أسامة شرشر يحاور الدكتور شوقى صلاح: هل سقط الغطاء الأمريكى عن دول الخليج؟
** هل تصبح مصر لاعبًا إقليميًّا كبيرًا فى قلب الترتيب الجديد للعالم؟
** روسيا والصين تديران حربًا بالوكالة ضد أمريكا من خلال إيران
لا شك أن الحوار مع المتخصصين فى الأمور العسكرية والإستراتيجية مهم جدًّا، في هذا التوقيت الحساس، بعيدا عن الإغراق الإعلامي الذي يتم من بعض الخبراء والمحللين لأن الأحداث وقراءتها تحتاج إلى بعد يقرأ كل توازنات ما بعد الحرب.. خاصة بعد محاولة ترامب الضغط على طهران من خلال فرض حصار بحري كامل على الملاحة في مضيق هرمز، بمعنى أعمق حصار النظام الإيراني في محاولة لخنق الشعب الإيراني حتى يتمرد على النظام، وهو أيضًا حصار اقتصادي بشكل غير مباشر للصين التى تستورد أكثر من 15% من النفط الإيراني، ولكن يبقى العائق أمام ترامب في مد أمد هذا الحصار هو أوروبا التى ضاقت بهذه الحرب بعد أن عانت من ارتفاع أسعار الوقود، فدول أوروبا لم تدخلها قطرة بترول أو غاز خليجية منذ بداية الحرب، وتسحب من مخزونها الإستراتيجي.
فبعد أن كان مضيق هرمز ورقة ضغط إيرانية تحول إلى ورقة ضغط ضدها من خلال حصار كل الموانئ الإيرانية.. ولكن هذا الأمر سيكون له تأثير سلبي خطير على ارتفاع أسعار البترول التى قد تصل إلى 150 دولارًا للبرميل إذا طال أمد الصراع.
وكما قلت كثيرًا في مقالات سابقة فإن ترامب أصبح أسيرًا لإسرائيل التى تريد معادلة صفرية مع إيران أو محوها من الوجود، ولكن تبقى النقطة الأهم: هل تنقل إيران المعركة إلى مضيق باب المندب (مضيق هرمز 2) من خلال ذراعها جماعة الحوثي في اليمن ردًّا على حصارها البحري في هرمز؟
هناك حكمة تقال في أي مفاوضات إنه يجب أن تترك لخصمك فرصة أن يتراجع بشرف حتى لا يتحول إلى وحش يائس ليس لديه مخرج، ولكن الواضح أن الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية (تُدار ولا تُحل) فترامب لا يمارس حربًا نفسية فقط لكن يمارس عمليات عسكرية نفسية، ولكن ما يحجمه حتى الآن من تطوير الصراع العسكري هو أن التضخم سيكون هو سيد الموقف بعد أن دمر العالم في أزمة حرب روسيا وأوكرانيا وأزمة كورونا وأن ارتفاع الأسعار سيكون جنونيًّا.
فلذلك كان لنا هذا اللقاء والحوار مع اللواء الدكتور شوقي صلاح عضو هيئة التدريس بأكاديمية الشرطة والخبير الإستراتيجي، وهو أحد المحللين الذين يتعاملون من خلال الواقعية السياسية وتقديم رؤية واقعية مختلفة خاصة لفترة ما بعد الحرب، لافتًا إلى أن هناك تحالفات جديدة تتشكل، وأنه لا بد أن نعطي لكل دولة الحق في كيفية عقد تحالفاتها بعد أن أعلنت بعض دول الخليج أنها ستعيد حساباتها وتكون خارج المنظومة الحالية.
وأعتقد أنه سيكون هناك تحالف مصري تركي مع دول الجوار، وهذا سيفتح الباب لتحالفات جديدة لأن مصر كدولة إقليمية كبيرة تتعامل من خلال أهداف إستراتيجية وليست عاطفية ولديها أكبر جيش في المنطقة وهو جيش مجهز لاستخدام أي تكنولوجيا عسكرية جديدة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بالإضافة إلى أن جهاز المخابرات المصري كان له دور حقيقي في تفكيك بعض الأزمات الكبرى في المنطقة، وأعتقد أن مرحلة التفاوض القادمة يجب أن تكون في مصر، بمشاركة تركيا والصين لمحاولة تقريب وجهات النظر، خاصة بعد أن نجحت مصر في أزمة غزة في وقف الطوفان الإسرائيلي، وتلقت إسرائيل درسًا لن تنساه في نجاح المفاوض المصري لتفكيك ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد.
