مدير مستشفى المقطم يكشف كواليس الحصول على ترخيص زراعة الكبد: عاهدت نفسي على تحويل ألم فقد والدي إلى أمل يمنح المرضى فرصة جديدة للحياة

وراء الإنجازات الطبية الكبرى حكايات إنسانية لا يعرف الكثيرون تفاصيلها، وربما يكون أكثرها تأثيرًا تلك التي تبدأ بألم الفقد وتنتهي بميلاد الأمل، هذا ما تكشفه قصة الدكتور محمد عبد الله، مدير مستشفى المقطم للتأمين الصحي، الذي نجح مع فريق العمل بالمستشفى في تحقيق إنجاز طبي تاريخي بالحصول على الترخيص الرسمي لإجراء عمليات زراعة الكبد، لتدخل هذه الخدمة إلى مستشفيات الهيئة العامة للتأمين الصحي لأول مرة منذ نشأتها.
الدافع الإنساني وراء هذا الإنجاز
وفي أول رسالة له عقب صدور الترخيص، كشف الدكتور محمد عبد الله عن الدافع الإنساني الذي كان وراء هذا الإنجاز، موضحًا أن الحلم لم يبدأ من مكتب إداري أو خطة لتطوير الخدمات الطبية، وإنما من تجربة شخصية مؤلمة عاشها بعد إصابة والده بفيروس سي وتليف الكبد، حيث كان الأمل الوحيد لإنقاذ حياته هو إجراء عملية زراعة كبد من متبرع، إلا أن القدر لم يمهله لتحقيق هذا الأمل، ليرحل إلى رحمة الله.
دافع قوي وعهد قطعه على نفسه
وأكد عبد الله أن رحيل والده ترك بداخله شعورًا عميقًا بالعجز أمام المرض، لكنه تحول مع الوقت إلى دافع قوي وعهد قطعه على نفسه بأن يسعى لتوفير هذه الخدمة الطبية، ومساعدة آلاف المرضى الذين يعانون من أمراض الكبد ويحتاجون إلى فرصة جديدة للحياة.
تنفيذ الفكرة داخل مستشفى المقطم
وأشار إلى أنه عندما أتيحت له الفرصة للعمل على تنفيذ الفكرة داخل مستشفى المقطم، بدأ التحرك بخطوات متتالية لتحويل هذه الأمنية إلى واقع، مؤكدًا أن الهدف لم يكن مجرد إضافة تخصص طبي جديد للمستشفى، وإنما تحويل تجربة الفقد التي عاشها إلى مشروع إنساني يساهم في إنقاذ حياة الآخرين.
دعم ومساندة قيادات الهيئة العامة للتأمين الصحي
وأوضح مدير مستشفى المقطم أن تحقيق هذا الحلم لم يكن جهدًا فرديًا، بل جاء نتيجة دعم ومساندة قيادات الهيئة العامة للتأمين الصحي، التي تمثل مظلة طبية لأكثر من 75 مليون مواطن، إلى جانب التعاون الكامل من قيادات فرع القاهرة وجميع العاملين بالمستشفى، الذين تعاملوا مع المشروع باعتباره مسؤولية مشتركة وحلمًا يسعى الجميع لتحقيقه.
تجهيز وحدة متكاملة لزراعة الكبد بأحدث الإمكانات الطبية
وكشف عبد الله أن رحلة الحصول على الترخيص تضمنت إنشاء وتجهيز وحدة متكاملة لزراعة الكبد وفق أحدث المستويات الطبية، شملت غرف العمليات والرعاية المركزة وأماكن إقامة المرضى ومعامل التحاليل ومركز الأشعة المتكامل وبنك الدم، بالإضافة إلى غرفة نموذجية للتعامل مع النفايات، بما يضمن توفير منظومة متكاملة قادرة على تقديم هذه الخدمة الطبية الدقيقة.
زيارة لجنة تراخيص زراعة الأعضاء
وأضاف أن الاختبار الأهم جاء مع زيارة لجنة تراخيص زراعة الأعضاء بوزارة الصحة، حيث سادت داخل المستشفى حالة من الترقب والقلق الممزوج بالأمل، موضحًا أنه لمس في عيون زملائه وزميلاته مدى تعلقهم بتحقيق هذا الحلم، وكأن نجاح المشروع أصبح هدفًا شخصيًا لكل فرد داخل المستشفى.
