكاك واحتواء الخلافات ضمن أطر سياسية ودبلوماسية قابلة للإدارة.
ليبيا بوابة الاختبار
وأكد أتاجان أن الملف الليبي يمثل الاختبار الأبرز لقياس مدى جدية وصلابة التقارب المصري التركي، نظراً إلى كونه أحد أهم ساحات التنافس بين البلدين خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن استمرار الانقسام الليبي بات يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأمنية والاستراتيجية لكلا الطرفين، الأمر الذي يدفعهما إلى البحث عن مساحات مشتركة للتعاون من أجل دعم الاستقرار السياسي داخل ليبيا.
وأضاف أن أي تقدم ملموس نحو تسوية سياسية مستدامة في ليبيا قد يفتح الباب أمام توسيع التعاون المصري التركي ليشمل ملفات إقليمية أخرى تتعلق بالأمن والطاقة والاستثمار.
رهانات الطاقة
وفي ما يتعلق بشرق المتوسط، رأى الباحث التركي أن التقارب الحالي يخلق فرصاً جديدة لإعادة صياغة معادلات التنافس القائمة في قطاع الطاقة.
وأشار إلى أن مصر تمتلك بنية تحتية متطورة في مجال تسييل الغاز الطبيعي، بينما تتمتع تركيا بموقع جغرافي استراتيجي يؤهلها للعب دور محوري في نقل الطاقة نحو الأسواق الأوروبية.
وأضاف أن تحقيق هذا التكامل المحتمل يتطلب وجود بيئة سياسية مستقرة وإطار مؤسسي واضح ينظم التعاون بين الطرفين ويحول المصالح المشتركة إلى مشاريع عملية طويلة الأمد.
الدور السعودي
وشدد أتاجان على أن أي إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية لا يمكن فصلها عن الدور السعودي المتنامي في المنطقة، نظراً لما تمثله المملكة من ثقل اقتصادي وسياسي مؤثر في ملفات الطاقة والاستثمار والعلاقات الدولية.
وأوضح أن نجاح التقارب المصري التركي واستدامته سيكون أكثر ترجيحاً إذا ارتبط بدرجات مختلفة من التنسيق مع الرياض، بما يسهم في بناء شبكات تعاون إقليمية أوسع تتجاوز منطق التحالفات الثنائية التقليدية.
وأضاف أن هذا المسار قد يعزز فرص بناء منظومة إقليمية أكثر استقراراً تقوم على المصالح المشتركة والتعاون متعدد الأطراف.
توازنات جديدة
وفي ما يتعلق بإيران وإسرائيل، أوضح الخبير التركي أن التقارب المصري التركي لا يستهدف أي طرف إقليمي بشكل مباشر، لكنه يساهم في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تتحرك ضمنها مختلف القوى الإقليمية.
وأشار إلى أن طهران تتابع هذه التطورات من زاوية تأثيرها على نفوذها الإقليمي، بينما تنظر إسرائيل إلى أي تقارب بين القوى الكبرى في المنطقة من خلال انعكاساته على معادلات الأمن والطاقة في شرق المتوسط.
وأكد أن المؤشرات الحالية لا تدل على تشكل محور صدامي جديد، بقدر ما تعكس عملية إعادة توزيع أكثر مرونة لموازين القوى الإقليمية.
شرق أوسط جديد
واختتم أتاجان بالقول إن المنطقة لا تتجه نحو قيام محور واحد مهيمن أو نظام إقليمي موحد، بل نحو نموذج متعدد المراكز تتعايش فيه قوى رئيسية مثل مصر وتركيا والسعودية وإيران وإسرائيل ضمن شبكة معقدة من التنافس والتعاون والتوازن.
وأضاف أن التقارب المصري التركي ما زال في مرحلة التأسيس ولم يتحول بعد إلى نموذج مكتمل، إلا أن نجاحه في بناء شراكات اقتصادية وأمنية ومؤسساتية مستدامة قد يجعله أحد أهم المؤشرات على انتقال الشرق الأوسط من مرحلة الصراعات الصلبة إلى مرحلة التوازنات المرنة خلال السنوات المقبلة.

















.jpg)