التقيت مع الدكتور شوقي صلاح وتحاورنا لعلنا نقدم للقارئ المصري والعربي نظرة ورؤية جديدة للتحالفات التى ستحدث فيما بعد الحرب في منطقتنا الشرق أوسطية والعربية الساخنة دائمًا على مدار سنوات طويلة.
وتعمدت أن يكون الحوار مع شخص يحمل المؤهلات والمرجعيات والرؤية الثاقبة في التحليل والقدرة على متابعة أي تغيرات ومتغيرات جيوسياسية كل لحظة وكل ساعة..
وإلى نص الحوار

د. شوقي صلاح.. لتكن البداية التطرق بسؤال تمهيدى نقتحم به الحوار: من عدونا؟
الإجابة عن هذا السؤال تختلف من دولة لأخرى في المنطقة؛ فهناك من ترى أن إيران هي العدو الذي يحمل مخططًا يهدف إلى السيطرة على المنطقة وينطلق من منهاج عقائدي معادٍ لأهل السنة، بينما ترى دول أخرى أن العدو الأخطر هو إسرائيل، خاصة أنها أعلنت بجلاء وبلا مواربة أن ميراثها التوراتي وعقيدتها الصهيونية تتبنى وفقًا لها أجندة استعمارية تسعى إلى احتلال المزيد من الأراضى وتهويدها "من النيل إلى الفرات".. ورب قائل: مصر هي التي بدأت عقد اتفاق سلام بينها وبين إسرائيل في زمن عارضت فيه غالبية الدول العربية ومنها منظمة التحرير الفلسطينية هذه الاتفاقية.. وغني عن البيان أن اتفاقية السلام المشار إليها لم يترتب عليها أي تنازل عن أرض مصرية محتلة، بل تم بناء عليها استرداد كامل الأرض، ولم يتحقق التطبيع بين الشعوب رغم سريان هذه الاتفاقية، ويرى غالبية المفكرين المصريين أن إسرائيل هي الخطر الأكبر في المنطقة، يليها بمسافة في درجة الخطورة إيران، فكلاهما شر يجب الاحتراس منه.
أعلن ترامب سحب فريقه من المفاوضات نظرًا لخلافات جذرية تتعلق بالملف النووي، وذلك بعد مرور 21 ساعة فقط من زمن التفاوض.. فكيف تقرأ بشكل تحليلي هذا القرار؟
- يتبادر لذهن المتابع للأحداث أنها غالبا حلقة من حلقات حرب النفوذ داخل الإدارة الأمريكية، فهناك من سيُحذر ترامب من نجاح نائبه في مهمته الدبلوماسية الأولى، والتي بموجبها سيكتسب شعبية جارفة لدى الجمهور الأمريكي على حساب الرئيس بالطبع.. وستظهر انعكاساتها بقوة خاصة في حالة خسارة انتخابات نوفمبر المقبل؛ لذا من المتوقع أن يتم عمل ترتيبات واتفاقات سرية مع الجانب الإيراني تتولاها باكستان، وبعد التوصل لاتفاقات مرضية يمكن أن يُسَوقها ترامب للشعب الأمريكي كنجاح تستكمل به أهم أهداف الحرب.. ويتم بعدها الإعلان عن قيادة ترامب شخصيًا لجولة أخيرة من المفاوضات.. تنتهي بالطبع بالنجاح، ويكرر في نهايتها ترديده إعلان النصر على المستويين العسكري والدبلوماسي.
بعد حربين مفاجئتين من أمريكا وإسرائيل تبدو إيران صامدة ولم تنكسر رغم عدم تكافؤ ميزان القوة.. فكيف تفسر هذا الصمود الإيراني؟
- إن كانت معطيات الموقف تؤكد على أن ميزان القوة غير متكافئ بشكل واسع النطاق.. فقد تبنت إيران استراتيجية مآلها الآتي: الارتكاز على قدرات محددة تكون كافية للردع، ولعل أهم جوانبها أن يتم تأمينها من مخاطر التدمير، ومن هذا المنطلق بنت إيران قدراتها العسكرية على النحو الآتي:
أولًا: بناء قدرات نووية تنتهي بامتلاك السلاح النووي بما يكفي لردع إسرائيل حال اشتداد الصراع معها، على أن يبقى هذا السلاح في طي الكتمان إلى توقيت استخدامه.