أول مستشفى تابع للهيئة العامة للتأمين الصحي يحصل على الترخيص
وتوجت هذه الجهود بحصول مستشفى المقطم للتأمين الصحي على الترخيص رقم 86 لسنة 2026، الصادر عن اللجنة العليا لزراعة الأعضاء البشرية، لتصبح أول مستشفى تابع للهيئة العامة للتأمين الصحي يحصل على ترخيص إجراء عمليات زراعة الكبد منذ تأسيس الهيئة، في خطوة تمثل إضافة نوعية للخدمات الطبية المتخصصة المقدمة لمنتفعي التأمين الصحي.
تامر مدكور وسيد جلال ورسلان.. قيادات ساندت المشروع حتى خروج الحلم إلى النور
وفي سياق حديثه عن كواليس الإنجاز، حرص الدكتور محمد عبد الله على توجيه الشكر لقيادات الهيئة وكل من شارك في تحقيق المشروع، مشيدًا بالدعم الذي قدمه الدكتور تامر مدكور، رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، منذ توليه المسؤولية، مؤكدًا أنه كان من أبرز الداعمين للمشروع، وسانده بكل قوة وحرص وحماس حتى تحقق الحلم.
كما وجه الشكر للدكتور سيد جلال، رئيس الإدارة المركزية للشؤون الطبية، لدوره في تذليل الصعوبات، والدكتور محمد رسلان، مدير عام فرع القاهرة، لمساندته المستمرة ومتابعته خطوات تنفيذ المشروع، والدكتور محمد محمود، نائب مدير فرع القاهرة، لما قدمه من دعم نفسي وتشجيع متواصل إلى جانب المساندة العملية.
وأشاد كذلك بدور الأستاذ الدكتور محب سعد، رئيس قسم الجراحة، والأستاذ الدكتور عمرو عبد الرؤوف، باعتبارهما من أصحاب الفكرة والجهود الأساسية التي ساهمت في خروج المشروع إلى النور.
كما لم ينس مدير المستشفى جهود الإدارات المختلفة بفرع القاهرة، ومنها إدارات الجودة والتموين الطبي ومكافحة العدوى والشؤون الطبية والسلامة والصحة المهنية والمعامل وبنوك الدم، إلى جانب فريق إدارة مستشفى وعيادة المقطم وجميع العاملين، الذين وصفهم بأهله في بيته الكبير، مؤكدًا أن لكل فرد منهم دورًا يستحق التقدير في هذا الإنجاز.
كما وجه الشكر للدكتور أحمد مصطفى، رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي السابق، تقديرًا لدعمه ومساندته للفكرة منذ بدايتها، في تأكيد على أن ما تحقق هو ثمرة جهود وتعاون امتد عبر مراحل مختلفة.
إنجاز يتجاوز حدود المستشفى إلى مستقبل الخدمات الطبية بالتأمين الصحي
ويحمل حصول مستشفى المقطم على ترخيص زراعة الكبد أهمية كبيرة لمنظومة التأمين الصحي، إذ يفتح الباب أمام إدخال أحد أدق التخصصات الطبية إلى مستشفيات الهيئة، ويعزز توجهها نحو التوسع في تقديم الخدمات العلاجية المتقدمة، إلى جانب خدمات زراعة الكلى التي يقدمها المستشفى بالفعل.
ويعكس هذا الإنجاز أهمية الاستثمار في التجهيزات الطبية الحديثة والكوادر البشرية المؤهلة، وتكامل العمل بين الإدارات الطبية والفنية والإدارية، خاصة أن عمليات زراعة الأعضاء تتطلب منظومة متخصصة تلتزم بالاشتراطات والضوابط المنظمة ومعايير الجودة وسلامة المرضى.
واختتم الدكتور محمد عبد الله رسالته بالدعاء لوالده الراحل، معربًا عن أمله في أن يجعل الله مساهمته في هذا الإنجاز في ميزان حسناته، وأن يكون سببًا في تخفيف آلام المرضى ومساعدتهم على تجاوز محنتهم، داعيًا الله أن يشفي جميع المرضى ويحفظ مصر وأهلها.
وبين ألم فقد الأب وفرحة تحقيق الحلم، تختصر حكاية مستشفى المقطم معنى مختلفًا للإنجاز الطبي؛ فالرجل الذي لم يستطع إنقاذ والده من المرض، استطاع أن يحول تجربته القاسية إلى مشروع طبي متكامل، قد يمنح مرضى آخرين فرصة لم تكن متاحة من قبل داخل مستشفيات التأمين الصحي، لتبقى هذه الخطوة أكثر من مجرد ترخيص، إنها حكاية وفاء لوعد قديم، وأمل جديد في حياة آلاف المرضى.

