هل آن الأوان لقوة عربية مشتركة؟
قبل أحد عشر عامًا، وتحديدًا في مارس 2015، خرج صوت من القاهرة يدعو إلى فكرة لم تكن عابرة أو دعائية، بل تعبيرًا عن قراءة مبكرة لتحولات الإقليم. حينها أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي ضرورة تشكيل قوة عربية مشتركة، “دون الانتقاص من سيادة أي دولة عربية”، لتكون أداة لمواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي العربي. الطرح جاء في سياق اجتماعات جامعة الدول العربية، ليضع على الطاولة تصورًا دفاعيًا يقوم على التعاون لا الوصاية، وعلى الشراكة لا الهيمنة.
اليوم، وبعد أن شهد الإقليم ضرب ست دول عربية في توقيت متقارب، يعود السؤال أكثر إلحاحًا: هل آن الأوان لتنفيذ الحلم؟
الواقع تغيّر، بل تعقّد. التهديدات لم تعد تقليدية أو محصورة داخل حدود دولة بعينها. هناك صواريخ عابرة، وميليشيات عابرة، وحروب سيبرانية، وصراعات تُدار بالوكالة. لم يعد ممكنًا أن تتعامل كل دولة منفردة مع أخطار تتجاوز جغرافيتها. فالأمن أصبح شبكة مترابطة؛ إذا انفرط عقدها في عاصمة، اهتزت عواصم أخرى.
فكرة القوة العربية المشتركة لم تكن يومًا انتقاصًا من السيادة، بل محاولة لحمايتها. لم تكن دعوة لذوبان الجيوش الوطنية، بل لتنسيقها. ولم تكن مشروعًا هجوميًا، بل صيغة ردع دفاعية تقول إن العرب قادرون على حماية فضائهم الاستراتيجي بأيديهم.
غير أن التنفيذ ظل معلقًا بين اختلاف الأولويات السياسية، وتباين تعريف “العدو”، وحسابات إقليمية معقدة. لكن الأحداث الأخيرة تفرض مراجعة جادة: حين يُضرب أكثر من طرف عربي في وقت واحد، فذلك يعني أن الخطر لا يميز بين عاصمة وأخرى، وأن الرد الفردي قد لا يكون كافيًا.
إن اللحظة الراهنة ليست لحظة شعارات، بل لحظة قرارات. إما أن يتحول التنسيق العربي من بيانات تضامن إلى آليات ردع حقيقية، أو يبقى كل طرف يواجه العاصفة وحده. السؤال لم يعد نظريًا: هل نحتاج قوة عربية مشتركة؟ بل أصبح عمليًا: هل نملك إرادة تشكيلها؟
ربما يكون الوقت قد حان لإعادة إحياء الفكرة بروح أكثر نضجًا وواقعية، تبدأ بتنسيق دفاعي واستخباراتي، وتمضي نحو صيغة مؤسسية واضحة تحترم سيادة الدول وتؤمن بأن الأمن العربي كلٌ لا يتجزأ.
بعد أحد عشر عامًا، تبدو الكلمات التي قيلت في مارس 2015 أقرب إلى نداء استباقي. واليوم، أمام مشهد إقليمي مضطرب، يبقى السؤال معلقًا في ضمير العواصم العربية: هل ننتظر الضربة التالية، أم نصنع معًا معادلة الحرب مجددا.


.jpg)
.jpeg)





.jpg)