ثانيًا: تطوير منظومة صواريخ بالستية فرط صوتية – ومنها ما هو انشطاري- يصعب اعتراضها، والوصول لتكنولوجيا تجعلها مؤلمة جدا حتى بفرض اعتراضها، وتأمين عملية تخزينها.
ثالثًا: تطوير منظومة الطائرات المسيرة- بكافة تنوعاتها- خاصة بعد تطوير المنظومة بتكنولوجيا روسية وصينية، لتصبح سلاحًا مؤثرًا ضد الأهداف المعادية.
رابعًا: تطوير منظومة الصواريخ البحرية التي يمكن من خلالها استهداف حاملات الطائرات والقطع البحرية المصاحبة لها.. وهي التي تم استخدامها بحذر بالغ ضد حاملة الطائرات "أبرهام لينكولن" وهنا أدركت أمريكا أن تهديد المرشد الراحل: علي خامنئى قبل وفاته بإغراق حاملات الطائرات لم يكن مجرد تهديد أجوف.
خامسًا: تطوير منظومات الألغام البحرية والبرية بما يكفي للتصدي لأي غزو بري.
سادسًا: توطيد أطر التعاون مع روسيا والصين على المستوى: السياسي والاقتصادي والعسكري، والمعلوماتي، ليجمعهما بإيران شبكة قوية للمصالح، ولمتطلبات مواجهة عدو مشترك.
هل نحن أمام حرب بالوكالة تدعم روسيا والصين فيها إيران؟
بكل تأكيد "نعم" ولعل بصمات روسيا والصين نلمحها في التطوير الذي شهدته المنظومة الصاروخية الإيرانية، والقدرات الأخيرة التي بدت في عملية ناجحة لإصابة الطائرة الأمريكية الشبحية F35 وإسقاط طائرات أمريكية حديثة أخرى.. كما نرى شواهد هذا في الدعم المعلوماتي المتعلق بتزويد إيران بإحداثيات المواقع بالغة الأهمية في إسرائيل.. وقد أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخرا تحذيراً للصين، وذلك من خلال رده على مراسلة شبكة CNN بشأن تقارير تفيد بأن الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة لإيران، حيث جاء في معرض رده: "حسناً، إذا أقدمت الصين على ذلك، فستواجه مشاكل كبيرة" ما أكثر التهديدات التي يطلقها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد أضحت بمثابة سماع ضجيج بلا طحين !!!.

ما رأيك في تصريح ترامب بمحاصرة خليج هرمز ومنع السفن التي توافق إيران على مرورها عبر المضيق؟
من منظور عملياتي يستطيع الجيش الأمريكي تنفيذ مهمة المنع هذه، ولكن القرار له انعكاساته السلبية على أسعار النفط العالمية وارتداد هذا على الداخل الأمريكي، وهو بهذا كمن يطلق النار على قدمه (shooting himself in the foot).
العلاقة بين ترامب ونتنياهو تبدو فيها سيطرة كاملة للأخير على الرئيس الأمريكي .. فما أهم أهداف هذه السيطرة؟
- غني عن البيان أنه تمت السيطرة الكاملة على الرئيس ترامب من قبل الموساد الإسرائيلي، وخير شاهد على هذا ما كشف عنه ما نشر من ملفات "إبستين" وهناك هدفان لنتنياهو يسعى لتحقيقهما على يد ترامب، الأول: استمراره في الحرب ضد إيران للقضاء على قدراتها النووية والصاروخية مع إسقاط نظامها، وهناك هدف شخصي آخر ألا وهو: دعم ترامب لنتنياهو للحصول على عفو رئاسي، ونشير بصدد العفو المشار إليه ملمحًا مهمًا يبدو في الأفق؛ فعندما أهان ترامب الرئيس الإسرائيلي – منذ شهر تقريبا- فقد قرأت الخبر كالآتي: ترامب لا يريد إنقاذ نتنياهو "رأس الأفعى" بل يريد أن تستمر محاكمته ويدان.. فليس من المنطق أن يهين الرئيس الإسرائيلي كي يلبي رغبته.. فالإهانة بالطبع ستجعله يعاند ولا يلبي مطلبًا، خاصة ومن وجهة نظر الرئيس الإسرائيلي فإن إصداره لعفو كهذا سيوفر حماية للسياسيين الفاسدين، وستنطلق بموجبه دعوة لمزيد من الانحلال الأخلاقي الذي يهدم كل القيم بالمجتمع الإسرائيلي.. ويترتب عليه أن يصبح الفساد نموذجًا يحتذى به مستقبلا، مما يؤدي لانهيار المجتمع من الداخل.. حيث يصل الأمر بالمجتمع لمرحلة التدمير الذاتي. ويحضرني في هذا السياق قول مقدم البرامج والإعلامي الأمريكي الأشهر: تاكر كارلسون: "مازلت أشعر بالأسف على ترامب، فقد تم تطويقه ولا يمكنه اتخاذ قراراته الخاصة...".
هذا، ونذكر بتهديد ترامب الذي نطق به من شهور حيث هدد بكشف السرية عن ملف اغتيال كيندي، والملف الخاص بالكشف عمن وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وأخيرًا، فإن هناك تحركات واعية للأجهزة الأمنية الأمريكية وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة الأمريكي (CIA) لمواجهة السياسات الإسرائيلية الرامية لترجمة تلك السيطرة لواقع تنفيذي يخدم مصالح إسرائيل ولو على حساب الولايات المتحدة الأمريكية.
سؤالنا الأخير والأهم.. ماذا عن رؤيتك حول ضرورة تشكيل ملامح إستراتيجية جديدة للأمن القومي العربي خاصة بعد الحرب الأخيرة ضد إيران؟
سنحاول هنا تفكيك عبوة هذا السؤال وتأمينها، على النحو الآتي:
أولًا: بالنسبة لدول الخليج العربي: فلعله من غير المتوقع أن يتم تغيير الاتجاه من الاعتماد على الحماية الأمريكية في المدى القصير- أي خلال السنوات الخمس القادمة- هذا مع استبعاد فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة لحماية المصالح العربية ومن ضمنها بالطبع المصالح الخليجية، فنرى أن طرحها الآن مجرد "أضغاث أحلام" لأسباب كثيرة لا داعى للخوض فيها.. ومع هذا فمؤكد أن غالبية الدول الخليجية ستتجه إلى تطوير منظومة "درع الخليج" لحماية مصالحهم المشتركة.. وغالبا سيُضم للتحالف الخليجي بعض الدول من خارج المنظومة الخليجية؛ لعل في مقدمتها باكستان والأردن واليمن وسوريا وربما العراق ولبنان. هذا، وستكون مصر دائمًا داعمة لجهود دول الخليج في الاعتماد على الذات وتطوير القدرات.. متى طلب منها هذا الدعم.
- ثانيا: أما عن أهم أذرع إيران في المنطقة: حزب الله اللبناني، الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن فإن إيران لن تتخلى غالبا عنهم، أما الموقف المصري من هذه الأذرع، فسيكون داعما للدول الوطنية، وستؤيد مصر الحلول الدبلوماسية لإنهاء الأزمات في دولهم المعنية.
- ثالثا: بالنسبة لإستراتيجية مصر لحماية أمنها القومي والإقليمي: فأرى أنها ستتجه لبناء تحالف دولي يضم: تركيا والجزائر وليبيا والسودان والصومال والسلطة الفلسطينية ودولًا أخرى.. من خلال اتفاقية يُنص فيها على ضوابط التعاون المشترك للحفاظ على الأمن القومي للدول أطراف الاتفاقية، وقد تشارك السعودية في هذا التحالف، حيث لا مانع من تعدد تحالفاتها، وفقا لتعدد المصالح المطلوب حمايتها، فالمصلحة هنا تتعلق بحماية أمنها القومي في البحر الأحمر خاصة في اليمن وباب المندب.
- جدير بالذكر أنه يجب الحرص على أن تظل الجامعة العربية كيانًا قائمًا، باعتبارها ذراعا سياسية محورية لكافة الدول العربية، مع أهمية تطوير نظامها الأساسي.










.jpg)

